aren

ما بعد الوباء لن يكون كما قبله…\\ كتابة : سمير العيطة
الإثنين - 23 - مارس - 2020

أزمة تفشى فيروس كورونا (وباء كوفيد 19) ليست عابرة. وليس من المبالغة القول إنها تشكل قطيعة مع ما سبقها.

قررت جميع الدول تقريبا الانكفاء على نفسها. هكذا أُغلقت الحدود والمطارات وتوقفت حركة البشر حول العالم وتقلصت التبادلات التجارية العالمية، وطفت على السطح معضلات ليس أقلها غرابة أن هذه الدولة لا تُصنع كمامات الوقاية وتنقصها الملايين منها يوميا حتى لحماية طاقمها الطبي، في حين مَنَعَت تلك التى تصنعها التصدير للدول التى تحتاجها. بالتوازي برز تسارع حثيث بحثا عن لقاحٍ أو دواءٍ لدولٍ يصرِح بعضها بأنها ستحتفظ به لمواطنيها دون منح براءة إنتاجه للدول الأخرى. هذا ناهيك عن قضايا صناعة وتبادل وسائل اختبار الإصابة في مرحلة الوقاية قبل الانتشار.

thumb_250552_700_400_0_0_exact

لقد تراجع النشاط الاقتصادي في جميع البلدان، أكثر منه في أية أزمة منذ «الكساد الكبير» في 1929. وفُرِضَ على الناس البقاء في بيوتهم وعدم الذهاب للعمل لكسب قوتهم. فأضحى الاستهلاك بحده الأدنى. هكذا ستأخذ إطالة الحجر الصحي كثيرا من الشركات إلى حافة الإفلاس والكثير من البشر إلى العوز بعد نفاد مدخراتهم.

تخبطت الإدارات الحكومية الوطنية، حتى الموصوفة منها بالمتقدمة، أمام تداعيات انتشار الوباء. إذ أظهرت الأزمة ضعف الأنظمة الصحية وعدم قدرتها على الاستجابة في المستشفيات. نقصٌ كبير في عدد غرف العناية الفائقة والإنعاش وفي الكوادر الطبية وفي وسائل التعقيم، وغيرها عدا أزمة الكمامات. كما تطلبت الأزمة إنفاقا حكوميا كبيرا، لشراء المستلزمات الطبية والأكثر لمحاولة إنقاذ اقتصاد البلدان والشركات من الإفلاس والمواطنين من قطع أرزاقهم. هكذا خرجت الموازنات العامة عن أطر إدارتها، ما ينذرُ بأزمة دينٍ عام لجميع الدول لا يُمكن معرفة مداها قبل أن ينحسر الوباء… ومتى سينحسر في كل دولة.

حينها ستكون لإعادة إطلاق العجلة الاقتصادية تداعياتها على الصعيد المحلي والعالمي. فمن سيتحمل حجم الخسارات الكبيرة لدى الشركات والمواطنين التي ستبطئ حُكما التعافي؟ وكيف ستعود آليات تزويد المواد الأولية وغيرها عبر التبادلات العالمية مع اختلاف تزامن انتشار الأزمة بين البلدان. وهل ستتعامل أوروبا مثلا مع الصين بالطريقة السابقة ذاتها بعد أن سارعت هذه الأخيرة بعد انحسار موجة الوباء عندها في إرسال مساعدات من التجهيزات الطبية والخبرات إلى أوروبا؟

كذلك سيكون للأزمة تداعيات سياسية. إذ يُشكِل فرض حجر المواطنين والمقيمين في المنازل وكذلك حالة الطوارئ والأحكام العرفية في بعض البلدان فرصة غير مسبوقة للاستئثار بالسلطة السياسية قد يجنح إليها بعض قادة الدول. كما ستفتح مرحلة ما بعد الأزمة فرصة محاسبة سياسية كبيرة حول طريقة إدارة السلطة للأزمة؛ الأمر الذي لا تبرُزه اليوم لكثرة المخاوف. فها هو مثلا رئيسٌ فرنسي يسمح بإقامة دورة انتخابات بلدية عالما بمخاطر العدوى ليُعلِن بعدها بيومِ واحد حجر الناس في منازلهم. كما يعدُ سريعا بمشفى ميداني عسكري في منطقة تفشي الوباء والجيش عاجزٌ خلال أسبوع عن إقامة هذا المشفى. ورئيس الوزراء البريطاني يترك الوباء يتفشى بشكلٍ طبيعي قبل أن يتراجع ويفرض إجراءات تشابه تلك التي اتخذتها الدول الأخرى.

كل هذا في دولٍ متقدمة أو محتسبة صاعدة. فماذا عن دولٍ نامية كالدول العربية. أغلبها قلل من حجم انتشار الوباء، في حين يبقى السؤال الأساس هو عدد اختبارات الإصابة التي تم إجراؤها في مرحلة مبكرة من تفشى الوباء. إذ لا بد للفيروس من أن ينتشِر في فترةٍ ما وأن تتشكل مناعة لدى السكان من جراء العدوى. والتحدي الحقيقي هو في وتيرة انتشار الوباء، الشديد العدوى عندما ينطلِق، وعدد الحالات الصعبة حين تبلغ العدوى ذروتها وقدرة المشافي على إنقاذ هذه الحالات عبر العناية الفائقة.

يبقى مكمن التخوف الكبير حينما تصل العدوى إلى مخيمات النازحين أو اللاجئين وإلى العشوائيات المكتظة بالسكان وإلى مجمعات العمال الأجانب التي تفتقر لأدنى متطلبات السلامة الصحية ومشافي الرعاية. طبعا في سوريا وفي دول جوارها، حيث تعاش أصلا كوارث إنسانية، ولكن أيضا في مصر والمغرب العربى ودول الخليج.

ماذا عن قدرات المستشفيات والمستلزمات الطبية، عندما يصل انتشار الوباء إلى ذروته، بعد أن تداعت المنظومات الصحية؟ وماذا عن العجلة الاقتصادية ومعيشة المواطنين حين يأتي زمن إلزام الناس في منازلهم وإعلان حالات الطوارئ. من سيتحمل كلفة الخسارات الاقتصادية في بلدان متعثرة أصلا ماليا واقتصاديا بعد «الربيع العربي»، بل في أزمة خانقة مثل لبنان، أو في ظل حصار اقتصادي ومالي مثل سوريا واليمن؟ ومن سيعوض العاملين عن خسارة مدخولهم، خاصة أن أغلبهم غير منظمين، يعملون لحسابهم الخاص أو دون أي عقد عمل أو تأمين صحي؟ وكيف سيعاد إطلاق التعافي الاقتصادى بعد انحسار الوباء؟ خاصة أن أغلب المشاريع الضخمة التي أطلقت فى الخليج ستؤجل أو تترنح.

بل هناك أسئلة أكبر. هل سيشكل الوباء فرصة لإنهاء الحروب القائمة في سوريا واليمن وليبيا؟ فها هو القتال يتوقف؟ وها هي دعوات بعض المعارضين السوريين تنطلق لرأب الصدع السياسى والاجتماعى فى سوريا لإنهاء الحرب. وها هو الجيش السوري يوقف سحب الشباب إلى خدمة العلم تخوفا من انتشار العدوى. والفرصة هنا أكبر من مفاوضات في جنيف وغيرها. إنها تكمُن داخل المجتمع وبين فئات المجتمع والقوى المتصارعة على الأرض، محليا لأن التنقل أضحى محصورا.

إن العدوى لا تفرِق بين مُوالٍ ومُعارض، ولا بين طائفة وأخرى. وهذه الفرصة إن لم يتم استغلالها ستفتح بعد انحسار العدوى مجالا واسعا لمحاسبة القائمين على إدارة الحرب ضمن الدولة والشخصيات الوطنية على إضاعتها. لن يكون ما بعد الوباء كما كان ما قبله.

كذلك هو الأمر بالنسبة للنظرة إلى الدول المتصارعة بالوكالة في هذه الحروب. هل ستستمر بالحصار وتمنع التجهيزات الطبية ووسائل الوقاية والعلاج عن الدول وعن منظمات الأمم المتحدة، بعد أن تقلص عمل المنظمات الأخرى بشكلٍ كبير بفعل توقف حركة البشر عبر العالم والانغلاق؟

أغلب البشر سيقبعون نتيجة للانغلاق لفترة طويلة في مساكنهم يتابعون وسائل الإعلام والمحطات الفضائية. فهل ستستمر وسائل الإعلام هذه في تأجيج المهاترات بين الدول وبين المذاهب والطوائف؟ كما فعلت وسائل الإعلام الأمريكية وقادة هذا البلد تجاه الصين عندما واجهت أولا أزمة انتشار الوباء قبل أن تظهر نجاعة إجراءاتها.

لن يكون ما بعد الوباء كما قبله في العالم، وخاصة فى البلدان العربية، وبالأخص في تلك التى تعيش حربا. الناجون من الوباء سيحاسبون بقسوة تصرفات الجميع عما فعلوه لإنقاذ النفوس والمجتمع والاقتصاد وكيف استغلوا، أو أضاعوا، الفرصة لوقف العبث بمصير البشر.

“الشروق”المصرية

طباعة