aren

«لبنان ينتفِض»… وماذا بعد؟ \\ كتابة : سمير العيطة
الإثنين - 4 - نوفمبر - 2019

A woman wearing facepaint depicting a Lebanese cedar tree and the Arabic word "revolution" looks on during a demonstration on the sixth day of protest against tax increases and official corruption in the centre of the capital Beirut's downtown district on October 22, 2019. - Tens of thousands of Lebanese protesters kept the country on lockdown as they gathered for a sixth consecutive day demanding new leaders despite the government's adoption of an emergency economic rescue plan. Demonstrations initially sparked by a proposed tax on WhatsApp and other messaging apps have grown into an unprecedented cross-sectarian street mobilisation against the political class. (Photo by ANWAR AMRO / AFP) (Photo by ANWAR AMRO/AFP via Getty Images)

انفجار الأزمة المالية في لبنان كان متوقعا منذ زمن… ومعروفا لأغلب زعاماته السياسية والقوى الفاعلة. لقد تأخر تشكيل الحكومة بُعَيد الانتخابات البرلمانية الأخيرة طويلا، على خلفية نقاشٍ خفي كان يدور حول ما إذا كانت الأزمة ستُترَك كي تتفجر قبل تشكيل الحكومة ولا يتحمل أحد مسئوليتها وإدارتها، أم بعدها وتتحمل جميع الأطراف المشاركة فيها تبعاتها؟ هكذا تم تشكيل حكومة «وحدة وطنية» كي تنفجر الأزمة عبر حراك اجتماعي حاشِد تخطى الانتماءات الطائفية، وطالب بـ«دولة مدنية» وبـ«حكم انتقالى يدير الإرث اللعين»، غير مسبوق في تاريخ لبنان ما بعد الحرب.

وكما العادة أتت شرارة صغيرة تمثلت بضريبة على الاتصالات المجانية كي يتحول تراكم مفاعيل الأزمة على كاهل المواطنين إلى مد شعبي جارف. هكذا حملت الانتفاضة الشعبية جميع زعماء الطوائف وأمراء الحرب الأهلية الغابرة المسئولية وطالبتهم بالرحيل… جميعهم. «كلهم يعني كلهم». في حين شهدت الفعاليات السياسية توافقا غير متوقع بين القوى المرتبطة بإيران وتلك المرتبطة بالغرب للحفاظ على رئيس الحكومة، والحُكم… كلٌ لأسبابه. هذا في الوقت الذي حاول هذان الطرفان السياسيان تسعير الشحن الطائفي لإثارة الانقسام داخل الحراك والعودة إلى اللعبة التقليدية. لكن دون جدوى إلى أن استقالت الحكومة ودخلت البلاد في مرحلة… لن تتوضح مآلاتها سريعا.

الاستحقاق الأول في لبنان هو أن الدولة أفلست عمليا وبالتالي عجزت مجمل المصارف اللبنانية التي تمول الدين العام. ولم يعُد البلد قادرا على استيراد متطلباته الأساسية ــ والكمالية حُكما – إلا بصعوبة. فكيف ستتم إدارة هذا الإفلاس بين ضرورة نهوض المجتمع ونزاعات الأطراف السياسية؟ ومن هو القادر على «توزيع الخسائر» واسترداد المقومات المالية للبلاد من الخارج، بما فيه الذهب الذي يغطي النقد والذي تم رهنه في «الفبركات المالية» التي أخرت انفجار الأزمة إلى أجلها الآن؟ من الذي سيدفع الخسارة؟ هل الشعب اللبناني أم أصحاب المصارف أم «سلطة ما فوق الدولة» التي استغلت موارد لبنان الداخلية والخارجية طويلا كي تجلِب ريوعا مكن تقاسمها من هيمنة زعماء الحرب على مقادير البلاد؟

ليست هذه هي المرة الأولى التي تُفلِس فيها دولة عربية. فقد أفلست سوريا عام 1986. ولم تخرج البلد من الإفلاس ، سوى من جراء اكتشاف النفط في منطقة دير الزور واعتماد سوريا على مواردها الخاصة لتأمين الغذاء. وأفلست مصر عام 1989 ولم تخرج من الإفلاس سوى نتيجة غزو صدام حسين للكويت الذي جعل الكونجرس الأمريكي، في خطوة استثنائية، يمحو الديون المصرية على الولايات المتحدة. وكان ثمنها دخول مصر في حرب الخليج الأولى.

وهمٌ أن يتوقع اللبنانيون أن الإنقاذ سيأتي من الخارج وأن البلد سيخرج من الإفلاس دون ثمن. فعندما أفلست اليونان من جراء طبقة سياسية فاسدة، كانت قد ركبت ديونا كبيرة على المصارف الألمانية والفرنسية، جاء الحل «السحري» من «ترويكا» صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي والاتحاد الأوروبي، عبر تحميل «الإرث اللعين» على عامة اليونانيين كي يعيدوا البلاد عشرين سنة إلى الوراء في مؤشرات الاقتصاد والتنمية… وتم إنقاذ المصارف الأوروبية. وهمٌ أيضا أن يتوقع اللبنانيون أن دول الخليج ستنقذ أوضاعهم، إذ أنها هي أيضا، على الرغم من مواردها الضخمة، مستنزفة ومنشغلة في حروبٍ وصراعات، فيما بينها ومع جوارها.

الإفلاس هو الذي أدى إذا إلى الانتفاضة اللبنانية والتي أبرزت نضوجا شعبيا استثنائيا. ليس كون أن السخط توجه ضمن كل طائفة بالضبط ضد زعيمها تحديدا وحسب، بل أن الانتفاضة تخطت «العنصرية» ضد «غير اللبناني» في حين يتحمل لبنان عبئا اجتماعيا واقتصاديا كبيرا، مع لاجئين سوريين يشكلون ثلث السكان ولاجئين فلسطينيين بأعدادٍ ملحوظة. نضجٌ بات يعي أن زعماء الحرب تقاسموا معظم مساعدات خروج بلادهم من الحرب كما الدعم الذي أتى للاجئين السوريين. نُضجٌ لا بد من الإضاءة على أهميته، خاصة مع ما تشهده أوروبا والولايات المتحدة من نمو كبير للمشاعر العنصرية تجاه اللاجئين والأجانب بشكلٍ عام… والمسلمين بشكلٍ خاص. وهذا يعني أن نُخبا غير تلك الحاكمة قد غذت رويدا رويدا هذا النضج والوعي في لبنان كي لا تُرمَى المسئولية على… «الآخر». وهذا ميزةٌ للحريات العامة التي يتشبث اللبنانيون دوما بها، وأهميتها وأولويتها أمام «الديموقراطية» التي يمكن أن تُختزَل إلى مجرد انتخابات مهزلة معدة مسبقا.

إن الانتفاضة اللبنانية، وكذلك انتفاضات العراق والجزائر والسودان، تُشكل تحولا مفصليا جديدا فى مسار الشعوب العربية. تحولٌ يختلف عن ذلك الذي عرفته بلدان موجة «الربيع العربى» ــ الأولى كما تُسمى ــ التي تحولت إلى حروبٍ أهلية، كما فى سوريا واليمن وليبيا، أو التي أُخمِدَ جمرها تحت الرمال. إن بلدان الانتفاضات الجديدة شهدت أصلا حروبا أهلية قاسية ومُدمِرة منذ زمنٍ ليس ببعيد. وتعرِف ذاكرة مجتمعاتها جيدا كلفة حمل السلاح والانزلاق نحو تلك الحروب.

إن تشابه بعض الشعارات الرائجة في كلا موجتي الانتفاضات لا يدل أنها تحمل ذات المعنى. فـ«إسقاط النظام» لا يعني في الموجة الجديدة إسقاط الدولة ومؤسساتها ولا التصادم مع الجيش.بل يعني على العكس،تحرير مؤسسات الدولة وخاصة الجيش من هيمنة السلطة وزعامات «العصبيات القاتلة». وما يعني أيضا دخول العلاقة بين المجتمع والسياسة إلى مجالٍ أكثر نُضجا تترسخ أكثر فيه مفاهيم «المواطنة» و«الحريات العامة» و«المساواة» ويتم فيه التعامل مع واقع المجتمع ومؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والقوى الأمنية، بأنماطٍ أكثر واقعية تجنب تلاعب من يُمسِك بالسلطة أو القوى الخارجية بالمشاعر الفئوية، الطائفية منها أو الاثنية.

يبقى أن الإفلاس المالي اللبناني سيطلق موجة صدمة أبعد من البلد نفسه. ذلك إن الإشكاليات الريعية لإدارة المال العام والدين العام والمصارف لا تعني لبنان وحده في المنطقة. وسيكون لهذا الإفلاس صدى على الواقع المعيشي في سوريا. بالتوازي، سيكون للآلية التي ستنتهجها المنظومة السياسية لما بعد الأزمة المكلفة بإدارة «توزيع الخسائر» والتعامل مع المؤسسات الخارجية في ظل انتفاضة شعبية فعلها على التحولات السياسية في كل العالم العربي.

“الشروق” المصرية

طباعة