aren

لجنة دستورية سورية.. الواقع والأولويات\\كتابة : سمير العيطة
الإثنين - 6 - مايو - 2019

 

مهما كان مضمون السجال الدوليّ والسوري حول تركيبتها وأعضائها، ما الفائدة من إنشاء لجنة برعاية الأمم المتحدة لوضع دستور جديد لسوريا؟ وفي هذه الظروف بالذات؟ وحتّى لو افترضنا أنّ هذه اللجنة توصّلت إلى نصّ متوافق عليه، كيف سيتمّ الاستفتاء عليه مع واقع وجود ملايين النازحين واللاجئين المتوزّعين في أصقاع الأرض؟!

ورثت سوريا، مثل الكثير من البلدان العربيّة، مبدأ وضع نصّ دستوريّ مفصّل يؤسّس للعلاقة بين المواطنين ومختلف فئاتهم الاجتماعيّة، وبينهم وبين مؤسسّات الدولة في نموذج الدولة اللاتينيّة. ذلك على عكس الدول الأنجلوسكسونية التي تعتمد على مبادئ عامّة وعلى فقه دستوريّ وقانونيّ jurisprudence. وللنصوص الدستوريّة في أيّ بلد تاريخيّتها تبعا لتطوّرات العقد الاجتماعيّ وتاريخ البلد المعني.

قام المؤتمر السوري في 1919 بصياغة أوّل قانون أساسيّ (دستور) للبلاد بعد استقلالها عن الدولة العثمانيّة وصادق عليه في يونيو 1920 قبيل الاحتلال الفرنسيّ. لكن لم يكتب له الاستمرار كما حال دستور تونس الأوّل 1861 ومصر الأوّل 1882.

ثمّ جاء دستور 1928 بعد الثورة السوريّة الكبرى ضدّ الانتداب الفرنسيّ وانتخاب مجلس تمثيليّ والذي كانت أهمّ مفاعيله إعادة توحيد البلاد بعد تقسيمها إلى دويلات. كذلك لم يكتب له التنفيذ سوى فى آمادٍ متقطّعة، إلاّ أنّه بقى نافذا بعد انتهاء الانتداب ومن ثمّ الجلاء. تمّ استبدال ذلك الدستور عبر استفتاء دستوريّ عام 1949 تضمّن أسئلة أربع بعد انقلاب حسني الزعيم، كي يأتي انقلاب سامي الحنّاوي الثاني بانتخاب جمعيّة تأسيسيّة (مُنِحَ حينها حقّ الانتخاب والتصويت للمرأة) انتهى بتبنّى دستور 1950 في ظلّ الانقلاب الثالث لأديب الشيشكلي.

ومن ثمّ استبدل الشيشكلى هذا النصّ فى 1953 بنصٍّ جديد تمّ الاستفتاء عليه لكن لم يكتب له الاستمرار إلاّ لأيّام. ثمّ أتى الدستور المؤقّت للجمهوريّة العربيّة المتحدة بين 1958 و1961 كى يعاد العمل بدستور 1950 خلال فترة الانفصال. تلا ذلك تباعا دساتير أعوام 1964 و1969 و1971 المؤقتة للانتهاء بدستور 1973 الذى تمّ الاستفتاء عليه. وكانت النسخة الأخيرة للدستور عام 2012 بعد ابتداء الأزمة فى سوريا.

لقد تَبِعتَ الدساتير السوريّة إذًا التقلّبات السياسيّة فى البلاد ولم يكتب لأغلبها الاستمرار سوى لفترات قصيرة. والتساؤل مشروع عن قابلية أي دستورٍ جديد تضعه لجنة جنيف أو غيرها للاستمرار طويلا؟ والتساؤل أيضا عمّا إذا كانت جميع قوى الأمر الواقع المتحكّمة حاليّا بالأرض ستحترمه حقّا؟ هذا خاصّةً وأنّ السلطة الحالية لم تحترم دستور 1973 الأطول بقاءً في سياساتها والكثير من القوانين التي أصدرتها! والتساؤل عمّا إذا لم يكن أكثر نجاعةً العمل على بضعة مبادئ دستوريّة وبضعة قوانين تنظّم المرحلة الانتقالية حتّى تستقرّ الأمور في سوريا وتنتهي الحرب ويعود الحوار والسلم الاجتماعيّين دون تشنّج كي يتمّ بعدها وضع نصّ دستوريّ متكامل يعالج مختلف القضايا المقترحة عبر النقاش وآليّات الاقتراع؟

لقد أبرز الصراع فى سوريا مجموعة من القضايا الجوهريّة. التشنّج لا يزال كبيرا حولها من جرّاء آلام الحرب وتلاعب القوى الخارجيّة وإعلامها. هناك تشنّج وانقسام حول هويّة سوريّا. جمهوريّة عربيّة سوريّة أم جمهوريّة سوريّة؟ وهناك تشنّج وانقسام حول علاقة الدين بالدولة، حيث لم يعد بعض الفرقاء يقبلون أحد المبادئ التاريخيّة المؤسِّسة للدولة، أي «الدين لله والوطن للجميع». وتشنّج وانقسام ولغط حول اللا مركزيّة ومعناها، هل هي إداريّة فقط أم أيضا سياسيّة واقتصاديّة حتّى الفيدرالية؟ وتحديدا فيما يخصّ مناطق الإدارة الذاتية فى الشمال الشرقى للبلاد، وهى ليست أصلا طرفا أصيلا فى اللجنة الدستوريّة المقترحة، وتستقبل وفودها دولٌ داعمة وكأنّها إقليمٌ مستقلّ.

وكذلك فيما يخصّ منطقة إدلب وبناؤها السياسيّ من الأدنى عبر المجالس المحليّة حتّى الأعلى. وهناك خصوصا تشنّج وانقسام جوهريّ حول صيغة الحكم، وهل سيكون نظام سوريا المستقبليّ رئاسيا ديمقراطيا أم برلمانيا؟ وحول دور رئيس الجمهوريّة ومدّة حكمه، خاصّة وأنّ ولاية الرئيس الحالى تنتهى فى 2021 وأنّ أغلب معارضيه لا يستطيعون الترشّح ديمقراطيا ضدّه، فى حين يعتبره كثيرون مسئولا عمّا وصلت إليه البلاد.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ جميع الدساتير السوريّة التاريخيّة لم تعالج جميع هذه القضايا بالطريقة ذاتها. فدستور 1920 فتح الباب للفيدراليّة. كما لم ينصّ، كما دستور 1928، على مرجعيّة الفقه الإسلامي. ولم ينصّ دستور 1949 على دين رئيس الجمهوريّة.

وهناك قضايا فى منتهى الأهميّة تفرضها فترة بناء السلام والانتعاش ما بعد الحرب قد تضيع في غياهب التفاوض على نصّ دستوريّ طويل. إذ هناك حريّات عامّة، الحزبيّة منها وتلك الخاصّة بمؤسّسات المجتمع المدني لا معنى للتفاوض على دستور دون صياغة أسس جديدة لها. كما أنّ هناك مصالحة ومحاسبة يجب أن توضع قواعد لهما. ونازحون ولاجئون يجب وضع أسس لعودتهم ولحصولهم على حقوقهم في المسكن والملكيّة ولتعويضات عن الأضرار التي لحقت بهم. ولا بدّ من ضوابط يجب وضعها للانتهاء من حالة اقتصاد الحرب وريع زعماء السلاح.

تركيبة اللجنة الدستوريّة الحاليّة المقترحة تشوبها الكثير من العيوب. فهى ليست لجنة منتخبة على عكس المجلس التأسيسي الذي وضع دستور 1950 والذي تتمسّك أغلب أطياف المعارضة على أساسه بصيغة الحكم البرلمانيّ التي نصّ عليها. والنزاع القائم اليوم بين الدول الضامنة على الثلث الثالث من أعضائها لا معنى له. فهل يُعقَل أن يأتي التصويت ضمنها يوما على بندٍ يخصّ هويّة البلاد أو علاقة الدولة مع الدين بأغلبية بسيطة؟ وهل يُعقل أن تأتي هذه الأغلبيّة البسيطة بتأثير هذه الدولة أو تلك؟

في المحصّلة، يبقى التساؤل المشروع الأهمّ والأساسي حول عمّا إذا كانت هذه العملية الدستورية هي الأنجع لحلٍّ سياسيّ قريب يضع البلاد من جديد على سكّة بناء السلام والانتعاش؟ التفاوض الممكن اليوم هو بين السلطة السوريّة والقائمين على مجلس سوريا الديمقراطية، خاصّة بعد انتصار الطرفين على داعش. لكنّ هذا التفاوض ممنوع من قبل الدول الداعمة التي تشجّع الطرفين على المزايدة في المطالب بدل التوافق، في ظلّ غياب أيّة آليّة دوليّة لرعايته.

والتفاوض العسير هو بين هذين الطرفين وبين قوى الأمر الواقع في الشمال الغربي، تركيا من ناحية وفتح الشام من ناحية أخرى. ثمّ هناك دولٌ كثيرة ما زالت تعبث في الملفّ السوريّ، وزوال سيطرة داعش على الأرض وانخفاض وتيرة القتل وانشغال الجميع بملفّات أخرى. أمورٌ كلّها لا تُعطي أيّة أولويّة لحلّ النزاع السوريّ.

فهل اللجنة الدستوريّة هي فقط لـ«تنويم» الملفّ السوري حتّى تأتى وقائع جديدة؟!

“الشروق”المصرية

طباعة