aren

فرج الله الحلو في ذكرى اغتياله الستين \\ كتابة : سعد الله مزرعاني
الخميس - 4 - يوليو - 2019

فرج الله الحلو

قبل ستين سنة، وتحديداً في 26/6/1959، اعتُقل وقُتل (اغتيل) أحد أكبر قادة الحزب الشيوعي اللبناني السوري (بل ربما أكبرهم على الإطلاق)، الشهيد الكبير فرج الله الحلو (ولم يكن قد تخطّى الثانية والخمسين من عمره). ليست أهمية هذا المناضل المرموق فقط، في أنه صمد وثابر وواصل مهماته حيث تراجع معظم القادة الآخرين الذين غادروا، بقرار أو بغير قرار، خشية حملة المخابرات السورية في مرحلة الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا (1958-1961).

ولا تكمن أهميته أيضاً، فقط، في صموده أمام الجلاد واحتقاره للعميل الخائن ورفضه النهائي الحازم للرد على أيّ سؤال أو الادلاء بأي معلومة وإصراره على الدفاع السياسي عن مواقفه واستعداده لتحمل المسؤولية الكاملة كما يليق بالكبار في ميادين الكفاح والتضحية. ليس أيضاً بسبب دماثته وتواضعه وبساطته وترفّعه عن الشكليات والمظاهر وممارسته نمطاً رهبانياً صافياً وصادقاً في العلاقات والمواقف والسلوك. إنه بالإضافة إلى ذلك وسواه مما تميّز به من الاستقامة والنبل والكفاحية والجدية والود… قد بلور معالم نهج ثوري خلّاق بشأن العديد من العناوين ذات الطابع الاستراتيجي. شمل ذلك، بتماسك منهجي واثق، الحقول الرئيسية: الدولية والإقليمية والمحلية.

بالتمايز، وبالتعارض أحياناً كثيرة، مع نهج كان يجري تكريسه في صفوف الشيوعيين اللبنانيين والسوريين (الموحَّدين آنذاك في حزب واحد)، من قبل الأمين العام وقتها خالد بكداش (المُسقَط على الحزب بقرار من قبل الأممية السوفياتية مُطيحاً بقادته المؤسسين)، ثابر فرج الله على محاولة بلورة نهج وطني مشتق من البيئة المحلية في تفاعلاتها الداخلية والخارجية… ففي عام 1937 وبعد زيارته للاتحاد السوفياتي، أصدر الحلو كتاباً بعنوان «إنسانية جديدة تبني عالماً جديداً»، تحدّث فيه، بإعجاب، عن إنجازات النظام السوفياتي لكنه أضاف: «الماركسيون هم أول من يعترف بحقيقة الأوضاع التاريخية كما هي.

وعندما يتكلمون عن الاتحاد السوفياتي بهذه النغمة المرحة يجب ألا يظن القارئ، أن كلّ شبر من الأرض قد تحوَّل هنا إلى جنة تجري من تحتها الأنهار». معروف أن قادة آخرين قد بالغوا إلى أقصى الحدود في تصوير بلاد السوفيات على أنها «جنة الله على الأرض»! يتصل بذلك أنه كانت للسوفيات الكلمة الفصل في كل الأمور بما فيها الشؤون الوطنية الصرف والتي كان لينين قد أوصى في «مؤتمر شعوب الشرق» بأن تتولى وفودها صياغة سياساتها وبرامجها الخاصة في ضوء المبادئ العامة لا أن تتبنى تجارب وشعارات وأولويات سواها بشكل ببغائي.

كتب فرج في تقريره أمام المؤتمر الوطني الأول للحزب الشيوعي الموحّد (أوخر عام 1943 أوائل عام 1944): «إن حلّ الأممية الشيوعية ساعد على تبديد الكثير من الأوهام وساهم في التدليل على أن الحزب الشيوعي هو حزب وطنيّ لم تبقَ له أي علاقة مع أيّ مركز دولي، لا فعلية ولا اسمية… وأنه وُلد في لبنان العربي وسوريا العربية ونشأ وترعرع في النضال من أجل استقلالهما. وهو منهما: لحماً ودماً وروحاً»!

بهذا النفس الاستقلالي النقدي الموضوعي الثوري أضاف فرج: «لحزبنا سلاحان رئيسيان هما أساس قوته وتطوره وتقدّمه: أولهما نظريته الثورية العلمية في التحرر الوطني. وهي ليست مجموعة من الصيغ والعقائد الجامدة… بل تتجدد وتتكيف وفقاً لتطور المراحل التاريخية… وهو يضع سياسته وخطته بعد درس وتمحيص في ضوء نظريته العلمية»، ويضيف مستدركاً: «لا يهمل الشيوعيون الاستفادة من تجارب الحركات الوطنية التحررية في العالم، لكنهم، عندما يضعون سياستهم لا يقلّدون بلداً على الإطلاق، لا في الشرق ولا في الغرب. إننا نعمل لتطبيق نظريتنا على أحوال بلادنا، لا لتطبيق أحوال البلد على النظرية»!

في هذا المناخ من العلاقة الجدلية ما بين النظرية الثورية والمواقف الملموسة بشأن القضايا المطروحة في أولوياتها التحررية الموضوعية، كافح فرج ضد السياسات البريطانية الصهيونية لاغتصاب أرض وحقوق الشعب الفلسطيني. وخلاصة الرأي والموقف بهذا الشأن صاغها كما يأتي: «ليس لقضية فلسطين سوى حلّ واحد هو إلغاء الانتداب البريطاني عنها ووقف الهجرة إليها وإعلان استقلالها وتأليف حكومة وطنية ديمقراطية فيها… إن قضية فلسطين لا ينبغي أن تُحلّ على ضوء المصالح البترولية والإمبراطورية البريطانية الأميركية الصهيوينة، بل في ضوء مصالح وحقوق سكانها في الاستقلال والحرية».

استمرت هذه السياسة التي واظب عليها فرج الله الحلو والحزب حيال القضية الفلسطينية إلى حين وافقت الحكومة السوفياتية، بسرعة وفجأة، على قرار التقسيم في 27 تشرين الثاني عام 1947. واصل الحزب الشيوعي سياسته المقررة والممارسة في دعم نضال هذا الشعب المغدور.

وهي سياسة تكاملت، بدور كبير لفرج الله، جوانُبها الوطنية والقومية التحررية: في طلب الاستقلال والحرية، وفي الدفاع عن المصالح الشعبية في وجه المستعمرين وأدواتهم المحلية، وفي الانتصار للقضايا التحررية في المنطقة والعالم، وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني. لكن النفوذ السوفياتي في القيادة المشتركة، آنذاك، للحزب اللبناني والسوري، قد بات شديد التأثير عبر تسلط خالد بكداش على معظم القرار والتنظيم الحزبيين: بقوة كفاءته الشخصية وقوة النفوذ الروسي الذي بلغ ذروته بعد الانتصار على الفاشية والنازية. لقد تحوّل الموقف السوفياتي دفعة واحدة نحو تأييد قرار التقسيم بتأثير عوامل عدة منها النفوذ الصهيوني في أواسط أصحاب هذا القرار، ومنها التخاذل الرسمي العربي الذي بلغ حد الخيانة، ومنها الخطأ في تقدير مجريات الأحداث بشأن عدالة قضية الشعب الفلسطيني، من جهة، ومن جهة ثانية، خطر زرع الكيان الصهيوني أداة استعمارية في قلب المشرق العربي والمنطقة عموماً.

خالد بكداش

خالد بكداش

أشهر خالد بكداش سيف القمع في مواجهة من رأى فيه منافساً خطيراً. هو كان يترصده ويسعى للنيل منه. وجد الفرصة السانحة بذريعة التشكيك بولاء فرج الله الحلو للمركز السوفياتي الذي كان بكداش ابنه المدلل. كانت الأكثرية في القيادة المصغرة غير مؤيدة لبكداش. فرج الله ورشاد عيسى، القيادي الشيوعي السوري الكبير، كانا ضد قرار التقسيم. العضو الرابع في تلك القيادة نقولا شاوي ممثلاً، كما فرج الله، الشيوعيين اللبنانيين، اختار النأي بنفسه مراعاة لكل من الحلو وبكداش. ورغم ذلك فقد تمكّن بكداش من أن «يُكفّر» فرج وعيسى. حاصرهما، وخصوصاً فرج، بضراوة حقده المتراكم وتمكُّن نزعة السيطرة في نهجه وعلاقاته. رفض رشاد عيسى سياسة بكداش ومن وراءَه، واختار، مكرَهاً، الخروج، مفصولاً، من الحزب.

أما فرج الذي رُكِّب له ملف جوَّال استمر بالدوران، لإذلاله وإقصائه، في المنظمات الحزبية، طيلة 3 سنوات…فقد فضّل أن يعضّ على الجرح تفادياً لفصله من الحزب. كان هذا الاغتيال الأول، سياسياً، لفرج الذي عاد ووقع، بعد بضع سنوات، في قبضة مخابرات عبد الحميد السراج، بعد أن تمكّن منه، عبر خيانة بعض المقربين، في إحدى الشقق السرية في دمشق حيث ظل يتابع النشاط الحزبي وحيداً. غادر دمشق، هرباً أو حذراً، معظم قادة الحزب وأولهم الأمين العام خالد بكداش. اعتقل فرج مساء الخامس والعشرين واستُشهد بالتعذيب الوحشي الإرهابي بعد أقل من 24 ساعة من اعتقاله في 26/6/1959.

ماذا عن مساهمة فرج و«مدرسته» بشأن سياسات الحزب وصياغة علاقاته الداخلية؟

رغم إبعاده التعسفي عن القيادة وعمله في الترجمة، حافظ فرج الله الحلو على جوهر موقفه من القضايا القومية التحررية. هكذا، ما إن أعلنت دولة الوحدة، حتى بادر إلى كتابة افتتاحية في جريدة «النور» بعنوان «أهلاً بعبد الناصر في سوريا». أثار ذلك حنق خالد بكداش الذي أُرغم على إعادة فرج الله إلى دوره القيادي، بضغط الحزب والمهمات السياسية والشعبية، ومنها معركة خالد نفسه الانتخابية، حين ترشح نائباً عن دمشق وفاز بالمقعد بدعم كبير من فرج الله الحلو ونقولا شاوي اللذين توليا تنظيم حملاته الانتخابية وإدارتها وقيادتها. لكن بكداش ما لبث، دون قرار قيادي، أن أشهر معارضته للوحدة، واضعاً اشتراطات ظاهرها حق ومحتواها مواصلة سياسة تعتبر العناوين القومية جميعها شأناً بورجوازياً متعارضاً مع «الأممية» والاشتـراكية!

هذا الخلاف الجديد بشأن الوحدة، بعد قرار التقسيم، ثمرة تعارض نهجين مثّلهما كل من خالد بكداش وفرج الله الحلو. تناولنا في المقالة الأولى الموقف الاستقلالي لفرج حيال المركز الأممي الذي كان يمارس سياسة وضع اليد التنظيمية والوصاية السياسية على الأحزاب الشيوعية، وخصوصاً على قادتها أو معظمهم.

مثَّل خالد بكداش، بامتياز، نهجاً ستالينياً واستقوى به لقمع كل معارضة مهما صغُر شأنها. في المقابل، كافح فرج من أجل تكريس نهج مختلف سياسي وتنظيمي. شدَّد في الشق الأول على «نظرية التحرر الوطني» التي كانت تسم المرحلة التاريخية آنذاك. واستناداً إلى ذلك، كان موقفه من سلطة الانتداب ومن نضال الشعب الفلسطيني وحقوقه، ورفضه لقرار التقسيم.

في امتداد ذلك تبنى، في لبنان، شعارات أولوية الاستقلال والسيادة والتحرر من النفوذ الاستعماري والانخراط في مقاومة الانتداب الفرنسي في العهد «الفيشي» خصوصاً. وفي هذا السياق، ودفاعاً عن مطالب الفئات الشعبية وحقوقها، كانت برامج الحزب في الشأنين السياسي والاقتصادي. نذكر أن فؤاد الشمالي، «المؤسس العمالي» للحزب، كان أول من رفع شعار يوم عمل ثماني ساعات، وسعى إلى تأسيس النقابات المستقلة عن أرباب العمل. توجت هذه السياسة بنجاحات كبيرة بقيام حركة نقابية وطنية، كان أبرز قادتها النقابي الشيوعي مصطفى العريس.

تناول فرج في تقريره المذكور آنفاً (1943) المصدر الثاني لقوة الحزب، أي مسألة التنظيم وطابعه الأساسي: «فإذا كان الحزب الشيوعي ديمقراطياً في ميثاقه الوطني وأهدافه التحررية، فهو ديمقراطي أيضاً في داخله… إن وحدة الحزب لا يمكن أن تكون مضمونة إلا بالديمقراطية الداخلية الصحيحة». شدَّد، دون مواربة وكأنه يخاطب بكداش مباشرة وبحضوره، على أن الحزب «لا يقبل وجود (هيئة) أو (زعيم) فرد فوق قانون الحزب العام».

قدم مطالعة شاملة تدفع بمقولة «الديمقراطية المركزية» إلى أقصى ممكناتها الديموقراطية لجهة انتخاب الهيئات في كل المستويات، وصدور القرار عن هذه الهيئات الشرعية دون سواها، وممارسة رقابة متبادلة ما بين الهيئات القيادية والقاعدية، وممارسة النقد والنقد الذاتي بشكل حر بالاستناد إلى حق التعبير وحريته وواجب الاستماع الودي إلى الملاحظات المنطلقة، بدورها، من منطلق الحرص لا بغرض التعريض أو التحريض. وانتهى إلى «أن الديمقراطية الداخلية هي الشرط الأساسي لكي تنفذ الأقلية قرارات الأكثرية وتحول دون نشوء الفرق والتكتلات».

كرر فرج هنا مرة جديدة، بحضور بكداش أيضاً، أهمية التعامل مع الرفاق بتفهم ورفاقية بعيداً عن التوبيخ والفوقية… وكان قد أدلى بهذه الأفكار في اجتماع قيادي سوري لبناني في دمشق عام 1937 في تقرير شهير هو الآخر!

في السياق نفسه، كان فرج يشدِّد على التثقيف المستند، بالدرجة الأولى، إلى تطوير المعرفة بالنظرية العلمية وبالخطة الحزبية، مؤكداً أن «الشيوعيين لا يستطيعون أن يرفعوا مستواهم النظري والسياسي إذا لم يدرسوا أحوال وطنهم وتاريخ شعبهم… ويفهموا تاريخنا العربي وثقافتنا العربية»… ودافع فرج عن قيام جبهات وطنية لتحقيق الأهداف الكبيرة المرحلية ضد الاستعمار (الانتداب) وضد عملائه ومن أجل تحرير البلاد وإنجاز استقلالها وتطوير اقتصادها وتأمين حقوق شعبها السياسية والاجتماعية.

وألحّ دائماً على أن هذه الجبهة مصدر قوة للجميع، وتعبير عن سلامة التوجه، وعن ثقة الحزب بنفسه. ولقد أدى فرج، ممثلاً الحزب الشيوعي، ومستنداً إلى رصيد سياسي وشعبي، دوراً بارزاً في «المؤتمر الوطني اللبناني» الذي قاد، إلى حدٍّ كبير، معركة الاستقلال في عام 1943 إنجازاً واعتراضاً على محاولات باريس ولندن عرقلة تحقيق هذا الهدف المصيري وقمع رموزه وإرهاب مؤيديه.

لطالما شكل فرج الله ونقولا شاوي ثنائياً متعاوناً ومتكاملاً. معاً، ومع آخرين، نهضا بالحزب، فبلغت عضويته في مرحلة الاستقلال أكثر من 18 ألف عضو. حقق كل من القائدين إنجازات مرموقة في حقول السياسة والتنظيم. تحولا قائدين وطنيين شعبيين. دخلا السجون معاً، ومعاً خاضا الانتخابات في لوائح وتحالفات وطنية إلى جانب كبار القادة اللبنانيين. وشملت نجاحاتهما الخارج، وخصوصاً نقولا، الذي من موقعه الصحافي رئيساً لتحرير «صوت الشعب» (أهم الجرائد اللبنانية آنذاك)، شارك في مفاوضات الجلاء لعدة شهور بين باريس ولندن، لهذا استُقبل استقبال القادة الشعبيين الكبار عند عودته إلى لبنان: من الناقورة إلى طرابلس!

حاول بكداش أن يعوق هذا التعاون بين الثنائي. عطّل الهيئات الشرعية. أحلَّ في رئاسة الحزب اللبناني نقولا مكان فرج. لكن نقولا تابع سياسة فرج نفسها، ما دفع بكداش، لاحقاً، إلى إرساله إلى رومانيا مندوباً في مجلة «في سبيل سلم دائم»!

إن منع بروز قادة لبنانيين (وسوريين آخرين) كان همّاً دائماً عند بكداش، وشمل ذلك عشرات كبار المثقفين من لبنان، خصوصاً من أمثال رئيف خوري وسواه!

كان هاجس بكداش الدائم، السيطرة على الحزب الشيوعي السوري اللبناني الموحد. استقوى على ذلك بالدعم السوفياتي بالأممية وأولوياتها في دعم النظام السوفياتي على حساب الأهداف التحررية الوطنية والقومية. وحين كان نضال فرج وأسلوبه ومواقفه تتخذ المزيد من التأييد بما بات يعرف باسم «مدرسة فرج الله»، لم يكن بكداش يتردد في فرض نص في رسالة «سالم» الشهرية بنفسه (!) ينسب فيه إلى فرج تخليه عن هذه المدرسة!

محاولات الشيوعيين اللبنانيين المتكررة للإفلات من هيمنة بكداش وتسلطه وتعسفه بدأت منذ عام 1943، مع تبلور استقلال البلدين وإعلانه. تجددت بإنشاء رئيسين وقيادتين، وإعلان ذلك رسمياً عام 1959، قبيل استشهاد فرج. لكن محاولات الهيمنة استمرت حتى عام 1968 حين عقد المؤتمر الثاني التاريخي للحزب، الذي كان أبواه الفعليان، في التوجهات والبرامج والسلوك، فرج الله الحلو ونقولا شاوي. فضلُ فريق «الشباب» أنه واصل هذه المهمة. كرَّس أكثر مما ابتكر. جذور هذا المؤتمر في تقريري فرج الله لعامي 1937 و1943، وفي نشاط القائدين الكبيرين فرج الله ونقولا شاوي وتعاونهما!

“الاخبار”اللبنانية

طباعة