aren

لقاء بوتين أردوغان … سوريا الضحية \\ كتابة : د. محمد نور الدين
السبت - 31 - أغسطس - 2019

 

اردوغان

ذهب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على عجل إلى موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. البعض قال إن أردوغان طلب الزيارة، فيما قالت مصادر حزب العدالة والتنمية إنها حصلت بناء على إلحاح بوتين، في المحصلة الرئيسان كانا يريدان الزيارة كل لمصلحته.

المكالمة الهاتفية التي اتفِق فيها على الزيارة جرت نهار الجمعة في 23 أغسطس، لكن موضوع المكالمة كان التطورات التي حصلت في ريف حماة وإدلب، حيث تمكنت القوات السورية من السيطرة على مدينة خان شيخون، والمناطق الشمالية منها في أول تطور عسكري كبير منذ ثلاث سنوات.

لكن النقطة الأهم كانت أن الطائرات الروسية نفسها هي التي قصفت رتلاً عسكرياً تركياً كان يتقدم لمساعدة مسلحي المعارضة في جبهة خان شيخون.

وقد قرأت أنقرة الرسالة على أنها رد على إنشاء المنطقة الآمنة شرقي الفرات بين تركيا والولايات المتحدة، كما وصف أردوغان الوجود الروسي في القرم بأنه احتلال.

كلما توتر الوضع في إدلب ومحيطها كانت التوقعات والشائعات تسبق لقاء بوتين وأردوغان واعتبار أن اللقاء أي لقاء سيضع النقاط الروسية على الحروف التركية. فتركيا لم تُنفِّذ حتى الآن اتفاق سوتشي في سبتمبر 2018 بضرب المسلحين المنضوين في هيئة تحرير الشام، ولم تسحب السلاح الثقيل من هناك، ولم تُقم منطقة منزوعة السلاح بين الجيش السوري والمعارضة. وفي كل مرة تتهم روسيا تركيا بأنها لا تفي بالتزاماتها، وبأنها تحمي الإرهابيين، لكن في كل مرة أيضاً كانت روسيا تمهل تركيا وتمدد مهل تنفيذ الاتفاق ويبقى الوضع على حاله.

لقاء بوتين أردوغان، محطة أخرى من لعبة المصالح والالتفاف على مواقف وتحذيرات حتى لا نقول تهديدات كان يطلقها كل طرف ضد الآخر.

خرج لقاء بوتين أردوغان بصفقة جديدة تتضمن مكاسب لكلا الطرفين. كما نجح بوتين سابقاً في بيع أردوغان صواريخ «إس 400» بعدما رفضت الولايات المتحدة بيع تركيا صواريخ باتريوت. فعلى ما يبدو تركيا في طريقها لشراء أحدث طائرات سلاح الجو الروسي «سوخوي 57».

أظهر بوتين لأردوغان ميزات الطائرة وتبادلا الأحاديث والنكات أمامها. وقد استغل بوتين لحظة توقف أمريكا عن بيع طائرة «إف 35» لتركيا، ليعرض على تركيا سوخوي الحديثة. وإذا استمرت واشنطن في عنادها، فإنها ستسلم تركيا لقمة سائغة لروسيا كما فعلت في قضية الصواريخ. فواشنطن لا تريد بيع تركيا صواريخ وطائرات متطورة، ولا تريدها أن تشتري مثلهما من دولة ثالثة لاسيما من روسيا أو الصين. وهذا بالطبع يعكس تخبطاً وقصوراً في السياسة الأمريكية تجاه حلفائها، وتركيا شريك لها في حلف شمال الأطلسي.

في مقابل العرض الروسي لشراء «سوخوي» وزيادة نفوذها داخل دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، واستعداد تركيا لهذه الصفقة مبدئياً، فإن أردوغان نجح في انتزاع موقفين في غاية الأهمية من بوتين. الأول هو الاتفاق على خطوات للتهدئة في إدلب ولو كان يتضمن ضرب المسلحين المتطرفين، وهذا يعني لجم الاندفاعة العسكرية السورية ووقوفها حيث هي في جبهة خان شيخون، وربما تتوسع قليلاً مثل السيطرة على معرة النعمان. وهذا لا يغير الكثير من المشهد «الإدلبي»، حيث تبقى تركيا في المحافظة مع نقاط مراقبتها ال 12. أما المسلحون فتبقى الرعاية التركية لهم دون تغيير جذري؛ أي بقاء الوضع في إدلب على ما هو عليه حتى إشعار آخر.

أما المكسب التركي الثاني، فهو أن بوتين وافق على اتفاق المنطقة الآمنة بين تركيا والولايات المتحدة؛ بل اعتبره خطوة على طريق حفظ وحدة الأراضي السورية. وهذا كان مفاجأة كبيرة بعدما كُتب الكثير من أن معركة خان شيخون كانت رداً على اتفاق المنطقة الآمنة.

والموافقة الروسية كانت تسليماً بأن معارضتها لاتفاق المنطقة الآمنة لن يغير من واقع الأمر، ما دامت الأطراف الثلاثة: تركيا وأمريكا والأكراد موافقة عليها. فكان الدهاء الروسي ببيع أردوغان هذه الموافقة، فيما تحاول جذبه أكثر لشراء طائرات «سوخوي 57»؛ بل أكثر من ذلك كان لافتاً اتخاذ أردوغان منبر المؤتمر الصحفي ومن موسكو لشن حملة عنيفة ضد النظام السوري، وتحميله مسؤولية عدم تطبيق اتفاق سوتشي، على مسمع ومرأى من بوتين نفسه الذي لم ينبس ببنت شفة.

وفي المحصلة، فإن سوريا تبقى هي الخاسر الأكبر في لعبة الأمم، حيث المصالح الأمريكية الروسية التركية تتقدم على حساب وحدة سوريا، وسيادة الدولة على أراضيها.

“الخليج”

طباعة