aren

لبنان من أزمة حكم إلى أزمة نظام \\ كتابة : د. خليل حسين
الأحد - 10 - نوفمبر - 2019

لبنان

لطالما شكّل تكليف وتشكيل الحكومات في لبنان مشكلة بحد ذاتها، بالنظر للعديد من الاعتبارات السياسية والدستورية. فعلى الرغم من أن الحكومات في النظم البرلمانية الديمقراطية من المفترض أن تأخذ طريقها بشكل سلس وفقاً للأغلبية النيابية في البرلمان، فإن هذه القاعدة الدستورية تبقى عملياً غير قابلة للتطبيق في نظام تختلط فيه التحالفات السياسية والطائفية وحتى المذهبية، وتجعله من بين أغرب النظم الدستورية المعروفة في العالم، حيث الثغرات الدستورية والممارسة العملية تجعل من الممارسات والأعراف قاعدة تسمو على القانون والدستور، وتأخذ موقعاً يصعب تجاوزه أو القفز فوقه حتى إبان الأزمات الحادة التي يمر بها لبنان بين الحين والآخر، والتي تتطلب كثيراً من التنازلات والتسويات أو ما يعرف اصطلاحاً بتدوير الزوايا على الطريقة اللبنانية.

ففي نظرة سريعة لمعضلة الحكومات اللبنانية ما قبل اتفاق الطائف وما بعده، تظهر ديمومة أزمات الحكم في مختلف العهود الرئاسية التي تعاقبت على الحكم؛ إنْ لجهة تشكيل الحكومات أو لطريقة الأداء الحكومي عند ظهور تباين أو اختلاف بين مكونات الواقع اللبناني؛ إذ يظهر مثلاً ما يسمى بالاعتكاف عن ممارسة الصلاحيات والتي تترافق مع عدم الاستقالة، أو ظهور صور عرقلة التكليف لتشكيل الحكومات التي عادة ما تخلفها فترات زمنية طويلة للتشكيل، علاوة على المماحكات حول برامجها، وبالتالي بيانات الحكومة، وما يمكن أن تتضمنه، وهو أمر مكلف في الحياة السياسية وغالباً ما أدى في بعض المراحل إلى أزمة حكم امتدت لشهور طويلة.

وعلى الرغم من صعوبة الظروف الحالية ودقتها مقارنة بالحالات المشابهة أو المماثلة، شكلت استقالة الرئيس سعد الحريري عودة لأزمة تكليف جديدة، وإن بدأت وما تزال حول عناوين اعتاد عليها لبنان، إلا أنها بدأت تأخذ منحى دستورياً لجهة الوقت المتاح لإجراء المشاورات النيابية الملزمة، وبالتالي التكليف.

الفقرة الثانية من المادة 53 تقول: «يسمي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استناداً إلى استشارات نيابية ملزمة»، فنص الفقرة لم يحدد المهلة الزمنية للاستشارات، وبالتالي الانتقال إلى مرحلتي التكليف والتأليف، وهو أمر يعتبره البعض من الثغرات الدستورية التي تنبغي معالجتها؛ إذ عندها يمكن للفترة أن تطول أكثر من الوقت المعقول أو المفترض أن تأخذه، ما يعتبره البعض تعدياً على صلاحيات رئيس الحكومة إذا ما اتخذ إجراء الاستشارات النيابية منحى له علاقة بشكل الحكومة أو بنوعها أو مهامها؛ إذ إن ذلك من صلاحيات رئيس الحكومة بعد التكليف، كما تعتبر مصادرة لتوجهات النواب عند استشارتهم في موضوع التشكيل.

وفي الواقع لا تعتبر هذا المسألة أمراً عابراً، فقد سبق أن مرّ لبنان بهذه المشكلة وأخذت وقتاً لتمريرها، فيما اليوم تضاف إليها جملة من القضايا التي تزيد الأمر تعقيداً، وخاصة ارتباط الوضع الحكومي بالحراك القائم حالياً على قاعدة وجوب القيام بإصلاحات، والتي وصلت إلى حد المطالبة بإسقاط النظام، وبالتالي التعبير على الانتقال من أزمة حكم إلى أزمة نظام.

ثمة العديد من الثغرات الدستورية التي تتطلب إعادة نظر، فعلى الرغم مما يجري حالياً، فخلفياته اجتماعية واقتصادية، لكن من السهل أخذها إلى أماكن دستورية وسياسية تطال نظام الحكم ووسائله وأدواته؛ الأمر المتعذر في هذه الظروف الراهنة. فاتفاق الطائف كلف اللبنانيين أثماناً باهظة والجنوح نحو تغييرات بنيوية ستستلزم أكلافاً إضافية. وعلى الرغم من عدم اختلاف اللبنانيين على ذلك، يبقى أمامهم كثير من الخطوات للوصول إلى ذلك.

اليوم ثمة أزمة ثقيلة يمر بها لبنان حالياً، اختلط فيها كثير من المطالب ورفعت فيها الشعارات التي بدت طوباوية في بعض جوانبها، إلا أن الواقع يشير إلى بدايات تغيير في نوعية التصرف مع المطالب المحقة التي تسود الشارع، وهو سلوك يشي بالبقاء في نطاق أزمة حكم وفي كيفية التعاطي مع من يمثل، لا أزمة نظام كما يراها معظم من في الشارع، وبالتالي هي أعمق من مجرد أزمة يمكن أن يمر بها لبنان ببساطة ودون أثمان مرتفعة.

“الخليج”الاماراتية

طباعة