aren

لا لحرب باردة أميركية صينية \\ كتابة : جيمي كارتر
الخميس - 3 - يناير - 2019

 

قبل أربعين عاماً، قمتُ والزعيم الصيني «دينغ شياو بينغ» بتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية والولايات المتحدة، واضعين بذلك حداً لثلاثة عقود من العداء. وأدى ذلك إلى عصر تميز بالسلام في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادي.

ثم مكّن النموُ الاقتصادي المذهل الذي حققته الصين، إلى جانب تكاملها المتواصل مع الاقتصاد الأميركية الأكبر بكثير، البلدين من أن يصبحا محركين للازدهار العالمي.

كما ازدهرت التبادلات الثقافية والعلمية، ومنذئذ، أصبحت الولايات المتحدة الوجهة الأجنبية الأولى للخبراء والسياح الصينيين. ولا شك أن الذكرى الأربعين لهذه العلاقات تمثّل شهادةً على قدرة البلدان ذات التواريخ والثقافات والأنظمة السياسية المختلفة على العمل معاً من أجل المنفعة المشتركة.

غير أن هذه العلاقة الحساسة اليوم باتت في خطر، ذلك أنني أسمع النخب الصينية تزعم أن الأميركيين يحيكون «مؤامرة خبيثة» من أجل زعزعة استقرار الصين. وأسمع أميركيين مرموقين، محبَطين لكون الصين لم تصبح دولة ديمقراطية، يزعمون أن الصين تطرح تهديداً على نمط الحياة الأميركي. وتقارير للحكومة الأميركية تقول إن الصين عاقدة العزم على تحدي الهيمنة الأميركية، وإنها تخطط لإخراج الولايات المتحدة من أفريقيا وتقليص نفوذها في بلدان حول العالم.

ولو تبنى المسؤولون الحكوميون الكبار هذه الأفكار الخطيرة، فإن حرباً باردةً معاصرةً بين بلدينا لن تكون مستبعدة.

ففي هذه اللحظة الدقيقة، يمكن للتصورات الخاطئة والحسابات الخاطئة، وعدم اتباع قواعد الاشتباك المحددة بعناية في مناطق مثل مضيق تايوان وبحر جنوب الصين، أن تتطور إلى نزاع عسكري، بما يتسبب في كارثة عالمية.

ولا شك أن فرض الولايات المتحدة لرسوم جمركية على 200 مليار دولار من السلع الصينية، والتعرفات الجمركية الصينية الانتقامية، تسهم في تدهور العلاقات، بما يؤذي كلا البلدين.

غير أن مهلة التسعين يوماً للتوقف عن التصعيد وعن فرض مزيد من الرسوم التي تم الاتفاق عليها في قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين، تتيح إمكانية التوصل لاتفاق دائم بشأن التجارة الأميركية- الصينية.

فما الذي يمكننا فعله من أجل البناء على هذا التقدم، وإصلاح العلاقات الأميركية- الصينية؟ أولاً، الشكاوى الأميركية المعروفة – بشأن اختلال الميزان التجاري، وسرقة الملكة الفكرية، والنقل القسري للتكنولوجيا، والحواجز المجحفة أمام الاستثمارات والشركات الأميركية في الصين – يجب أن تُبحث وتُعالج بسرعة وفعالية. كما ينبغي ألا يستخدم أي بلد «الأمنَ القومي» كذريعة لعرقلة الأنشطة التجارية المشروعة للآخر.

ثم إن الصين في حاجة إلى المنافسة حتى يعرف اقتصادها النمو والابتكار، واتباع علاقة عادلة ومتبادلة هو السبيلُ الوحيدُ لكي يبقى كلا البلدين قويين اقتصادياً.

ثانياً، يجب على الأميركيين أن يدركوا أنه تماماً مثلما لا يحق للصين التدخل في الشؤون الأميركية، فإنه ليس لدينا الحق في أن نملي على الصين كيف تحكم شعبها أو تختار زعماءها.

ومع أن البلدان التي تربطها علاقات قوية ووثيقة قد تنتقد بعضها البعض أحياناً، فإن هذا التفاعل لا ينبغي أبداً أن يتحول إلى أوامر أو إملاءات، بل ينبغي أن يكون بمثابة طريق ذي اتجاهين للحوار الصريح والمفتوح.

فنجاحات الصين في الحفاظ على النمو الاقتصادي، والتخفيف من الفقر المدقع، وتوفير المساعدة التنموية للبلدان الأخرى ينبغي أن تكون محل إشادة وتشجيع. ولكن في الوقت نفسه، لا يمكننا تجاهل قصورها ونقائصها في الرقابة التي تفرضها على الإنترنت، والقيود الدينية – التي ينبغي تسجيلها وانتقادها. هذه المقاربة المتوازنة محوريةٌ لضمان استمرار الولايات المتحدة والصين في العمل معاً نحو حل بعض من أكثر المشاكل العالمية استعصاء.

فرغم التوترات الحالية بخصوص مواضيع أخرى، فإن الدعم الصيني كان أساسياً في جهودنا المستمرة لجعل شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من السلاح النووي.

ولا شك أن بكين تستطيع أيضاً تقديم مساعدة مهمة بخصوص جهود إعادة الإعمار بعد الحروب في الشرق الأوسط وأفريقيا، والتصدي للإرهاب والتطرف، والوساطة في نزاعات دولية أخرى.

ومن جهة أخرى، ينبغي على الولايات المتحدة العودة إلى اتفاق باريس للمناخ والعمل مع الصين بخصوص موضوعي البيئة وتغير المناخ، لأن الكفاح الكبير ضد معضلة الاحتباس الحراري يتطلب مشاركة نشطة من كلا البلدين. ولكنني أعتقدُ أن أسهل الطرق إلى التعاون الثنائي يوجد في أفريقيا. ذلك أن البلدين منخرطان بشكل كبير هناك في محاربة الأمراض، وإنشاء البنى التحتية، وحفظ السلام – عبر التعاون أحياناً. بيد أن كل بلد يتهم الآخر بالاستغلال الاقتصادي أو التلاعب السياسي.

والحال أن الأفارقة – وعلى غرار مليارات الأشخاص الآخرين عبر العالم – لا يريدون أن يضطروا لاختيار جانب، وإنما يرحبّون بالتعاون الذي يأتي من تجميع الموارد، وتقاسم الخبرات، وتحديد برامج المساعدات. ثم إنه من خلال عملهما معاً ومع الأفارقة، ستساعد الولايات المتحدة والصين نفسيهما أيضاً على تجاوز مشاعر الارتياب وعدم الثقة وإعادة بناء هذه العلاقة الحيوية.

في 1979، كنا نعلم – أنا ودينغ شياو بينغ – بأننا نخدم قضية السلام. وبينما يواجه زعماءُ اليوم عالماً مختلفاً، فإن قضية السلام تظل بنفس الأهمية.

ولهذا، يجب على الزعماء الجدد أن يأتوا برؤية وشجاعة وبراعة جديدة للتحديات والفرص الجديدة، ولكنني أعتقدُ أنه يجب عليهم أيضاً قبول قناعتنا بأن الولايات المتحدة والصين في حاجة لبناء مستقبلهما معاً، من أجلهما ومن أجل الإنسانية جمعاء.

“الاتحاد”

طباعة