aren

ماهي (المرحلة التالية) الامريكية ؟! \\ بقلم : د. فؤاد شربجي
الأحد - 30 - ديسمبر - 2018

 

 

JVHLFFFF

أعلنت واشنطن الانتقال الى (المرحلة التالية) في سورية ، مع اعلانها سحب قواتها ، حيث قالت الناطقة باسم البيت الابيض (سارة ) هاكابي ساندرز ، ان ” الرئيس ترمب أمر بسحب القوات الامريكية من سورية بمايتناسب مع الانتقال الى المرحلة التالية”.

واذا كان (سحب القوات) مهما – وهو كذلك – فان التفكير بماتعنيه (المرحلة التالية) مهم أيضا ، ويستوجب الاهتمام ، خاصة من قبل السوريين ، الذين تنزل عليهم السياسات الدولية والاقليمية كمخاطر متجددة ، وتهديدات متوالدة ، وهي حتما ليست هدايا الميلاد ورأس السنة ، بل هي مرحلة جديد من المخاطر ، تهم الجميع ، وتستدعي الاستنفار اللازم ، لمواجهتها.

قبل كل شيء ، ماهي (المرحلة التالية) ؟ ومامعناها امريكيا ؟

يمكن اختصار ما اتضح من معانيها ، كالتالي :

– ما سماه ترمب (سحب القوات الامريكية ) ، هو في الحقيقة (اعادة تموضع) للقوة الامريكية الموجهة الى سورية ، والدليل على ذلك مسارعة ترمب لزيارة قاعدة (عين الأسد) في العراق ، واعلانه أنه سيستخدم الاراضي العراقية كقاعدة انطلاق ، اذا ماقرر القيام بأي عمل في سورية ، كذلك فان القوات الامريكية ، التي توجه صواريخها وطائراتها ضد سورية ، مازالت في شرق المتوسط ، تتربص بسورية ، والسوريين.

– ينفذ ترمب – بشكل أعمق – الاستراتيجية الامريكية ، التي تعتمد على الحلفاء المحليين ، وهنا الحلفاء المحليون ، أو رأس حربتهم ، هما (تركيا واسرائيل) ، اللتان نسق معهما ترمب هاتفيا ، قبل ان يعلن قراره ، بالانتقال للمرحلة التالية ، وليس سحب القوات (فقط).

– من أهم معاني المرحلة التالية ، تفويض تركيا بمهمة القضاء على المنظمات الارهابية ، فقد أعلن ترمب ان اردوغان هو القادر على انجاز هذه المهمة ، وهذا يعني اطلاق يد اردوغان ضد الاكراد ، باعتبارهم (منظمة ارهابية) ، اي ان ترمب اعطى تركيا موافقته على العملية العسكرية في شرق الفرات ، تحت غطاء محاربة الارهاب .

– ومن الواضح ان (المرحلة التالية) امريكيا، هي الطريق المفضي الى تسوية سياسية في سورية ، وفق التفسير الامريكي الغربي للقرار 2254 ، لتركيا دور مباشر فيه ، ولاسرائيل دور غير مباشر ، وهذا مايعني محاولة نسف مساري (سوتشي وآستانة) ، او جرهما للمسار المتمثل ب(المرحلة التالية) .

 أما (المرحلة التالية) من المنظور التركي ، فانه من الممكن قراءة معانيها في النقاط المختصرة الآتية :

– الفوز بموافقة واشنطن على خطط تركيا حول شرق الفرات ، وضد الاكراد ، وعلى حساب سورية ، وبمايحقق مايسمى “الامن القومي التركي” ، وهذا المفهوم الذي يتضمن أطماع تركيا بشمال سورية والعراق ، وليس نشر الاعلام التركي ، مايدعي انه وثيقة تملك السلطان عبد الحميد الثاني ل(منبج) ، والقرى المحيطة بها ، الا جزءا من فضيحة الاطماع العثمانية الموهومة لاردوغان.

– يشعر اردوغان ، ان بموافقة امريكا على دوره في شمال سورية ، كسبت ورقة ضغط قوية تجاه روسيا وايران ، في اطار مسار آستانة ، ممايجعل لكلمته صداها القوي في كل مايتعلق بالتسوية ، أو الصفقات القادمة ، بحيث تضمن نفوذها في الشمال ، او في سورية كلها ، عبر عملائها من (الجيش الحر) الى (الحكومة المؤقتة) الى (الائتلاف الاخوانجي) الى (هيئة التفاوض ) باغالبيتها المنخرطة مع اعداء الشعب السوري.

– القرار الامريكي ، يتيح لاردوغان ، البيئة التي يتمناها للمناورة والتلاعب ، فهو يحس الان انه بات قادرا على العمل العسكري ، وعلى المناورة والخداع في السياسة ، وربما هذا مايريده الامريكي ويستغله اردوغان ، فهو ربما يلعب لصالح ترمب ، الا انه سيسرق حصيلة اللعبة لنفسه – هكذا يتوهم – والمصيبة انه التوهم ، الذي يحرك قوات ، ويسلح عنملاء ، ويشكل المخاطر والتهديدات ضد سورية .

تجاه كل ذلك ، فان لروسيا قراءتها ل(المرحلة التالية) الامريكية، ويمكن تلخيص معاني القراءة الروسية، بمايلي :

– شككت موسكو منذ الحظة الاولى بجدية الانسحاب الامريكي من سورية ، وهذا يعني انها تعاملت مع الامر بحذر شديد ، ويبدو انها انتبهت الى مخاطر وتهديدات (المرحلة التالية ) ، فسارعت الى التواصل مع جميع الاطراف ، وعملت على تحريك الوقائع ، بمايواجه المخاطر ، ويتصدى للتهديدات .

– بسبب تنبهها للدور التركي في هذه (المرحلة التالية) ، سارعت موسكو الى طلب التواصل معها ، ونقاش جميع الاحتمالات ، وهكذا جاء اجتماع وزراء الخارجية والدفاع (الاتراك والروس) في موسكو ، ليخرج بنتائج تحاول تفادي المخاطر ، عبر ضبط الحركة التركية ، وعبر محاولة تجميد العمليات العسكرية ، ريثما يتم اجتماع ضامني آستانة في روسيا على مستوى القمة ، وماسمته أنقرة بالتفاهم مع روسيا على (التنسيق) في العمليات البرية ، وهو في الحقيقة (الضبط الروسي) للعمليات البرية.

– موسكو ، سارعت الى استحضار مسار آستانة ، ودعت الى اجتماع قمة في روسيا للابقاء على (احتواء) تركيا في هذا المسار ، عبر الوعد بتحقيق مطالبها ، حول الامن القومي التركي ، دون المساس بالسيادة السورية .

وهذه المبادرة الروسية ، تعالج الشق السياسي من (المرحلة التالية) ، بضبط العملية السياسية في سورية ،عبر آستانة ، بعد تحويل القرار 2254 ، الى مجرد تصور يتم العمل في ضوئه ، وليس تطبيق بنوده.

– موسكو ، استقبلت ممثلي الاكراد ونصحتهم ، ان الحل للمأزق الذي وقعوا فيه ، بنتيجة الغدر الامريكي ، التخلي عن أوهامهم والعودة الى الانخراط تحت مظلة الدولة السورية ، وحكومتها الشرعية.

– موسكو تعمل مع الدول العربية على تحويل عداء هذه الدول للحكم في سورية ، الى آلية تعاون خاصة ، وان المخاطر تهدد المنطقة العربية برمتها ، وماعودة فتح السفارات ، الا نتيجة جهود روسية ، وخيبات خليجية ، وصمود سوري.

– موسكو تعمل على تحويل مخاطر (المرحلة التالية) الى فرص تصب في مصالح سياساتها بالمنطقة وعلى رأسها استعادة سيادة واستقلال سورية واستقرارها ، عبر عودة اللاجئين ، واطلاق عملية اعادة الاعمار ، والبدء بعملية حوار سوري – سوري ، للارتقاء السياسي الشامل .

أقسى معاني (المرحلة التالية) الامريكية ، وقعت على رأس الاكراد وأوهامهم ، فكان لهم قراءتهم التي يمكن اختصارها ، كالآتي :

– اعتبرت (قسد) ، التي تمثل الاكراد ، ان قرار ترمب (طعنة غدر في الظهر) ، خاصة وانه يطلق يد اردوغان ، الذي يريد ابادة الاكراد ، واخضاعهم بالقهر لسطانه .

– حاول الاكراد ، اللجوء الى فرنسا وطلبوا منها ، تطبيق حظر جوي وملء الفراغ ، الذي سيتركه انسحاب الامريكان ، ولكن باريس رغم اعلانها البقاء في سورية ، الا انها لا تستطيع ملء الفراغ ، الناتج عن الانسحاب الامريكي .

– لجأ الاكراد الى اعتبار التحالف الدولي بديلا ، او مفوضا من الامريكان ، لكن هذا التحالف لم يعد يمثل أكثر من تركيا ، التي تريد القضاء عليهم.

– مع لجوء الاكراد الى الحكومة ، والطلب منها حراسة الحدود ، والدخول الى منبج ، مازالو يتحدثون عن النظام الديمقراطي ، الذي أنشاؤه في الشمال ، ومازالوا يريدون حلا سياسيا ، يضمن لهم بقاء هذا النظام – وهذا غير مقبول من الحكومة السورية –

– الاكراد ، مازالوا في حالة (توهم)، ينتظرون مفاجآت ليحددوا مسارهم ، وهذا دليل ضياع بوصلتهم السياسية ، الواعية للوقائع.

ان المعني الاساسي ب(المرحلة التالية) الامريكية ، هي الحكومة السورية ، ويمكن تقصي قراءتها ، واختصارها بمايلي:

– ترى دمشق ، ان امريكا مازالت العدو الاكبر ، وان أي خطوة تقوم بها . تقوم أساسا على مبدأ العداء لسورية والسوريين وسيادتهم ، واستقلالهم .

– مع تصعيد تفعيلها للتنسيق السياسي الاستخباراتي مع الحلفاء الروس والايرانيين ، حددت دمشق مكامن الخطر ، التي تستهدفها (المرحلة التالية) ، وباشرت التصدي لها بشكل مباشر.

عسكريا : حركت قوات من النخبة نحو شرق الفرات وباتجاه الشمال ، ورفعت العلم في منبج ، في رسالة الى اردوغان والعالم بان هذه الارض سورية وذات سيادة ، ولن تسمح دمشق ، لأي دولة أخرى ك(تركيا) بالتصرف فيها .

سياسيا : استقبلت توجه الاكراد اليها كدولة مركزية ، وباشرت التفاعل معهم ، لدفعهم الى العودة الى الشرعية الوطنية ، والى الهوية السورية الجامعة .

– ان من يراقب مجريات اجتماع وزراء خارجية ودفاع (روسيا وتركيا ) في موسكو ، يلحظ الحضور السوري ولو عبر الحليف الروسي ، حيث التأكيد على سيادة ووحدة سورية ، وعلى اعتبار الحكومة الشرعية ، هي المرجعية لكل القضايا السورية ، وخاصة عند الاشارة الى القرار 2254 .

وهذه الحنكة السورية بالحضور الفاعل عبر الروس ، والتعاطي بصبر وصمت مع المستجدات ، هو مايضمن نجاح الصمود السوري في اجهاض التهديد ، والخطر الكامن في (المرحلة التالية) ، مع الاعتراف ، بان الآداء السوري ، ينقصه الاعلام ، الذي يلبي احتياجات الرأي العام الوطني الاعلامية ، حول هذه المرحلة الخطيرة .

الامر ، الذي يجعل السوريين يحاولون التعرف على المعاني المتعلقة بمصيرهم من اعلام الآخرين ، وهذا دليل ضعف خطير في الآداء الاعلامي الوطني ، ولابد من معالجته ، ليواكب الآداء السياسي والعسكري المتميز.

– دمشق تتعاطى مع مستجد (المرحلة التالية) ، وفق ثوابت استراتيجية ، ترتكز على استعادة كل ذرة تراب من الارض السورية ، كما تقوم على استعادة كل سوري اضطر للجوء ، وأساس الاستراتيجية السورية ، السيادة الكاملة ، والاستقلال التام ، ووحدة الارض والمؤسسات .

وهكذا ، فان اوهام اردوغان بالسيطرة على جزء من سورية ، ولو عبر النفوذ ، هو عدوان مشتهى ، ستكسره سورية بكل السبل ، عاجلا أو آجلا ، مع التأكيد على احترام الدولة السورية ، لمبدأ حسن الجوار، وعدم السماح بتهديد الامن القومي لأي جار ، انطلاقا من الأرض السورية.

– سورية ، ترى بتحالف امريكا مع تركيا من جديد ، تهديد وخطر ، ليس على سورية فقط ، بل على المنطقة العربية ، وعلى الاقليم ، ولذلك فانها تعمل مع حلفائها ، لتحفيز المنطقة كلها ، لرد هذا الخطر التركي الامريكي ، الصهيوني في جوهره.

في الختام ، ان (المرحلة التالية) ، ماهي الا اجراء من الحرب السياسية ، العسكرية ، الامنية ، والاعلامية ، ضد سورية والمنطقة ، وضد محور احترام سيادة الدول ، واستقلالها ، وهي مرحلة تؤسس للنظام الاقليمي.

وهذا مايفتح شهية تركيا واسرائيل ، ولكن سورية بصبر وصمت ، واصرار ، تعلن التصدي لهذه المرحلة وكسر تهديدها ، واجهاض مخاطرها ، تمهيدا لاعادة العمران ، والارتقاء السايسي الشامل ، واندفاعا لاستعادة دورها الحضاري الانساني في الاقليم ، والعالم.

طباعة