aren

ما الذي يمكن أن تخبرنا به الحروب الأهلية السابقة عن سورية وطريقها إلى التعافي؟ \\ بقلم : روبرت فيسك
الإثنين - 13 - مايو - 2019

Deir-Hafer

جنود الجيش السوري يقومون بدورية قرب مبنى في دير حفر بحمص.تم استعادة القرية من داعش عام 2017

التجدد \قسم الترجمة الخاصة\

عندما استعاد جنود الحكومة السورية ، أول الأمر، قرية “دير حافر” الصغيرة من “داعش” في العام 2017، عثروا في مبنى “المحكمة” الإسلامية ،المطلي باللون الأسود -وإنما التي هُجر على عجل- على أكوام من الوثائق، وقد عرَضت هذه المئات من الصفحات ، دليلاً رهيباً على كيفية تصرف المدنيين السوريين هناك خلال ثلاث سنوات على الأقل من احتلال “داعش”.

وصلتُ القرية مع الجيش السوري ،بعد أن كان طائرة روسية ،قد طردت “داعش” من الشوارع بالقصف -وكان الإسلاميون ما يزالون يطلقون القذائف، وهم يتراجعون، وهو ما أدى إلى مقتل قائد سوري كبير- ووصلتُ إلى مبنى المحكمة الشرعية المحلي، وهو مبنى خرساني محصّن بجانب ثلاثة قضبان للصَّلب مطلية كلها بالأسود، مصنوعة من الحديد، على منصة فوق الطريق. لكن الأوراق المتناثرة على أرضية المحكمة ، كانت هي القصة الحقيقية لدير حافر.

كان القضاة مصريين. وامتدت ولايتهم القضائية إلى “عاصمة” داعش السورية في مدينة الرقة ، وكشفت الوثائق أن أهل القرية ،استخدموا “العدالة” الإسلامية لخيانة جيرانهم -في إحدى الحالات لاتهام أبناء العمومة بأنهم جواسيس محتملون ، وفي قضية أخرى لاتهام شاب بمقابلة صديقته سرا ، عندما كان من المفترض أن يؤدي صلوات المساء. واتهم جيران آخرون بعضهم بعضا بالسرقة. وهناك رجل يُفترض أنه يجمع أجور الاشتراك لمولد كهربائي، والذي وضع النقود التي يجمعها في جيبه. وقامت “محكمة الشرطة الإسلامية الثورية” بتسليم عميل محتمل -ربما للحكومة السورية- لـ”العدالة”.

كانت أسماء شهود الادعاء، والمدعى عليهم، وأحيانا حراسهم “الإسلاميين” ، مذكورة بدقة في هذه الأرشيفات ، ولم يكن مفاجئاً أن تصل إلى القرية -بعد ساعة من مصادفتي مئات الوثائق على أرضية “المحكمة”- مجموعةٌ كبيرة من المواطنين الواجمين من (27) قرية حول دير حافر، قادمين من الطريق السريع الرئيسي عبر القرية، مرتدين أردية بنية طويلة، للبحث عن ضباط الجيش السوريين.

وأحضر القادمون معهم ،عريضة مشتركة ،موقعة من مخاتيرهم وقادة قراهم في مسعى “للمصالحة” مع الحكومة السورية ، لكن الجنود لم يكونوا مهتمين ، وقبلوا العريضة بلا مبالاة ، وأخبروا الرجال الحزينين الذين انحنت رؤوسهم في خضوع، بأن يتواصلوا مع السلطات في حلب ودمشق إذا كانوا يسعون إلى الغفران.

لقد فهم الجانبان الواقع. عندما يحتل وطنَك جيشٌ آخر -عندما تكون قريتك محتلة من قبل قوة منافسة- فإن عليك أن تعمل مع العدو من أجل البقاء ، أو أن تتعاون معه على الأقل ، لأن لحظة الاحتلال تصبح لحظة تعامل مع العدو.

gettyimages-1128854640

أصبح النظام السوري، الآن بعد أن فاز بحربه فعلياً، غارقاً في “لجان المصالحة” -التي لا بد أن يكون القرويون حول دير حافر قد سعوا إلى الاتصال بها من أجل الرحمة ، لكن إنهاء الحروب شيء، وإنهاء الحروب الأهلية التي يعارض فيها شعبٌ حكومته، وكذلك بعضه بعضا، هو شيء آخر مختلف تماماً.

وإذا لم يتم التوصل إلى مصالحة -أو تسوية- في مثل هذه الحروب، فسيكون من الأفضل لنا ، أن نقف على الجوانب ، ونستعد لمشاهدة الجزء الثاني من الصراع.

ولنأخذ يوغوسلافيا ، نعلم كلُّنا أن الحرب الأهلية ، التي شهدناها هناك في التسعينيات ، كانت لها سوابق تاريخية ، وكإثبات، ما عليك سوى قراءة رواية الكاتب اليوغسلافي (إيفو) أندريتش ، الحائز على جائزة نوبل، “الجسر على نهر درينا”.

لكن المجازر المدنية الحقيقية والشريرة في يوغوسلافيا ، التي تبيَّن أنها العنصر التأسيسي للنزاع العرقي الذي بدأ في العام 1991 ، وقعت في الحرب العالمية الثانية، عندما أنتج غزو ألمانيا في العام 1941 ، دولة كرواتيا الفاشية، التي كانت معسكراتها للإبادة -للصرب اليوغوسلاف واليهود والمسلمين– أكثر فظاعة في بعض الأحيان من نظيرتها النازية.

كانت في معسكر “جاسينوفاتش” ،غرفة للغاز. وكانت فيه أيضاً فرق من قوات (أوستاش) مدربة على إعدام ضحاياها، على غرار “داعش”، بالسكاكين والمناشير.

انقسمت المقاومة المناهضة لألمانيا إلى فصيلين ، يتبادلان العداء : الشيتنيك Chetniks الصربيين-الملكيين (1)، والحزبيين الشيوعيين ، وسرعان ما تعاون الفصيل الأول مع المحتلين الألمان والإيطاليين ضد الشيوعيين، وعمل الثاني -بدعم من الحلفاء والروس- ضد النازيين والإيطاليين والشيتنيك.

وفي النزاع البوسني الأحدث في التسعينيات، كان مجرمو الحرب يُسجنون إلى حد كبير على أساس شهادة شاهد عيان، ونادراً على أساس دليل موثَّق ، لكن الحرب الأهلية اليوغوسلافية الأصلية ، كانت مليئة بالأوامر المكتوبة والروايات عن الفظائع، والتي وقَّعها الجناة أنفسهم.

لم يُظهر أنصار “تيتو” ، أي رحمة تجاه أعدائهم الصرب أو الكروات أو المسلمين بعد التحرير ، وهكذا، عندما جلبوا الزعيم الصربي من التشيتنيك، دراغوليوب-درازا ميهايلوفيتش، إلى المحكمة في بلغراد 1946، قدم الشيوعيون سجلاته العسكرية الخاصة بالحرب ،لإدانته.

كانت هناك العديد من الروايات المثيرة للاهتمام حول التعاون البريطاني في البداية مع ميهايلوفيتش -لاحقاً، أدرك (تشرشل) أن (تيتو) ، كان أكثر كفاءة في قتل الألمان- ولكن تم نشر إجراءات المحكمة الرسمية على المستوى الدولي بما أنها تضمنت الكثير من المواد الوثائقية، ولدي نسخة أصلية باللغة الإنجليزية، كانت السلطات الشيوعية قد نشرتها في بلغراد في العام 1946.

وفيما يلي، على سبيل المثال، الوثيقة رقم 370، وهي تقرير من منطقة نهر (درينا) في البوسنة إلى ميهايلوفيتش من أحد مساعديه، والذي يُدعى (بافل) ديوريسيتش:

“وصلت فصائلنا إلى درينا خلال الليل… ثم بدأت عملية تطهير الأراضي المحررة… تم إحراق جميع القرى المسلمة بالكامل حتى لم يتبق منزل واحد فيها لم يسوَّ بالأرض… وأثناء العمليات نفذنا إبادة كاملة للسكان المسلمين، بغض النظر عن جنسهم وأعمارهم… فقدنا ما مجموعه 22… بين المسلمين كان هناك 1.200 مقاتل، وما يقرب من 8.000 ضحية أخرى -من النساء، كبار السن والأطفال… كانت معنويات وحداتنا مرتفعة جداً. أظهرت بعض الوحدات، مع قادتها، بسالة كبيرة في كل موقف، وهي تستحق كل الثناء”.

ربما يكون هذا نفسه ،تقريراً صربياً من البوسنة في العام 1992 ، وبما لا يثير الدهشة، أجاب ميهايلوفيتش بأنه “لم يعتقد أبداً” أن بافل ديوريسيتش “سيوضح الأمر بهذه الطريقة”. كانت هذه، بالطبع، محاكمة للخاسرين ،يجريها المنتصرون ،وقوانين نورمبرغ ، التي نادراً ما كانت تعمل في بلغراد الشيوعية في فترة ما بعد الحرب، لكن مصير ميهايلوفيتش -الذي كان بمثابة ميلوسوفيتش عصره- تحدَّد بالأدلة الورقية المكتوبة التي خلفتها قواته.

وكعدو لتيتو -الذي كان خطيئته الحقيقية- تم إعدامه في 17 تموز (يوليو) 1946 ، لكن كل ما فعله تيتو للتغطية على جرائم الحرب هذه -وتلك التي ارتكبها الحزبيون الذين ألقوا بالرجال والنساء والأطفال الكرواتيين في حفر الموت بعد أن تم تسليمهم (من قبل البريطانيين) في نهاية الحرب- كان وضع يوغوسلافيا في ثلاجة الديكتاتورية الشيوعية.

لم يتم إخماد الحرائق، وإنما تم إخفاء الرماد فقط ، لفترة تقل عن نصف قرن ، ثم وجدنا الشيتنيك الصرب يتقدمون مرة أخرى إلى وادي درينا ،لتدمير المسلمين، في تلك القرى نفسها ، التي قام فيها رجال ميهايلوفيتش “بإبادتهم” بتلك “البسالة” نفسها خلال الحرب العالمية الثانية.

وهكذا، يكون قتل قادة الجانب الخاسر في حرب أهلية ، بمثابة هدنة لإطلاق النار في نزاع عرقي، وليس نهاية حاسمة للصراع .أنك تستطيع أن تضع الكرب في صندوق ثلج، ولكن في اللحظة التي يذهب فيها مالك الثلاجة، يتم إيقاف التيار ، وتعود كائنات الماضي المجمَّدة إلى الحياة.

قبل أن تبدأ حرب العام 1991، كان الصرب والكروات قد شرعوا في فتح المقابر الجماعية للحرب العالمية الثانية. “لماذا يفعلون هذا؟” سألتني مترجمتي الصربية المسنّة بلهجة بلاغية. “لكي يسكبوا فيها المزيد من الدماء”.

كافح اللبنانيون بدورهم مع الأشباح نفسهم ، منذ انتهاء حربهم الأهلية العرقية الخاصة ، التي دامت 15 عاماً -بمساعدة من مجموعة من الدول الغربية، وإسرائيل وسورية- في العام 1990 ، ومنح قانون لحقبة ما بعد الحرب ،صدر في العام 1991 ،العفو الفعلي لكل الزعماء السياسيين اللبنانيين، والقتلة الذين عملوا معهم عن عشرات الآلاف من جرائم الحرب ،التي ارتكبوها ضد الرجال والنساء والأطفال، ومن بين الذين نالوا العفو، كان رجال الميليشيات المسيحيون ،الذين ذبحوا في العام 1982 ما يصل إلى 1.700 لاجئ فلسطيني في مخيمي (صبرا وشاتيلا) تحت أعين القوات الإسرائيلية.

ولكن، كان هناك عند صدور العفو ،حوالي 18.000 لبناني ، ممن “اختفوا” للتو – في مقابر جماعية حفرها كل من المسيحيين والمسلمين، أو في السجون السورية ، وما تزال عشرات الآلاف من العائلات اللبنانية التي تبقي أحباءها “أحياء” حتى اليوم من خلال المطالبة بالمعلومات عما حدث لهم – وأماكن رفاتهم.

وتواصل صحيفة “الشرق اليوم” ،المسيحية الناطقة باللغة الفرنسية بشجاعة ، التذكير بهذه الأرواح المفقودة والميتة بوضوح من خلال السماح لها بأن تتحدث عن نفسها، بشكل متخيل، في سلسلة منتظمة بعنوان “الاحتفاظ بالأمل”.

وهنا “تتحدث” راية الداعوري -الأرملة ذات الثلاثين ربيعاً والأم لطفلتين ، عبير في سنتها السادسة ، ونسرين في سنتها الخامسة، في طبعة الصحيفة التي صدرت في 22 آذار (مارس) 2017، والتي نشرت بعد ما يقرب من أربعين عاماً من “اختفائها”.

“كنت في طريقي إلى سوق الغرب، لتسجيل عبير ونسرين في مدرستهما، عندما جرى اختطافي عند نقطة تفتيش أسفل متحف بيروت (للآثار). كانت سامية ومنى وحنان ويونس ، طلاباً شباباً عائدين إلى سورية… وقد اختفينا جميعاً. فقط سائقنا هو الذي أُطلق سراحه. وإلى جانب ذلك، كان هو الذي حمَل الأخبار الرهيبة إلى عائلاتنا… لا تدعوا قصتي تنتهي هنا”. هذه الكلمات متخيلة، بطبيعة الحال ، لكنها ربما تكون بالتأكيد ما كانت لتقوله (راية) ن لو أنها استطاعت أن تتحدث إلينا حقاً.

كأناس يحسنون التأمل بقدر ما هم أذكياء، استنطق اللبنانيون مشاعرهم مرات عديدة، سائلين أنفسهم عن كيف استطاعت هذه المجتمعات الموهوبة -بالمعنى الحرفي للكلمة- والمتعلمة أن تنتج مثل هذه الفظائع وعلى مثل هذا النطاق.

Lebanon-paddy-dowling-5

استكشف الباحث والمؤرخ اللبناني (فواز) طرابلسي ، الصراعات المدنية في كل من الأدب والفن -في أعمال الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط، الذي احتدم ضد الظلم والديكتاتوريين، وفي أعمال بيكاسو وكارافاجيو، وفي عمل المخرج البوسني أديمير كينوفيتش (تدور أحداث فيلمه “الدائرة الكاملة” في التسعينيات في سراييفو).

وكان من المحتم ،أن يكتشف طرابلسي تداخلاً مستمراً بين شخصيات الجلادين والضحايا، ونقل عن وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي اللبناني -والسياسي المفكر الكبير الوحيد في لبنان- ما قاله خلال الحرب الأهلية في العام 1986 من أن “العدو موجود الآن داخل كل واحد منا”.

في لوحة كارافاجيو “داود مع رأس جالوت”، كما قال طرابلسي في مقابلة أجريت معه قبل عامين، أعطى الرسام ملامحه هو لرأس جالوت المقطوع ، وفي غيرنيكا، كما لاحظ الكاتب، ميز تأمُّل بيكاسو في آثار القصف الألماني للمدينة الباسكية في العام 1937، ميَّز القاتل في جثة الضحية. ويعتقد طرابلسي أن الرسم والمسرح والسينما ، هي أكثر قدرة على التعبير عن “جوهر الصراع الأهلي” من التحليل السياسي أو التاريخي.

بدأ طرابلسي دراسته الحرب اللبنانية من خلال البحث في الحرب الأهلية الإسبانية -غير مدرك في ذلك الوقت للحجج الدنيئة التي سيقت لإبقاء الدكتاتور فرانكو في “وادي الذين سقطوا” (2) The Valley of the Fallen الرهيب- وأشار إلى عدد الفنانين الذين ألهمتهم لوحة غيرنيكا ، وقاموا بتسجيل أهوال العنف في العراق والجزائر ولبنان وفلسطين ، وسورية.

يقول طرابلسي: “لكنني سألت نفسي بالمثل عما إذا كانت غيرينكا ما تزال قادرة على التعبير عن رجس حروب القرن الحادي والعشرين”. وعلى الرغم من أن قلة هم الذين يبدو أنهم يقدرون هذه الحقيقة، فقد كانت هذه اللوحة من أوائل أعمال الفن التي صورت نتيجة القصف الجوي.

وإذن، من هو الذي سيقاضي القتلة في الحرب السورية، سواء كانوا من النظام السوري ، أم أعداءه؟

يخطط اللاجئون السوريون، كما زُعِم على نطاق واسع، للسعي إلى مقاضاة النظام السوري لارتكاب جرائم حرب، مسترشدين بسابقة حيث يحاول اللاجئون من مسلمي الروهينجيا، اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية ، لمقاضاة قادة ميانمار بتهمة الاضطهاد.

لكن الإدارة الأميركية ، أعلنت مسبقاً أنها سترفض منح تأشيرات الدخول للمدعين العامين للمحكمة الجنائية الدولية ، الذين يحققون في جرائم الحرب الأمريكية في أفغانستان أو العراق -وأن هذا سيشمل محاولات توجيه الاتهام إلى الإسرائيليين ،أو التحقيق معهم.

وإذا كان هذا يدل على مدى القرب ، الذي تضع فيه واشنطن نفسها مع الدفاع عن مذابح إسرائيل في غزة، فإنه ربما يُظهر أيضاً ،كم هو عدد الإسرائيليين ،الذين يحملون الجنسية الأميركية ، ولكن، كيف يمكن للمحكمة الجنائية الدولية ،أن تلاحق جرائم الحرب العربية، وأن تخفق مع ذلك في التحقيق في الجرائم التي يُزعم أن القوات العسكرية الغربية ،قد ارتكبتها؟

سعت محكمة “لاهاي” لجرائم الحرب إلى توفير العدالة لضحايا حروب الخلافة اليوغوسلافية في فترة التسعينيات ،وتم سجن مجرمي الحرب ، والذين عمدوا في كثير من الأحيان إلى قتل أنفسهم في السجن. ومع ذلك، فإن الكراهية والفساد -بعدد المرات التي يجتمعان فيها- في البوسنة وصربيا وكوسوفو الحالية، لا توحي بأن “العدالة” الدولية ، تنهي الحروب.

بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن على الدول المفردة ،أن تحاكم وحوشها -كما فعلت يوغوسلافيا في العام 1946 – انظروا إلى ما حدث عندما طالبت مجموعة من الناشطين اللبنانيين المستقلين في العام 2011 بإلغاء قانون العفو للعام 1991 ،ودعت إلى “محاكمة مجرمي الحرب اللبنانيين” ، حتى لو كان هذا يعني تقديمهم إلى العدالة في المحاكم الأوروبية ، وسرعان ما تلقت صفحتهم على موقع “فيسبوك” على الفور تهديدات من قادة كل حزب سياسي تقريباً في لبنان -مظهرين بذلك من يكون “المجرمون” المزعومون- لكنهم تلقوا الدعم من منظمة “هيومن رايتس ووتش”، التي تحدثت عن “ثقافة الإفلات من العقاب” التي أنتجها قانون العفو اللبناني الأصلي، وفشله في شفاء جراح الحرب الأهلية.

اقترح البعض أن أولئك المسؤولين عن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في لبنان ، يجب “عزلهم” عن مجتمعاتهم -وهي خطوة غير مرجحة لأنهم سيعاملون، على الأرجح، كشخصيات- وأن يُرغموا على دفع تعويضات مالية لضحاياهم.

بعد كل احتلال، تصبح “العدالة” ضرورة، ومصدر مضايقة، واستحالة

أعطى ديغول ، الفرنسيين فترة تأجيل ، وراحة قصيرة من قانون قضائي لـ”تطهيرهم” في حقبة ما بعد التحرير -والتي تعرض فيها الآلاف من قتلة ميليشيات بيتان وآلاف من المتعاونين الأبرياء نسبياً والكثير من الأفراد الأبرياء كلياً للاستهداف من خصومهم لأسباب شخصية- حيث تم إعدامهم أو إطلاق النار عليهم ، أو طعنهم بالسكاكين ، أو رميهم في مقابر جماعية.

ووصف ديغول ، حزنه وغضبه عندما اضطر، كل ليلة، إلى أن يقرأ الاتهامات القضائية بالتعاون وجرائم الحرب التي يفترض أن يكون قد ارتكبها مواطنون فرنسيون ، وأن يقرر من يجب أن يواجه فرقة الإعدام ومن ينبغي أن يفقد حقوقه المدنية فقط ، وقد سمح ديغول بإعدام (لافال)، لكنه أبقى على حياة (بيتان) المسن، الذي كان قد سمى اسمه على اسمه.

ولكن، عندما نقف عن كثب بجانب القتلة والضحايا، فإننا نواجه مشاعر أخرى: الحاجة إلى الانتقام، والرغبة في المصالحة، والافتراض البائس بأنه لا يمكن إلا لعقود من الزمن أن تحل تداعيات القسوة والسادية. ويبدو أن النزاع الأهلي، مثله مثل جميع النزاعات الأخوية، ينطوي على وحشية خاصة حيث يغفر الضحايا -إذا أمكن اكتشاف كلماتهم الأخيرة- أحياناً لأولئك الذين أوشكوا على تدمير حياتهم.

في هذه السنوات المائة ،التي مرت على بدء الصراع في أيرلندا -من انتفاضة 1916، ومفاوضات المعاهدة مع بريطانيا ثم الحرب الأهلية- أصدرت السلطات الأيرلندية الآلاف من طلبات تلقي الرواتب التقاعدية، لقاء الخدمة العسكرية من العام 1916 وحتى 1923، من الانتفاضة إلى الحرب الأهلية ، التي نشبت بين هؤلاء الأيرلنديين ،الذين قبلوا معاهدة شبه الحرية ،التي ما تزال تجبر (26) مقاطعة من أيرلندا على البقاء داخل الإمبراطورية البريطانية، وأولئك الذين اعتبروا قسم الولاء للتاج ،بمثابة خيانة سياسية.

من بين الملفات ،التي تم الإفراج عنها مؤخراً من المحفوظات العسكرية في دبلن، يمكننا أن نجد واحدة من بعض أكثر مراثي الحرب الأهلية حزناً وشجاعة، آخر رسالة كتبها إلى عائلته مفتش مصائد الأسماك (جيمس) كين -وهو رقيب سابق في قوات الشرطة الملكية الأيرلندية تحت القيادة البريطانية- الذي حكم عليه زملاؤه الإيرلنديون بالإعدام بتهمة “التجسس” في العام 1921.

dvf

كتب كين: “أولادي الأعزاء. أنا محكوم بالموت. وقد زارني الكاهن اليوم بحمد لله. وأنا أمنحكم كل بركتي وأدعو الله أن يحميكم جميعاً. صلوا من أجلي وأقيموا على روحي بعض الصلوات”.

ثم يسرد كين في رسالته، بعناية فائقة، كل تلك النفقات التي يمكن أن تحصل عليها أسرته من الجيران، الذين يدينون لهم بالمال -مقابل أثاث، وخزانة ملابس، ووسائد- ويقترح عليهم بيع منزلهم وشراء “كوخ جيد”.

ثم -وهنا قد يذرف القارئ الدموع- ينهي كين بهذه الكلمات: “لا تنفقوا الكثير من المصاريف على الجنازة ولا تقيموا طقوس الشراب أو السهر على روحي. قيل لي إن جثتي ستُجلب إلى قرب المنزل. حصلت على أعظم اللطف من الرجال الذين كانوا مسؤولين عني. وداعاً الآن وبارك الله فيكم وبارك الله أيرلندا. صلوا من أجلي دائماً وأبلغوا حبي لجميع أصدقائي وجيراني وأشكروهم على كل لطفهم معي. وداعاً من الأب المحب. يا كل أولادي الأعزاء. جيمس كين. ادفنوني بالقرب من زوجتي المحبة إذا كان ذلك ممكناً”. ها هو رجل فكر بطوية حسنة فقط بقاتليه، أولئك الذين أروه “أعظم اللطف”. وقد تم إعدامه بالرصاص في 16 حزيران (يونيو) 1921 في شناكول في مقاطعة ووترفورد.

 

ثم هناك رسالة من الحرب الأهلية ،كتبها قائد سابق في الجيش الأيرلندي من الجانب المؤيد للمعاهدة، والذي يسعى فيها إلى الحصول على معاش تقاعدي في العام 1929 للوالدة المفلسة للعميد جورج (آدمسون) ، وهو ضابط طبي وطبيب أسنان، والذي حاول في العام 1922 ، منع جنوده من التمرد ضد الحكومة الأيرلندية.

وكتب الجنرال: “كان بقية ضباط اللواء الذين تحولوا إلى جنود غير نظاميين يعتبرون آدمسون دائماً شخصاً خائناً خذلهم… وقُتل لاحقاً في شوارع أثلون”. ثم هناك جيمس مارون الذي انضم إلى غارة انتقامية ضد شرطة أولستر البروتستانتية الخاصة في نيوري في العام 1920:

كانت أوامرنا تقضي بإحراق كل منزل وإطلاق النار على كل ذكر ، يمكن أن نجده . أحرقنا 12 منزلاً وقتلنا بالرصاص ثمانية من شرطة أولستر ،ولكن الجزء المؤسف من ذلك كله ، هو أننا أطلقنا النار على امرأة واحدة (بطريق الخطأ) ، وهي تعيل لأسرة كبيرة ، وقد ضرب هذا على أعصابي ، وشغل فكري… لفترة طويلة لم أستطع النوم ، وأنا أفكر في المرأة والآخرين ، الذين أطلقنا النار عليهم”.

في الواقع، يظهر العديد من الأيرلنديين الذين قاتلوا في حرب الاستقلال ،والصراع الأهلي الذي أعقب ذلك في وثائق المعاشات التقاعدية كمرضى، نزلاء في المصحات أو مهاجرين إلى الولايات المتحدة ، وهو مؤشر محزن على الضائقة الاقتصادية ، التي عانت منها أيرلندا ما بعد الاستقلال.

Lebanon-paddy-dowling-3

أستطيع أن أتذكر جيداً من سنواتي الأولى ، كمراسل صحفي في أيرلندا، أنني قابلت بعض محاربي الجيش الجمهوري الأيرلندي القديم الذين قاتلوا البريطانيين ،ثم قاتلوا بعضهم بعضاً ، وقد تحدثوا دائماً بكل فخر عن معركتهم ضد التاج وبحزن عميق عن الحرب التي أعقبت ذلك.

قد تُسامح العائلات محتليها البريطانيين السابقين ، لكن التصالح مع فكرة وفاة رجل قتل برصاص جيرانه كان أصعب بكثير، وحتى في أوائل سبعينيات القرن الماضي -بعد نصف قرن من الحرب الأهلية الأيرلندية- وجدتُ عائلات أيرلندية تعرف أسماء الأيرلنديين الذين قتلوا آباءهم ،أو إخوتهم قبل عقود ،وكان جماعة الجانب الفائز، أولئك الذين قبلوا الاحتفاظ بعهد الولاء للملك البريطاني، قد قاموا بقتل بعض سجنائهم الأيرلنديين -في إحدى المناسبات الرهيبة، تم ربط الجنود القدماء “غير النظاميين” معاً ،وتفجيرهم بلغم.

سيكون من المرضي ،أن نقول إن هذه الحرب قد انتهت حقاً -إلا إذا كان “بريكسيت” والتعليقات الفظيعة والإجرامية التي يطلقها السياسيون المحافظون تجاه أيرلندا ،يمكن أن يفتحا هذه الجروح.

وفي المجمل، ربما يستغرق الأمر مائة عام ، حتى تنتهي الحروب الأهلية. بحلول ذلك الوقت، يكون المذنبون قد ماتوا ،والضحايا قد تجاوزوا العمر الذي كانوا ليموتوا في نهايته لأسباب طبيعية ، وإذا فاز أحد الأطراف، فسنجد أن “أمراء الحرب” -على حد تعبير منظمة لبنانية غير حكومية- يظلون في الحكومة على مدى عقود ويتمتعون بذلك بالحماية ، ولا يعفي قانون العفو اللبناني للعام 1991 ، أولئك الذين اغتالوا أو حاولوا قتل “شخصيات دينية ، وزعماء سياسيين ودبلوماسيين عرب وأجانب”.

وفي حال ازدرينا نحن البريطانيين فكرة العفو، فعلينا أن نتذكر فقط أن إنجليز القرن السابع عشر ،أنهوا حربهم الأهلية الخاصة بعد حرب “الإصلاح” بإصدار “قانون التعويض والنسيان” في العام 1660.

تتمتع الدولة بالقدسية ، وكما هو الحال في الجزائر ،حيث تم إصدار قانون عفو آخر بعد حمام الدم في الفترة 1992-1998 -وقتلاه الذين بلغ عددهم 250.000- والذي عفا عن أفراد الجماعات المسلحة الذين لم يرتكبوا مذابح أو أعمال اغتصاب أو تمرد ، لكنه عفا تماماً أيضاً عن كل ممارسة للتعذيب وأي جريمة حرب ارتكبتها الميليشيات الحكومية الوحشية ، وجماعات الجيش التي حاربت الإسلاميين في الصراع.

وعلاوة على ذلك، منع القانون خوض أي نقاش حول الجرائم الفظيعة ، والانتهاكات المرتكبة في هذا الجلجلة من الدم!

لن يكون من المفاجئ ، أن نعرف أن الذي وضع هذا التشريع المشين -في أيامه الأكثر تعقلاً والأقل غيبوبة – كان عبد العزيز بوتفليقة، الذي حاول حتى اللحظات الأخيرة التشبث بالسلطة في الجزائر ضد رغبات الملايين من أبناء شعبه المحتجين. هل تجلب الحرية الغفران؟ وإلى متى يجب علينا الانتظار؟ بعد انتهاء الحرب اللبنانية، كنت حاضراً في حفل قهوة صباحي في بيروت حضره زعيم طائفي بارز. وفي إحدى زوايا الغرفة تواجدَت سيدة في منتصف العمر ، كان ابنها قد اختُطف -و”اختفى” عند خط المواجهة- على أيدي ميليشيا نفس الزعيم الطائفي.

وقفَت لبعض الوقت، وهي تتمتم بغضبها ضده ، وبعد ذلك، وبينما نشاهد منذهلين، واجهت المرأة الرجل، طالبةً معرفة ما فعله بولدها، وهي تصرخ وتصرخ ، وتنشج بحبها الأمومي لابنها الميت بلا شك ، وقد حاول الرجل التفكير معها، وقال إنه سيحاول معرفة ما حدث -بالطبع سيفعل- وإنه يشعر بالأسف لأجلها، لكن المرأة اقتيدت بلطف وحزم إلى خارج الغرفة. كانت والدة الضحية ، هي التي يجب أن تغادر، وليس القاتل.

hy

في العام 2017، كان محافظ حمص السوري ، يحاول إقناع المواطنين(السُنّة) بالبقاء في منازلهم ، وعدم المغادرة على متن حافلات المتمردين إلى محافظة إدلب ، وكنت أسير بجانبه ، وهو يتسلق الحافلات ويتوسل إليهم بدون جدوى . وقال لي لاحقاً: “هناك الكثير من الناس هنا من الذين يريدون عودة أحبائهم. حدثت العديد من عمليات الاختطاف في بداية الحرب وهم لا يصدقون أنني لا أستطيع إعادتهم. لقد مضى وقت طويل على ذلك. ونحن لا نعرف من هو الجانب المسؤول”.

ولكن، يمكننا أن نخمِّن. ونحن، كصحفيين، نعرف عادة -كما تعلم عائلات الضحايا- مَن هو الذي ربما يكون قد قتل مَن عند نقطة تفتيش لبنانية أو سورية أو بوسنية. بعد كل شيء، كنا نعرف من قتل 8.373 إنسان في سريبرينيتسا. وقد رأينا الجنرال (راتكو) ملاديتش على شرائط الفيديو ، ولكن هل يتعلق الأمر بالأفراد؟ أم أنه يتعلق بأولئك الذين أطاعوا -على الرغم من عدم حماسهم- أوامرهم؟ أو مَن هم الذين تعاونوا، مثل القرويين المحيطين بدير حافر، مع العدو ثم عملوا معه ، ثم وجدوا أنفسهم، بعد ثلاث سنوات، في الجانب الخاطئ من الحرب؟

أولئك الذين ظنوا ، أنهم كانوا على الجانب “الصحيح” من الحرب -في تونس، على سبيل المثال، حتى أثبتت الثورة ضد (بن علي) أنهم مخطئون- تُركوا ليعيشوا مع كوابيسهم الخاصة،وهي ظاهرة تستحق الاستكشاف.

في تونس، كانت هناك، على الأقل، جلسات الاستماع ،التي سُميت “الحقيقة والكرامة” بعد سقوط الديكتاتور، وقد تمكنت المجلة الفرنسية الصغيرة المشاكسة ، المسماة “شباب أفريقيا” من إقناع شرطي سابق مارس التعذيب وأصبح عمره 68 عاماً ، بالاعتراف بجرائمه في ظل النظام ، ووصف “رضا” (تم تغيير الاسم، بالطبع) كيف كان يعمل هو واثنان من رفاقه ، كانت مهمتهم الأولى ،هي إذلال السجناء الإسلاميين، وتجريدهم من ملابسهم ، وضربهم بالأنابيب الحديدية والسياط.

“ثم كانت هناك تقنيات أكثر تطوراً”، كما قال رضا. “مثل ‘الدجاج المشوي’؛ حيث يُعلَّق السجين من عمود حديدي بينما توثَق قدماه ومعصماه معاً، ثم يُعرَّض للصدمات الكهربائية على الأجزاء الأكثر حساسية من جسده -أو الحمَّام، حيث يتم دفع الضحية إلى ماء مليء بالمواد الكيميائية والبراز… لم تكن هذه مسؤوليتنا، لكننا كنا عالقين في النظام”.

وعندما سئل عن سبب استمراره في ممارسة التعذيب، أوضح رضا: “حياتي كانت مريحة، كنت أقوم ببناء منزلي، وكنت أتلقى التدريب الشُرَطي في فرنسا والمملكة المتحدة وفي بلدان شمال إفريقيا، وأعمل في مخابرات مكافحة الإرهاب” ، لكنه أدرك، كما قال، أنه كان يطيع الأوامر ليس من باب الاحترام لرؤسائه وإنما بدافع الخوف. وعلى الرغم من أنه أقسم أنه لم يمس أي سجينات إناث أبداً، إلا أنه كان يسمع صراخهن ، وعندما أتيحت له فرصة الاستقالة، غادر “بمشاعر الخجل من نظام كان يلتهم أطفاله. وعندما كنتُ أصادف لاحقاً سجيناً سابقاً، كنت أدعي أنني لم أعرفه. وكان يفعل الشيء نفسه”.

هنا، ربما، تتجسد صورة طرابلسي عن الجلاد والضحية ، اللذين أصبحا واحداً ، وخلص رضا إلى القول: “لكن كل الأسف الذي يمكنني التعبير عنه لن يمحو أي شيء حدث. لقد توجهت إلى الله، لكن الحصول على غفرانه كان أسهل من الحصول على غفران البشر… عاري يضنيني ويتبعني… لا أعتقد أنني تعرضت للخيانة، لكني أخشى أن يتم إلقاء القبض عليّ والإلقاء بي في السجن لأجرِّب ما فعلته أنا بالناس الآخرين. قد أكون جبانا، لكنني لست وحشاً”.

آه، لكنه كان كذلك. إن الحروب الأهلية -وهذه هي حالة المجتمع داخل الديكتاتوريات -تجعل منا جميعاً وحوشاً. لقد ولد نصف تنظيم “القاعدة” في غرف التعذيب التابعة للشرطة السرية المصرية ، وكان عمر (سليمان)، كبير شرطة مبارك وجواسيسه -المسؤول عن ملف العلاقات المصرية الإسرائيلية ، والرجل الذي رتب عمليات الترحيل السري الأميركية للسجناء ، ليتولاهم رجال التعذيب القاهرة- قد سافر شخصياً إلى تونس لتقديم المشورة لرؤساء رضا في العام 2006.

وفي العام 2017، قام خلفاء سليمان، الذين يعملون الآن لدى المشير-الرئيس السيسي بزيارة رسمية إلى دمشق لتقديم إحاطة للحكومة السورية ، كيف يستطيع الضحايا أن يفصلوا أنفسهم عن هذا العالم؟ كيف تستطيعُ أن تغلق الباب على المعاناة؟

المصالحة كلمة سهلة. وكذلك كلمة الحقيقة أيضا. كيف يمكننا أن نطفئ آلة الحرب الأهلية؟ بالأعذار؟ بالاعترافات؟ أم أن علينا أن ننتظر حتى يُنهي كل الذين ارتكبوا الخطايا -والذين كانوا ضحايا لهذه الخطايا- حياتهم الطبيعية على الأرض؟ حتى لو أنهم يكونون قد ماتوا بالحزن سنوات قبل ذلك.

هوامش الترجمة:

(1) كانت فصائل تشيتنيك Chetnik التابعة للجيش اليوغوسلافي، والمعروفة أيضا باسم الجيش اليوغوسلافي في الوطن أو حركة “رافنا غورا”، حركة من الملكيين اليوغوسلاف والقوميين الصرب في يوغسلافيا المحتلة، يقودها دراجا ميهايلوفيتش، والتي كانت مناهضة لقوى المحور في أهدافها طويلة الأجل، وشاركت في أنشطة مقاومة هامشية لفترات محدودة. كما انخرطت في تعاون تكتيكي أو انتقائي مع قوات الاحتلال طوال الحرب تقريبا. خلال فترة من الزمن، وفي أجزاء مختلفة من البلاد، انجذبت حركة تشيتنيك تدريجياً إلى اتفاقيات تعاون: أولاً مع قوات نيديتش في إقليم القائد العسكري في صربيا، ثم مع الإيطاليين في مناطق دالماتيا والجبل الأسود المحتلة، مع بعض قوات أوستاشي في شمال البوسنة، وبعد الاستسلام الإيطالي أيضا مع الألمان مباشرة.

(2) يقع وادي الذين سقطوا، يسميه البعض بالعربية “وادي الساقطة” (Valle de losCaídos) في منطقة سييرا دي غواداراما على بعد حوالي ثمانية أميال شمال إل إسكوريال. تم بناء المجمع بين العامين 1940 و1958، وهو عبارة عن نصب تذكاري لإحياء ذكرى جميع الذين لقوا حتفهم خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939). وتم دفن حوالي 40.000 من الجنود الوطنيين والجمهوريين هنا. ومع ذلك، فإن وادي السقوط مرتبط حتماً بنظام فرانكو حيث يوجد قبر الجنرال داخل الكاتدرائية التي كان قد أمر هو ببنائها.

لوحة “غيرنيكا” الشهيرة للفنان العالمي بابلو بيكاسو – (أرشيفية) جنود الجيش السوري يقومون بدورية قرب مبنى في دير حفار بحمص بعيد استعادتها من “داعش” – (أرشيفية)

المصدر \ http://What can past civil wars tell us about Syria and its road to recovery?

طباعة