aren

ما لم ينشر فى مذكرات "مـراد غـالب": قراءة جديدة لحوار قديم مع سفير عبدالناصر فى موسكو
الجمعة - 17 - مايو - 2019

2019-636936390451563162-156

 

كتابة : عاطــف الغـمـرى

الزعيم يبوح لغالب بأسباب الهزيمة فى منزله بمنشية البكرى

سمعت باذنى احاديث المؤامرة على ناصر فى جناح المشير بموسكو

قبل 18 عاما من لقاءات استغرقت شهورا مع الدكتور مراد غالب، لكتابة مذكراته، باعتبار أنه شارك فى أحداث مصيرية، صنعت أحداث حقبة مهمة من تاريخ مصر المعاصر، بكل تفاعلاته وتقلباته الخطيرة، ولأنه التقى بعبدالناصر فى بيته، فى جلسة اقتصرت عليهما وحدهما، عقب هزيمة 67 مباشرة، وهو يبوح بما فى نفسه وعقله، لما جرى.

ولأن مراد غالب قد شاهد عن قرب، ما كان يدور عند المستوى الأعلى للحكم فى تلك الفترة. لهذا كله التقيت معه لشهور إلى أن اكتملت أمامنا مذكراته، التى نشرناها وقتها بالأهرام. حين اتصلت به تليفونيا. ثم ذهبت إليه فى مكتبه وحدثته عن مذكراته. فاجأنى بأنه لم يكتب أى مذكرات. وأنه عازف عن كتابتها. وشرح لى أسبابه. وحتى أحرك خطاه نحو ما جئت من أجله، اقترحت عليه أن نمشى المشوار من أوله. نتناقش ونفتح خزائن التاريخ. ولا نكتفى برصد ما جرى. بل ان نكمله بما نكون قد وصلنا إليه بعد هذا العمر من مفاتيح، تجعلنا نفهم أو نستوعب، ما استعصى علينا أن نلم به فى حينه، واستمرت لقاءاتنا شهورا وأنا اسمع وأكتب وأناقش.

2019-636936159499534145-953

ولحسن الحظ أن ذاكرته كانت حاضرة، فهو يتذكر ما كان قد جرى باليوم والساعة.

أما العودة لتقليب تلك الصفحات، فوراءها دافعان عودة الأول الأحاديث عن هزيمة 1967، لتثير مناقشات، اختلفت فيها وجهات النظر. والثانى ما شعرت به من خلال حوار جدلى مع د. مراد غالب، خارج إطار ما قرره فى مذكراته، من أهمية عرض صورة لما جرى فى تلك الأيام من عصر عبدالناصر، فى إطار أوسع من زمن حدوثها، ليستوعب مراحل لاحقة، تحسب بعشرات السنين من بعد زمن عبدالناصر.. من البداية تلاقت وجهات نظرنا، على أننا لسنا بصدد عمل نكتفى فيه برواية للتاريخ، بل أن تكون ذكرياته بمنزلة دروس للحاضر.. واخترنا كمدخل للمذكرات لقاءه مع عبدالناصر عقب هزيمة 67 مباشرة، فى لحظة دقيقة بالنسبة لحالة عبدالناصر النفسية، ولانعكاسات الهزيمة على تفكيره تجاه ما جرى، وتجاه ما يفكر فيه، لما بعد الهزيمة، واللقاء تم فى غرفة فى بيت عبدالناصر، ضمتهما وحدهما وكانت تلك خصوصية اللحظة.

يقول مراد غالب:

«وصلت الى القاهرة قادما من موسكو فى أواخر يونيو 1967، أى بعد العدوان. وتم استدعائى لمقابلة الرئيس جمال عبدالناصر. وجلست فى الصالون الخاص بالزوار، وما أن دخل الرئيس الغرفة شعرت بأننى أرى شخصا آخر. ليس هذا هو عبدالناصر.. كان منهكا واجما، تظهر عليه بوضوح آثار الهزيمة الساحقة.

وبادرنى الرئيس بالكلام قائلا: «شايف إيه اللى حصل لنا يا مراد».. كان مما قلته اننا هزمنا فى معركة. لكن الصراع لايزال مستمرا. واننى على يقين بأنك القائد الذى يمتلك دائما روح التحدى.

ورحت أشرح ما الذى يمكن لنا أن نفعله وناقشنا ما الذى نستطيع أن نطلبه من الاتحاد السوفيتى، وبعد أن فقدنا معظم أسلحة القوات المسلحة.. عندئذ سألنى الرئيس: هل قلت كل ما عندك؟ وكنت قد أنهيت كلامى بالفعل.

رؤية عبدالناصر لما بعد 67

هنا قال عبدالناصر: إذن اسمع ما سأقوله.

وراح يشرح لى كيف يفكر لإعادة تنظيم القوات المسلحة على أسس جديدة، يراعى فيها الانضباط والروح العسكرية، والتدريب الجدى والشاق، وهذا ينطبق على جميع فروع القوات المسلحة.

ثم أضاف: التدريب هو أهم شيء. ولاشك ان الأسلحة ستساعدنا. لكن الأهم هو التدريب والانسان المقاتل. وعلينا ان نجهز الانسان الذى يقٍاتل من أجل مبادئ ورؤية مختلفة عن الرؤية التى سادت فى الفترة الماضية، والتى جعلتهم يتطلعون للمناصب المدنية البراقة. اى أن تكون العسكرية هى أعظم مايحلمون به فى هذه المرحلة.

ومضى الرئيس يقول: نحن بحاجة لعملية غسل للعقول، سواء للقوات المسلحة، أو للشعب كله. فإسرائيل حققت نجاحها الكبير فى حرب يونيو، بسبب وضع القيادة العسكرية عندنا، والتى كانت مهلهلة. وكان كل سلاح فيها فى حالة استقلال عن باقى الأسلحة، وهو شيء يحول دون وحدة القوات المسلحة فى أدائها عملها كفريق عمل.. وتحدث عن قراره تعيين الفريق اول محمد فوزى قائدا عاما للقوات المسلحة. واختيار الفريق عبدالمنعم رياض رئيسا للأركان وعزل شمس بدران البعيد تماما عن مواصفات وزير الدفاع.

روى مراد غالب خفايا ما كان يجرى تحت عينيه وهو سفير لمصر فى موسكو. وما كان يتكشف من دور شمس بدران، كجزء أساسى من مشهد الهزيمة.

هنا يقول مراد غالب:

كان شمس بدران الرجل الثانى فى القوات المسلحة بعد المشير عبدالحكيم عامر. ومن أقرب العسكريين إليه وحدث قبل حرب 67 بعشرة أيام، ان جاء شمس بدران وهو وزير للدفاع الى موسكو، ليشرح للقيادة السوفيتية، الموقف العسكرى المتوتر فى المنطقة. وطلب شمس بدران ان يكون لقاؤه مع القادة السوفيت على انفراد، وان اكون وحدى معه بناء على طلب المشير عامر. واستقبله المارشال جريتشكو وزير الدفاع بالمطار، ثم التقاه فى مكتبه بالوزارة. وسأله جريتشكو عما سيقوله لرئيس الوزراء كاسيجين. ورد شمس بدران بكلام يخلو من اللياقة، وهو يقول: لو أننى أبلغتك بما سأقوله لكاسيجين، فما الذى سأقوله له عندما أقابله.

وامتعض جريتشكو. وانتقل بالكلام الى سؤاله: هل أغلقتم مضيق تيران؟

ورد عليه شمس بدران: نعم أغلقناه.

ثم أبلغنى شمس بدران عقب اللقاء، بأننا لم نغلق مضيق تيران حتى الآن.. كان جريتشكو يهز رأسه مستنكرا كلام وزير دفاعنا. وأصابتنى أيضا دهشة من كلامه غير المسئول. ثم ذهبنا لمقابلة كاسيجين. وكان ماجرى فى هذه المقابلة، أمرا بالغ الأهمية.راح شمس بدران يشرح وضع الحشود المصرية على حدود اسرائيل. وتحدث بإسهاب عن أن الخطة العسكرية لمصر، هى خطة هجومية. وقال إن القوات المسلحة ستنقسم الى شعب تتحرك فى ثلاثة اتجاهات. إحداها شمالا إلى تل أبيب والثانية فى الوسط الى بير سبع. والشعبة الجنوبية ستذهب الى إيلات

وبعد شرحه الخطة تفصيليا، رد عليه كاسيجين قائلا وبالحرف الواحد: نحن نعتقد ان الموقف فى منتهى الخطورة. وان مواجهة لقوات مسلحة بهذا الحجم وبهذا التسليح على جانبى الحدود قد تؤدى إلى حرب، وفى هذه الحالة لا يمكن لأى طرف الادعاء بأنه لم يبدأ الحرب. وعليكم وضع هذا فى حساباتكم.

وطرح عليه كاسيجين عدة أسئلة، واعتقد ان شمس بدران لم يفهم معناها….. وكان السؤال المهم جدا هو:هل وضعتم فى حسابكم أن الولايات المتحدة قد تدخل هذه الحرب؟

ومعنى السؤال أن الاتحاد السوفيتى لن يتدخل فى هذه الحرب ورد عليه شمس بقوله: ان هذا سيجعل العالم كله يرى دولة عظمى تضرب دولة من العالم الثالث.

ويعقب مراد غالب على هذا الكلام بقوله: إننى أتعجب من رد وزير دفاع مصر. وظهر التعجب أيضا على وجه كاسيجين الذى سأله:

ماهو العالم الذى سيرى هذا؟

قال بدران: العالم كله.

بعد ذلك كانت ساعة مغادرة شمس بدران موسكو.

وجرى المشهد كما يلي: جريتشكو يسير نحو الطائرة المسافرة الى القاهرة. وإلى جواره شمس بدران، والذى يمشى الى جواره اللواء أحمد فتحى عبدالغنى رئيس مكتب المشتريات العسكرية فى موسكو.. ووصلنا الى مكان الطائرة، وجرى على سلم الطائرة حديث لم أسمعه بين جريتشكو وشمس بدران. وبعد ان ودعناه، ونحن نعود مبتعدين عن الطائرة، جاءنى اللواء أحمد فتحى عبدالغنى وقال لى:

هل سمعت ما قاله جريتشكو لشمس بدران؟

لقد قال له «شدوا حيلكم ونحن برضه معكم»،وأنا أنقل هنا الجملة باللغة العامية، كما قالها لى اللواء عبدالغنى.

فقلت للواء عبدالغنى، هذا كلام شخص يطيب به خاطر الضيف بدران، بعد أن أنزلوا على رأسه دشا باردا فى جلسات المباحثات.

بعدها حرصت على الذهاب بنفسى إلى جريتشكو أسأله عما قاله لشمس، فقال لي: لقد رأيته محبطا. فأردت أن أرفع من روحه المعنوية بعض الشيء. ولكن ما أردنا ان نقوله، فهو قد سمعه من الرئيس كاسيجين.. وجدت من واجبى ان أرسل الى القاهرة فورا، محضر الجلسة الأولى، كما كتبته بخط يدى. وكان قصدى ان أمنع اى لبس بشأن تدخل الاتحاد السوفيتى. وكان مضمون رسالتى مختلفا تماما عما قاله شمس بدران عند عودته للقاهرة، وان السوفيت سيقفون معنا فى الحرب. ففى اجتماع لمجلس الوزراء، قال شمس بدران إن السوفيت سيحاربون معنا. وان الاسطول والقوات المسلحة السوفيتيين، سيدمران الاسطول السادس الأمريكى. وسوف يشفونه لحما وعضما وهو كلام لايمكن ان يخطر على بال إنسان عاقل.

وفى يوم 6 يونيو ثانى أيام الحرب وفى الساعة العاشرة صباحا، قابلت كاسيجين بناء على طلبى وبادرنى بالسؤال: أين كلام شمس بدران. وزحف القوات المصرية على ثلاثة محاور. وكان ردى، اننى سمعت من بدران ماسمعته أنت تماما.

أحاديث المؤامرة فى جناح المشير بموسكو

كان شمس بدران هو القائد العسكرى الذى اختاره عبدالحكيم عامر ليكون وزيرا للدفاع. وكان عبدالناصر قد حذر القيادة العسكرية قبل الخامس من يونيو وقال لهم: عندى معلومات بأن اسرائيل ستهاجم يوم 5 يونيو ثم يضيف مراد غالب بأننى كنت أحد الذين أرسلوا برقية عن موعد الهجوم الاسرائيلى، بما علمته من حوار مع السفير الأمريكى فى موسكو، بصورة غير مباشرة. ولم أكن الوحيد الذى نبه الى هذا الموعد، فقد تلقى عبدالناصر تحذيرا بذلك من مصادر أخرى.

فى موسكو أيضا تبينت هوة الخلاف بين المشير وعبدالناصر، وتجاوز الخلافات حدود العلاقة الشخصية، لتمس وضع ومصالح أمة، وتؤثر على سياستها وأوضاعها داخليا وخارجيا.

وينقل مراد غالب وقائع الخلاف، ومنها أحداث عايشها فى أثناء زيارات المشير عامر موسكو. يقول: فى نوفمبر 1966، جاء فى زيارة وفى رفقته صلاح نصر، وثلاثة من قيادات القوات المسلحة. وذات مرة وهم جالسون يتحدثون فى مقر إقامة المشير، دخلت عليهم دون ان يشعروا بى، وسمعت صلاح نصر يقول: لا فائدة لهذا البلد، مادام هذا الرجل قاعد هناك. ولهذا لن نستطيع أن نقوم بأى إصلاح.

فقلت: الله.. الله.. ماهذا الكلام الذى تقوله؟ وعلى الفور رد صلاح نصر قائلا: اذا لم تسكت فسوف نستخرج ملفك. انى أعرف جيدا مافى هذا الملف. إلا اذا كانت هناك إضافات. ووجدت نفسى أحتد عليه.. وتدخل المشير عامر لتهدئة الموقف وقال له: ياصلاح. مراد غالب هذا رجل، وكان يقصد أننى ليس من طبعى نقل مثل هذه الأحاديث. وبالفعل لم أذكر شيئا لعبدالناصر، وإلا كانت النتيجة كارثة. ثم اننى أعلم أن الرئيس يعرف اكثر مما اعرفه.

2019-636936160563288689-328

عبدالناصر يطلب أسلحة ردع تطول “إسرائيل”

فى مرحلة مابعد الهزيمة فى 67، شغل عبدالناصر الى حد كبير بعلاقته بعبدالحكيم عامر. وحدث ماحدث مما هو معروف عما انتهت إليه العلاقة.. وشهدت مرحلة مابعد الهزيمة، محاولات سوفيتية وأمريكية لحل المشكلة الناتجة عن الحرب سلميا. وحيث كان الاتحاد السوفيتى يفضل الحل السياسى. لكن الرئيس عبدالناصر طلب اكثر من مرة تزويد القوات المسلحة المصرية بأسلحة ردع، أى التى تطول اسرائيل، ويصل مداها إلى داخل أراضيها.. فى تلك الفترة وبعد اصابة عبدالناصر بأزمة قلبية عام 1969، ظل يتردد على الاتحاد السوفيتى للاستشفاء فى سخالطوبو. لكنه وهو فى شدة المرض ظل مهموما بسلاح الردع، ويؤكد للسوفيت إيمانه بأنه من الممكن أن نحارب اسرائيل ونتفوق وننتصر عليها فى أى حرب شاملة. ويقول لهم إن الاسرائيليين ليس معروفا عنهم الشجاعة، وان تفوقهم لا يظهر إلا إذا كان لديهم تفوق كبير فى السلاح.

وكان السوفيت يخشون أن يؤدى اندفاع المصريين إلى عمليات ضخمة، إلى حرب كاملة على ضفاف قناة السويس.

وفى أثناء زيارة سرية لموسكو فى يناير 1970 ذكر عبدالناصر للقادة السوفيت انه سيستقيل إذا لم يستجب السوفيت لما يطلبه من السلاح. وانه لا يقبل التفاوض مع اسرائيل، فى ظل عدوانها المستمر، وليس عبدالناصر هو الذى يستسلم، ويقبل التفاوض، فى ظل ما يحدث من عدوان. وسأبقى أحارب وأدافع عن بلدى كأى فرد عادى.. وبعد هذا التحذير، حدث تحول فى موقف السوفيت وبدأت الصواريخ وأسلحة الردع تصل الى مصر.

توالت الأحداث إلى أن توفى عبدالناصر فى سبتمبر 1970، كنت فى موسكو فى أثناء الوفاة، ورأيت بين الحاضرين للعزاء، السفير الأمريكى جيكوب بيم ولم تكن بيننا علاقات دبلوماسية، فاقترب منى يودعنى بعد أن سجل اسمه فى سجل المعزين، فقلت له: ما الذى جاء بك؟ ولكنى نطقت السؤال بلهجة ودية، فأجابنى بكلمة لا أنساها: لقد كنا نحترمه.

وأصبح السادات رئيسا لمصر

يقول مراد غالب: فى الأجواء التى تمت فيها أول زيارة للرئيس السادات لموسكو، بعد شعوره بعدم استجابة السوفيت إلى مطالبه من السلاح، وما أعلن عام 1972 فى لقاء قمة بين بريجينيف والرئيس الأمريكى نيكسون، من اتفاق على مبدأ الاسترخاء العسكرى فى الشرق الأوسط، ومعناه رفض الحل العسكرى بينما أراضينا محتلة، فقد عقدت جلسة محادثاته بينه وبين القادة السوفيت، ودق خلالها السادات بقبضة يده فى غضب على المائدة.

ثم جاءت زيارته الثانية لموسكو فى ابريل 1972، التى طالب فيها بأسلحة ردع، تمنع اسرائيل من ضرب أى أهداف فى مصر، يومها اقترح كاسيجين عقد لقاء فى موسكو بين السادات وجولدا مائير، وكان يتكلم بالروسية، فسارع مراد غالب ينبه كاسيجين ألا يترجم هذا الكلام، وإلا اشتعلت ثورة غضب السادات. واستجاب كاسيجين للنصيحة. لكن السادات كانت له ترتيبات مخالفة، تطورت إلى عبور قناة السويس فى حرب 73.

يروى مراد غالب واقعة لها دلالات بالغة الأهمية كان الجنرال لاشينكو الملحق العسكرى السوفيتى فى القاهرة، قد عاد إلى موسكو عام 1968، بعد تعيينه نائبا لرئيس أركان حرب القوات البرية وقتها قابلته وسألته:

هل تستطيع القوات المصرية عبور قناة السويس؟.

وأجابنى مؤكدا أننا نستطيع ذلك. ولكن لا تنقل عنى هذا الرأى فى موسكو. وإلا أصابهم الذعر. فهم لا يريدون فى هذه المرحلة حدوث عمليات عسكرية واسعة النطاق تؤدى إلى حرب شاملة.

ويقول غالب: بدون شك كان عبور قناة السويس اعجازا عسكريا بكل المقاييس. وكان تخطيطا مصريا خالصا. بينما كان رأى السوفيت ان من الصعب حدوث عبور للعائق المائى الواسع واستحالة تحطيم خط بارليف. لكن العبور حدث. وتحطم خط بارليف.

رؤية جدلية لمذكرات مراد غالب

كانت تلك الصفحات من مذكرات د. مراد غالب، إبحارا فى مياه بعضها متلاطم الأمواج. فهو قد أثار قضايا اتفق معه فيها كثيرون، واختلف معه البعض. ورغم أى اتفاق أو اختلاف، يبقى أنه رجل مشهود له بالسمعة الطيبة، والاستقامة المهنية، والجدية، والثقافة الواسعة.. وفى حواراتنا اتفقنا فى جلساتنا الطويلة، على أن تتخطى مذكراته، حدود تقليب صفحات من التاريخ، حتى نستخلص مما جرى فى الماضى دروسا وعبرا تثرى الحاضر، وأن نعرف أين كان الخطأ والصواب فى صناعة القرار. ولهذا استأذنته فى أن أطرح عليه بعضا مما قد أختلف معه فيه.

وبدأت بطرح السؤال عن قضية الديمقراطية. وما تتيحه من فرص فى ظل تعددية الرأى، لإيجاد مناخ سياسى، تعلو فيه أصوات تنير أمام الحاكم طريقا يستلهم مما فيه رؤى، تقى الدولة الكثير من العثرات.. وأضيف إلى سؤالى هذا، ما أثبتته أحداث تاريخية لاحقا، لمصلحة هذا الرأى، وسأعود إليها بعد أن أستمع إلى وجهة نظره.

أجابنى د. مراد غالب: بأن الثورات تقوم لكى تغير الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، واقامة مجتمع ورؤية سياسية جديدين. وأن يكون للثورة هدف إيجاد إنسان جديد فى عالم جديد.. إنسان حر، يبدع، ويشارك، ويصنع مجتمعه. ومن كل دروس التجربة تبقى الديمقراطية هى خلاصة الموضوع. وأعتقد أن الثورة لابد أن تتجه بعد ذلك إلى الديمقراطية.. قلت: رويت لى أن الرئيس عبدالناصر حدثك فى أول لقاء بينكما عقب هزيمة 67، عما يشغل تفكيره فى هذه الظروف.

وإننى أسأل على ضوء ذلك ألم يحدثك عن الديمقرطية، التى أعتقد أنها لو لم تكن غائبة عن نظامنا السياسى، لتجنبنا الكثير مما جرى فى 67؟

وكان رد مراد غالب: لم يذكر الرئيس عبدالناصر فى هذا اللقاء شيئا من ذلك. لأن همه كان يدور حول كيفية وقوف القوات المسلحة ثانية على قدميها. وكيف نقضى تماما على آثار العدوان.

المعلومات لم تكن متاحة حتى لأصحاب الرأي

عدت إلى سؤال آخر: كيف لم يفكر فى هذا، والشارع كله كان مشغولا بالتفكير فيه، وكان متلهفا على معرفة الأسباب التى أدت إلى الهزيمة. صحيح أن عبدالناصر لقى تأييدا كاسحا لبقائه، بعد بيانه الذى أعلن فيه نيته التنحى. إلا أن التساؤلات تكاثرت عما هى الأسباب الكاملة التى قادت إلى النكسة.

.. ومن الذى يتحمل المسئولية الحقيقية؟

.. هل هو عبدالناصر؟

.. هل هو النظام بأكمله؟، هل غياب الديمقراطية؟

.. هل غياب الشفافية؟

ولو كانت تعددية الرأى متوافرة، فربما كان قد وصل إلى علم النظام، ما كانت تنشره صحف فى الغرب، من أن إسرائيل، وبمساعدة أمريكا، تجهز لجر مصر إلى مواجهة، وتوريطها فى عملية توفر لإسرائيل مبررا للعدوان.

ولشرح ما أقول، ففى سنوات عملى رئيسا لمكاتب الأهرام فى الولايات المتحدة، أتيحت لى فرص للعلم، بما لم يكن متاحا لنا نحن الصحفيين العلم به، بسبب قيود التنظيم السياسى الواحد. فإن اشتراكات صحفنا فى أعداد الصحف الأمريكية ومنها مجلتا نيوزويك وتايم، كانت أعدادها تصلنا وقد نزعت منها الصفحات التى تتضمن تقارير عن مصر، وضمنها الصراع مع إسرائيل، ولا يتاح للكتاب الذين يطلعون عليها قراءة، وتحليل، وفهم ما تحويه هذه الصحف، ولو كان ذلك بشكل مباشر.. وقد تبين لى فى أثناء عملى فى أمريكا، وزيارة المراكز التى تضم الوثائق الرسمية القديمة، أن ما كانت تنشره الصحف، لا يخلو من معلومات، أو حتى اشارات إلى الفخ الذى تعده إسرائيل، بالتواطؤ مع أمريكا، لتوريط مصر، فى موقف يدفع إسرائيل للحرب. ومما كان ينشر أيضا سفريات جيئة وذهابا طوال شهر مايو 1967، بين واشنطن وتل أبيب، لرجل المخابرات المركزية جيمس أنجلتون، الذى كان حلقة الصلة بين الموساد والمخابرات المركزية. وكانت المخابرات المركزية تضع أمام الرئيس ليندون جونسون طوال شهر مايو تفاصيل عن الحرب المتوقعة. ثم كانت هناك المناورات الجوية التى تجريها اسرائيل يوميا فى صحراء النقب، على هياكل خشبية لكافة مطارات مصر.

اختيار وزير دفاع مجرد من الكفاءة العسكرية

انتقلت فى الحوار الى سؤال عن قرار الرئيس عبدالناصر، إيفاد شمس بدران الى موسكو، قبل أيام من حرب 67، فى مهمة دقيقة وحساسة بينما عبدالناصر يعرف حسب رواية د.مراد غالب مدى تدنى كفاءة شمس بدران، فضلا عن قبوله من البداية أن يكون هو وزير دفاعه؟.

قال د.مراد غالب: لا أحد يستطيع ان يبرر كل هذا. ولا توجد اجابة مقنعة على هذه التساؤلات التى نتجت عن ظروف العلاقة المعقدة بين الرئيس والمشير. ولماذا ترك المشير فى نفس المواقع التى يشغلها. ولماذا تحمل الصراعات بينه وبين عبدالحكيم عامر.. ويجيب مراد غالب: ان تعيين شمس بدران وزيرا للدفاع كان بطلب من المشير وباصرار منه. وبدون شك فقد كان هاجس الأمن على رأس القضايا الأساسية فى هذه الظروف.

من محمـــد على إلى عبدالناصـــــر

بعد هذه الإطلالة على هذه الفترة من التاريخ، بجانبيها رواية مراد غالب فى مذكراته، وايضا الحوار الجدلى اللاحق معه، أتساءل ألا يحتاج ذلك الى نظرة أوسع لما جرى.. وأقول ان التاريخ عادة ما يضيف أبعادا جديدة للمشهد بعد مرور السنين، فما بالنا بأن ما مر يقدر بخمسين عاما.

وعلى سبيل المثال فإن الحكم على محمد على فى إطار زمنه، يدينه فى الكثير من ممارساته. وتمر السنون ويعاد تقييم عصره، وتراثه، وخطواته للتحديث، والوصول بمصر الى مرتبة القوة الكبرى، ليكون هناك إقرار بأن محمد على هو بانى مصر الحديثة.

وفى المقابل كان عبدالناصر يقود مشروعا وطنيا، تعلو قواعده أمام الأعين فوق الأرض، وفى فترة عامرة بالأحلام، وعلى أيامه كانت مصر دولة لها حضور قوى ومؤثر، ليس فى المجال الاقليمى وحده. بل على مستوى العالم.. ويلوح من مذكرات مراد غالب وفى روايته عن أول لقاء له مع عبدالناصر بعد هزيمة 67، أنه هو نفسه أدرك مكامن الخطأ الذى وقع فيه.

وبالتأكيد هناك أخطاء، منها ما صنعته يداه. ومنها مشاكل إدارة الدولة عند قمة مستويات السلطة، والتى تمحورت فى كثير من جوانبها حول علاقة الرئيس والمشير.

ويبقى انه كان زعيما وطنيا، وقائدا، لا يزال التاريخ يضع اسمه فى مكان يليق به، وكل تقدير من شعبه، ومن الشعوب العربية، بل وبين شعوب أخرى تبعد عنا بآلاف الأميال.

“الاهرام”

طباعة