aren

… في الذكرى الثامنة للحرب السورية \\ بقلم: ماريان غاسر
السبت - 16 - مارس - 2019

 

الأطفال في الشوارع ، تعتريهم علامات سوء التغذية الشديد ، لدرجة أنهم بالكاد لاحظوا وصولنا. مشهد الأطفال الذين يبدون كهياكل عظمية لا يفارق المخيلة، لكن رحلتنا لتقديم المساعدات بمدينة مضايا السورية في أوج شتاء كانون الأول / يناير 2016 ، حفرت في ذاكرتي مشاهد أكثر قتامة : قبو غارق في الظلام يعج بأطفال تبرز عظام وجوههم، ومسنين أصاب الشلل أركانهم. الكل يعاني من البرد والمرض والجوع. أجساد هزيلة ترقد على بطانيات زرقاء اللون، تفترش أرضية عيادة مؤقتة أقيمت تحت الأرض، احتماءً من القصف الجوي.

لقد لاقت سوريا من الويلات ، بفعل النزاع المستمر منذ ثماني سنوات ، وهو ما جعلها تترنح . فما من عائلة في البلاد إلا وفقدت فردًا من أفرادها، ولم تنج عائلة من دون أن يطالها ضرر؛ إما بالنزوح، أو الإصابة، أو الاختفاء. كما لحق الضرر البالغ الكثير من المنازل والمستشفيات والمدارس ومرافق المياه والكهرباء، أو دُمرت تمامًا.

سوريا بحاجة إلى مساعدة الآن، أعلم ذلك علم اليقين وطوال الثماني سنوات الماضية، التي قضيت معظمها بصفتي رئيس بعثة اللجنة الدولية في سوريا، رأيت البلاد تنزلق من سلام هانئ إلى اتون الدمار والهلاك. اشتعال حرب واسعة النطاق مُجددًا أمر ممكن، إن لم يكن مُرجّحًا، إذا لم يحدث تقدم سياسي كبير، وما لم توضع خطة لإعادة بناء ما تحطم، سواء البنايات أو حتى الناس.

ولا بد من أن تكون هناك إجابات شافية لحالات مئات الآلاف الذين ذهبوا في عداد المفقودين، ولا بد أن يلتئم شمل العائلات التي تفرّق أفرادها، ويجب أن يحصل أولئك الذين يعانون جراحًا نفسية على دعم قبل أن يبدأوا رحلتهم نحو التعافي.

خلاصة القول، على الشعب السوري أن يجد طريقة للتعايش. وبصفتنا عاملين في مجال الإغاثة، بإمكاننا تقديم يد العون على المدى القصير والبعيد، وآمل أن يقدم المجتمع الدولي الالتزامات الضرورية لإحلال سلام طويل الأمد.

أشعر أن الجرح الذي أصاب “مضايا” قد حفر أخدودًا في عقلي. في أثناء الزيارة، همست أم لستة أطفال في أذني قائلة: “لقد فقدت ابني الأكبر للتو، كان في السابعة عشرة. أرجوكِ ساعديني ليظل الخمسة الباقين على قيد الحياة”.

اقتربت امرأة أخرى مني وقالت وعلى وجهها ابتسامة: “هل تعلمين ماذا فعلتم بنا أنتم القادمون من الخارج؟ بتحدثكم إلينا وتذكّرنا، أعدتم إلينا شيئًا آخر؛ إنه كرامتنا. شكرًا لكم”.

كانت دمشق مدينة حديثة وجميلة ونابضة بالحياة ، عندما توليت رئاسة بعثة اللجنة الدولية فيها عام 2009. ولم يكن يخطر على بال أحد ، أن سوريا ستقع في مستنقع البؤس هذا. في منتصف شهر آذار/مارس عام 2011، اندلع العنف في بلدة تدعى (درعا)، التي تبعد عن العاصمة مسيرة ساعة. وبعد عام واحد ، اجتاح القتال أرجاء البلاد.

مشاهد الدمار ، وأعداد الذين أزهقت أرواحهم وأصيبوا ونزحوا تمزق نياط القلب؛ أراض زراعية أصبحت جبهات قتال، وأصبحت حبات الزيتون غذاءً رئيسيًا مُعتادًا. ونزح ملايين الناس، نحو نصف سكان سوريا..الملايين!

أما بالنسبة للأطفال، فقد أصبحت المدرسة ذكرى بعيدة. وقد استُبدل بدروس الرياضيات والتاريخ والعلوم دروسٌ فرضتها الحرب: الهرب، الاختباء، الحزن، البقاء على قيد الحياة. عدد كبير من الأطفال ممن هم دون الثامنة ، لم تُفتح أعينهم على شيء آخر سوى الحرب.

وأدت سنوات القتال إلى جعل بعض الخدمات الحيوية بالبلاد في وضع بالغ الهشاشة، بما في ذلك المدارس والمرافق الصحية وأنظمة الإمداد بالكهرباء ، وقنوات الري وخدمات المياه. وبات أكثر من (11.5) مليون شخص في حاجة إلى مساعدة، ويعيشون الآن في ظروف قاسية.

وحتى المناطق التي بها بنايات سكنية أو منازل أو متاجر لا تزال قائمة، فهي في الغالب لا تخلو من مخلفات الحرب القابلة للانفجار، الأمر الذي يضع العائلات ولا سيما الأطفال تحت تهديد خطر شديد. ولا بد من التحرك فورًا للتخلص من مخلفات الحرب هذه بشكل آمن، بما فيها تلك التي تلوّث الحقول الزراعية.

حلب. ألا يذكركم الاسم بدمار ومعاناة تعجز الكلمات عن وصفهما؟ إنه يذكرني أنا.

في نهاية عام 2016، لم تخْلُ سماء حلب من القذائف للحظة واحدة، وكانت قذائف الهاون تمطر الأحياء السكنية. وأسفرت المعركة عن تحويل المدينة إلى أشلاء وسلبتها روحها.

بعد مرور نحو سبع سنوات على بدء الصراع في سوريا، أصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) اليوم الاثنين (12 مارس/ آذار 2018)، تقريراً بالأرقام عن الوضع الإنساني للأطفال في البلاد. وبحسب التقرير، فإن 13.1 مليون شخص، ما يعادل أكثر من نصف عدد السكان، هم بحاجة للمساعدة، من بينهم 5.3 مليون طفل.

في درجات برودة بلغت حد التجمد، عبرت فرق اللجنة الدولية والهلال الأحمر العربي السوري الخطوط الأمامية للقتال لتخوض وسط أكوام من الأنقاض. ترجلنا من السيارة لنلوّح بعلم الصليب الأحمر، لكي يعلم الجميع من نحن.

عندها وقعت عيناي على أحد أكثر المشاهد التي اهتزت لها مشاعري: آلاف الأشخاص، معظمهم من النساء والأطفال، في انتظار أن يتم إجلاؤهم. كثير منهم كانوا يرتدون أسمالًا بالية، وتنوء ظهورهم بحقائب قديمة مهلهلة. وملامح الإنهاك والخوف والقلق والأمل كانت محفورة في وجوههم. الدمار يخيم على كل شيء.

كان هناك الكثير من الأطفال، ولا أظن أن أحدًا منهم كان يرتدي ملابس تقيه برد الشتاء. كانوا صامتين، لم يُصدروا أي صوت، ولم تجد الابتسامة سبيلًا إلى وجه أحدهم. كانت وجههم خالية من أي تعبير.

هذه هي الصورة التي تتبدى أمامك عندما يُعمِل العنف مخالبه في شرايين الحياة. ولهذا السبب لا بد لسوريا من أن تعيد بناء نفسها؛ بناياتها وأرواح شعبها.

مضايا، حلب، الموت، الدمار- هذه ذكريات يجب ألا تعيشها سوريا مُجددًا.

رئيس بعثة اللجنة الدولية في سوريا خلال الفترة (2009-2013) ثم (2015-2019).

طباعة
هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها