aren

كرامة ذات وجهين متضادّيْن \\ كتابة : جهاد الزين
السبت - 3 - أغسطس - 2019

 

سيمور هيرش

في كتاب مذكراته الصادر عام 2018 تحت عنوان: “مراسل”، يروي الصحافي الأميركي سيمور هيرش المعروف بتحقيقاته الجريئة والكاشفة أنه عمل مستشارا إعلاميا لدى السيناتور أوجين ج. ماكارثي المرشح المنافس لنائب الرئيس الأميركي هيوبرت همفري في الانتخابات الأولية على الترشيح عن الحزب الديموقراطي عام 1968. كانت حركة الاعتراض الشبابي على التدخل العسكري الأميركي في فييتنام قد تصاعدت داخل الولايات المتحدة الأميركية، ولاحظ المرشح ماكارثي العدد الكبير للذين يتعاطون المخدرات (الماريجوانا) بين صفوف الشباب معارضي حرب فييتنام وهو المرشح الذي يخوض الانتخابات تحت شعار معارضة الحرب، أي الذي يمثّل سياسيا هؤلاء.

لذلك، يروي سيمور هيرش في الصفحة 75، أن ماكارثي سأله ما هي هذه المخدرات التي تُسمّى “الماريجوانا” ولماذا يتعاطاها هؤلاء الشباب، فما كان من سيمور هيرش، الذي كان يعلم بوجود متعاطين بين بعض المتطوعين في فريقه الإعلامي، إلا أن حضّر له على الفور سجائر ماريجوانا وزعها عليه وعلى أحد ضيوفه المعروفين وقام ماكارثي بتدخين السيكارة التي كان يجرّبها للمرة الأولى، مثل ضيفه. (Semour M.Hersh- Reporter- A Memoir- Penguin Book- Allen Allen Lane- 2018).

يستطيع سياسي أميركي كبير أن يدخّن تلك المخدرات بهذه الطريقة، بل يستطيع رئيس كبيل كلينتون أن يعترف أنه دخّنها عندما كان شابا في أواخر الستينات وكان واحداً من الشباب المتظاهرين في شوارع المدن الأميركية ضد استمرار التورط الأميركي في فييتنام. كلينتون الرئيس الذي سيفسد سمعةَ عهده لاحقا، والمليء بالإنجازات الاقتصادية، بفضيحته الجنسية مع الشابة مونيكا لوينسكي الموظفة الصغيرة في البيت الأبيض. لكن أحدا في التاريخ الرئاسي الأميركي يشبه دونالد ترامب. كل يوم فضيحة أو شبهة فضيحة خارجية أو مالية أو جنسية وفي اليوم الذي لا نسمع فيه عنه نسمع عن أحد مساعديه السابقين الذين يقبع عدد منهم في السجون حاليا.

بلغ السيل الزبى وهي زبى متصاعدة دائما مع هجمة الكلام العنصري غير المسبوق الذي صدر في تويتات “غرّدها” دونالد ترامب وكمية من الألفاظ السوقية جعلت هيئة صحيفة “بالتيمور صن” توجه إليه ما لم يسبق أن قالته صحيفة لرئيس ( راجع ترجمة افتتاحية الصحيفة في مكان آخر من “صفحة القضايا” اليوم). بالتيمور المدينة الصناعية النموذج في القرن التاسع عشر الممتدة بناياتها ومصانعها القديمة الحمراء والتي تبدو للمسافر برا بين واشنطن ونيويورك كأنها متحف كبير شاهد على زمن سابق والتي لديها مشاكل اجتماعية وعنصرية (نسبة أميركيين من أصل إفريقي كبيرة)، لكنها أيضا مدينة مميزة في الولايات المتحدة، فيها حسب “النيويورك تايمز” أدنى معدلات دَخْل وفيها أيضا بعض أعلاها على المستوى الوطني.

في الأساس دونالد ترامب كرئيس منتَخب وحاكم هو مثال “رائع” لانحطاط الديموقراطية الأميركية تستفيد منه، ولا بد من الإصرار على كلمة: تستفيد، كل أنظمة الحكم الاستبدادية في العالم. لكنّ تمادي هذا الرئيس في إحداث السوابق اللاأخلاقية والسياسية والعنصرية والجندرية بدأ يجعل منه، بعد أقل من ثلاث سنوات على تولّيه السلطة في البيت الأبيض، نموذجا مفيدا لا مسيئاً، لدعم قضية الديموقراطية، لا في الغرب وحده ولكن بصورة خاصة في العالم الثالث غير الديموقراطي. ذلك أن المستوى غير المسبوق لـ”شرشحة” الرئيس الأميركي والخسائر المعنوية المحرجة العالية للنخب السياسية الأميركية، رغم استمرار انقسام الحزبين الديموقراطي والجمهوري على شخصه وسياساته، تجعل من تجربته معياراً سلبياً فاقعا لنخب العالم الثقافية والسياسية ربما يعيد دفع القضية الديموقراطية التي بدا أنها تراجعت بعد مرحلة ازدهار سنوات ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

يعبّر دونالد ترامب عن شرائح اجتماعية مذعورة متزايدة في المجتمع الأميركي. صحيح أن ثمة خوفا بالغا من إمكانية احتفاظه بأكثرية انتخابية تعيده رئيسا لولاية ثانية..: لا نعرف، لكن بات من الأسهل الاستنتاج أنه في الحد الأدنى فإن الشرائح الاجتماعية الأميركية التي تؤيده هي الشرائح الأكثر رجعيةً في البلاد، رجعية من حيث عدم تأهيلها الذاتي قياسا بحجم التقدم الأميركي الاقتصادي والعلمي في العالم، وهو التقدم الأعلى عالميا، أو من حيث العزلة الاقتصادية مما يولد انعزالية سياسية تعبر عن نفسها في صناديق الاقتراع. وبالحد الأقصى فإن الترامبية في حالة نجاحه لولاية ثانية تكون تجسيدا لانحطاط أميركي فعلي لا عودة فيه.

لكن أين هو حس الكرامة كفاعل سياسي لدى هذه الشرائح، الكرامة المهددة بوجود رئيس من هذا المستوى المنحط في البيت الأبيض؟ لا شك أن النخب الأميركية في المدن الكبرى أجابت برفض هذا الانحطاط، لكن السؤال يبقى ماذا عن أميركا الأرياف والأقاليم البعيدة وحتى بعض القطاعات العمالية في ضواحي المدن التي كانت متضررة من العولمة الأميركية نفسها؟

حس الكرامة محرك سياسي في اتجاهين متقابلين لا في اتجاه واحد. الهوية الخائفة مقابل الهوية الفخورة. غير الواثقة مقابل المكتفية. أميركا لم تكن يوما دولةً – أمة. هي دولة البوتقة المندمجة. فهل عادت إلى الوراء أم من هو هذا الترامب الذي يعيدها إلى الوراء؟

يحرك دونالد ترامب المخاوف الأكثر تخلفا في المجتمع الأميركي. لا شك أنه تعبير عن ضعف ما عميق أصاب بنية هذه الدولة الأهم في التاريخ الحضاري العالمي. شيء ما في الترامبية لا يليق بأميركا. حتى عامل “الهوية” الأساسي في القرن الحادي والعشرين يظهر مع ترامب في وجهه السلبي القلق والمذعور لا في وجهه الإيجابي الخلاّق والمتقدم.

لا يمكن أن يفسر الاقتصادُ الأميركي المتراجع وحده الظاهرةَ الترامبية. رغم أن ترامب يستخدم في سياساته الإلزامية لدول الغرب ما هو أقوى ما في أميركا. هناك ما هو أعمق في هذه الدولة التي لا تشبه غيرها ويتشبه بها العالم بأسره.

دولة عظمى لا يستحقها دونالد ترامب ولا تستحق الترامبية كعقوبة.

“النهار”

طباعة