aren

كورونا والمشهد العبثي في سوريا\\ كتابة : السفير محمد بدر الدين زايد
الثلاثاء - 24 - مارس - 2020

منذ أيام أثارت بعض التعليقات الإعلامية قلقها من احتمال انتقال كورونا إلى سوريا، وركزت تحديدا على معسكرات النازحين، ومناطق الحصار فى إدلب، حيث تنخفض مستويات الرعاية الصحية، ما يحتمل معه تهديد خطير لحياة الألوف، وعموما شاركت الحكومة السورية العالم مخاوفه وأعلنت عن بدء الإصابات وأجلت انتخابات مجلس الشعب من 13 إبريل إلى 20 مايو، وإن كان عقد انتخابات في ظل الأوضاع الراهنة يبدو غير بعيد عن عبثية المشهد. ثم ذكرتنا الأخبار بأن الأزمة تدخل عامها العاشر، ورصد البعض أعداد الضحايا في هذه الحرب العبثية ونشرت المصري اليوم بعض الإحصاءات، من بينها أن عدد القتلى وصل الى 384الف،من بينهم 116 الف من المدنيين، فضلا عن أكثر من 11.6 مليون نازح، نصفهم تقريبا فى دول الجوار، ثم تقديرات حول تكلفة أعادة الأعمار التى يقدرها البعض بحوالى 400 مليار دولار.

وإذا عدنا لمسألة كورونا، فالملاحظ أن الشعب السورى يعيش في شبه عزلة، وبالكاد تدخل المساعدات وستكون المفارقة أو الكوميديا السوداء أن يتحول عمال الإغاثة من المنظمات الدولية والمجتمع المدني إلى المصدر الرئيس لنقل العدوى إلى معسكرات النازحين في داخل سوريا وخارجها، وهو سيناريو مخيف.

على أن مسألة كورونا بكل ما تمثله من عبثية ودلالات غير مسبوقة يأتى ليضيف للمشهد السورى هذه الدراما السوداء وللسؤال بعد عشر سنوات ماذا تحقق ومن حقق ماذا وهل هناك مخرج من هذه الحالة التى ما من سبيل سوى وصفها بعدم الجدوى؟.

المشهد السوري الآن أن المواجهة الحادة التي شهدتها بؤرة إدلب، التي كانت توشك أن تقود إلى مواجهة روسية سورية ضد تركيا قد أمكن احتوائها أو تأجيلها بمناورات موسكو المعتادة، وتم الاتفاق على ترتيبات روسية تركية مشتركة لضبط الهدنة، والطرفان والعالم يفهم أنها مؤقتة لحين إزاحة روسيا لتركيا التي تبدو متشبثة بموقفها، وبعدم إلغاء دورها بعد، وتصر على أنها لاعب رئيسي، والسؤال هو إلى متى وما هي كلفة ذلك: هل تراهن موسكو على أن يرهق الطرف التركي بحيث تتمكن من إزاحته، حتى الآن لا توجد شواهد لذلك. وعلى صعيد آخر، هناك جمود آخر فى الجبهة الشمالية الشرقية حيث الحدود التركية السورية، ومازالت هناك قوات غربية أمريكية ولو محدودة، وطبعا تركية وتم إبعاد القوات الكردية إرضاء لأنقرة، والجمود سيد الموقف.

ومن ناحية أخرى، المعارضة أخفقت وفشلت بعد أن تعسكرت وسيطرت عليها العناصر المتطرفة، وانحسرت تدريجيا إلا من بؤرة رئيسية فى إدلب، ويسيطر النظام السورى على أغلب أراضي البلاد إلا من هذا الشريط الحدودي، ومن إدلب التي تؤكد التقارير أن تنظيم داعش قد نشط مجددا فيها.

وعبر هذا المشهد تستقوى تركيا، مثلما كان الأمر منذ البداية بورقة النازحين وإطلاقهم على أوروبا، وبدعم أمريكي- أوروبي خبيث ومستتر هدفه الوحيد ليس تحقيق مكاسب مادية أو مواقف إنسانية أو مبدئية، فقط حرمان روسيا وحلفائها من إعلان النصر فى سوريا.

فى الماضى كما فى الحاضر تحارب الدول أو تشتبك فى الصراعات من أجل تحقيق مكاسب أو مجرد إنهاك الخصم أو حرمانه من الكسب، وعادة ما يكون لهذا فترة زمنية معينة، ثم تقرر الأطراف أنه يكفى هذا، ويمكن نقل الصراع إلى جبهات أو أزمنة أخرى، لأن جبهة ما قد وصلت إلى منتهاها، ولكنهم فيما يبدو لا يرون أن الشعب السوري قد تجاوز حدود غير مسبوقة في المعاناة.ولأنهم ما زالوا يصرون على مواصلة المباراة حتى النهاية، وهنا هل يمكن أن تتخيل تركيا أنها ستشارك فى كعكة إعادة الإعمار، أو ما تردد من أن إردوغان وصلت به الوقاحة إلى حد أن عرض على بوتين المشاركة فى حقول بترول سورية. الشواهد تشير إلى أن تركيا تعتقد أن بإمكانها القدرة على مواصلة المحاولة والسعى وراء هذه المكاسب شبه المستحيلة، وحتى تكتشف استحالة هذا أو تدفعها تطورات داخلية أو قرار روسي بالحسم السريع، ستتواصل معاناة الشعب السوري في هذا الصراع العبثي.

“المصري اليوم”

طباعة