aren

“عودة المؤلف” … في زمن الفرجة المسرحية \\ بقلم : الدكتور خزعل الماجدي
السبت - 15 - ديسمبر - 2018

7340d715-269c-4093-b23e-f82e73c2642c

أطلق مصطلح (الكتابة المسرحية الجديدة ) على مجموعة النصوص ، التي ظهرت حوالي أواسط السبعينيات في مسرحنا العربيّ ، على يد الكتّاب الدراماتورجيين والمخرجين وحتى الممثلين ، والتي أزاحت شيئاً فشيئاً المؤلف المسرحي من المركز إلى الهامش ثم غيبته كليّاً ، وهي كتابات غير منظمة وغير منهجية ظهرت بدافع المغايرة ، وكانت تتردد فيها أصداء المابعديات ، التي نفرت من المركزية الحداثوية بشكل خاص .

وكان الباحث الفرنسي ميشال كورفان ، قد أطلق عليها إصطلاحاً رمزياً ، وأسماها ب“الشهب الاصطناعية” ، ليصف ماعرف في الفضاء الفرنسي والفرانكفوني ب(الكتابات المسرحية الجديدة )، وقد ترددت أمواج هذا المصطلح في عالمنا العربي ، وماحفزته الكتابة المسرحية الجديدة من شهوات الإرتجال والصدفة ورغبات العاملين المباشرين على خشبة المسرح ، وعلى رأسهم المخرج المسرحي ، في الهيمنة الكلية على العمل المسرحيّ تماشياً مع نقل الواقع لخشبة المسرح ، وتبني كلام العامة ، وحوشيات المشهد اليوميّ وسجالات الناس من جهة ، ثم التناغم مع سرديات مابعد الحداثة والعناية بالمؤثرات المسرحية ، وإحداث الصدمة والبهرجة التقنية والضوئية في العرض المسرحيّ من جهةٍ أخرى .

وقد أفضى كلّ هذا بنا إلى نمطين متلازمين من المسرح الجديد هما : المسرح الإحتفالي ، ومسرح الفرجة .

لسنا هنا بصدد تقييم هذين النوعين من المسرح ، فلاشك أن هذا الأمر يحتاج إلى وقفةٍ نقدية محاية وعميقة تشخّص منجزاتهما ومالهما وماعليهما .

لكننا سنحاول رصد أثر هذه التجربة على التأليف المسرحي الذي كان إلى وقت قريب أحد أهم أركان المسرح ، لكن الأمر لم يعد كذلك منذ ظهور الإحتفال والفرجة في المسرح ، لسبب بسيطٍ للغاية وهو أن هذين التيارين من المسرح استغنيا بشكل شبه كاملٍ عن المؤالف المسرحي لصالح ماعرف ب (الكتابات المسرحية الجديدة ) التي نوهنا عنها ، وقد هزّ هذا الأمر مكانة المؤلف المسرحي وأطاح بما كان يعرف ب(الأدب المسرحيّ ) ، و(نصّ المؤلف المسرحيّ).

سنعالج في هذه الورقة هذا الموضوع حصراً ، حيث قسّمنا ورقتنا إلى أربعة أقسام أساسية ، هي :

(1) كيف غاب المؤلف المسرحي ، ومن حلّ محلّه ؟

بعد انتشار تيارات البنيوية ومابعدها ، شاعت مقولة (رولان بارت ) التي أطلقها في كتابه (موت المؤلف ) عام 1968 ، ثم جاءت التفكيكية لتزيح المركز وتعتني بالهامش ، ثم جاء الميتامسرح الذي اهتم بالتمسرح المزدوج والميتانصّية ، ثم خيّم عصر مابعد الحداثة كاملاً بمقولاته الأنثربولوجية والمضادة للحداثة ومركزيتها ..

وكان لكل هذا صداه في العالم كلّه ، لكن عالمنا العربيّ أخذ شظايا هذه التيارات ومفاهيمها ، على عجلٍ، وأستعملها بطريقةٍ مغلوطةٍ وبنزعةٍ متطرفةٍ ، وفهمها ، كخلطةٍ واحدةٍ ، على أنها نهاية التأليف المسرحي وتهميش النصّ ، وسطوع دور المخرج مؤلفاً شاملاً للعمل المسرحي ونُظر له على أنه صانع السيناريو المسرحيّ الأخير ، ثم اتسع هذا الدور الجديدففتح أبوابه للدراماتورغيّ والتقنيّ والممثل وغيرهم .

بدأت الأمور بالتدريج .. فقد هوجمت ، أولاً، أدبية النصّ المسرحيّ وتعاليها اللغوي أو الفكريّ وعدم خضوعها لشروط الإخراجية والدراماتورغية المسرحية ، ثم هوجمت مركزية النصّ المسرحي على أنها مركزية كلاسيكية لاتنتمي للعصر الحديث ، ثم صرنا نشاهد أعمالاً مسرحية لمؤلفين قدماء أو جددٍ لكن أعمالهم كانت تتعرض لجراحات غريبةٍ  وعمليات مونتاج كثيرة خلف ستارة الرؤية الإخراجية ، ثم جرى الإستغناء عن النص المسرحي  والبدء بنواة حدوتة أو ثيمة معينة يتم تكبيرها وتطويرها دراماتورجياً كنصّ إخراجيّ ، ويتولى المخرج وضع ما أصبح يعرف ب (نصّ العرض) ، وهكذا تقوّض التأليف المسرحيّ الرصين وأصبحنا أمام هيولات وقصاصات تأليفية يضعها الجميع إلاً المؤلف المسرحيّ.

(2) التمرد على سلطة النصّ وإعلان الفرجة المسرحية

لم يعد الحديث حول الإبتعاد عن أدبية النص المسرحي كافياً بل تطرّف الأمر إلى تجاوز النص المسرحي كليّاً ، واللجوء إلى النصِّ الإخراجيّ الدراماتورغي بشكل خاص.

وهكذا قاد المسرحيون العمليون ثورة جذرية ضد المؤلف النظريّ !! ، فابتعد الكثير من صنّاع التأليف المسرحي ، أو تنازل بعضهم عن دوره المركزي بهامش ضعيف الحضور ، أو خضع البعض القليل لسلطة المخرج واندرج دوره كدراماتورغ حاضرٍ /غائب في العمل المسرحيّ.

كل هذا أدّى لصناعة الفرجة المسرحية التي كان يُنظر لها ، في البداية، كنمطٍ فولكلوريّ ، لكنها سرعان ماتصدرت المشهد الحداثيّ للمسرح العربيّ الحديث .

(3) صفات التوليف المسرحيّ الجديد

أصبح التوليف المسرحيّ بديلاً عن التأليف المسرحيّ ونتج عن هذا مايلي:

1- شيوع صناعة الفرجة المسرحية والنزعات الإحتفالية في المسرح العربي في صياغات حداثية مهذّبة ومرتبة تتناغم مع آخر صرعات المسرح في العالم .وتضمن هذاالانفتاح على كافة أشكال الفنون كالغناء والموسيقى والتشكيل والنحت والرقص والأزياء ، والإنفتاح التقني على مستجداته في هذا العصر .

2- الغلوّ والمبالغة في استعمال التقنيات المسرحية على حساب مضمون العمل المسرحيّ ، فدار المسرح في لُعبٍ شكلانيةٍ لانهاية لها .

3- أصبح الإعداد الدراماتورجي ، الذي يقوم به جميع كادر العمل ، هو أساس العمل المسرحيّ.

4- تحوير وتشذيب وطمس وتوليف وخلط النص ، أو النصوص ، المسرحية ببعضها ، من أجل صناعة نصٍّ دراماتورجيّ إخراجي ، بدا كما لو أنه كائن خلاسيّ غريب ومشوّه .أو كما لو هناك نوع من ترجمة النص الخاصة للمخرج على الخشبة ، فالمخرج يترجم النص من لغةٍ مكتوبةٍ إلى لغةٍ مكتوبةٍ أخرى بإسمه.

5- شحوب وتواري أسماء المؤلفين ، وسطوع بريق أسماء المخرجين كمؤلفين للأعمال المسرحية .

6- أصبح تداول الأعمال المسرحية وإنتاجها من خلال اللهجات المحكية ، بديلاً عن تأليفها باللغة العربية الفصحى.

7- لصق وجمع المشاهد الخاصة ببيئة العمل مع لقطات ومشاهدات مسرحية عالمية حديثة في هذا المجال .

8- صعود نبرة الحكي والبوح والإستعراض والمونولوغ .. وخفوت الصوت الداخليّ العميق .كان الحكيبوصلاته المبتورة ومترادفاته السردية التي تتداخل دون رابط متين . كل هذا خنق الصوت الدرامي الداخلي العميق للشخصيات .

9- خلط السياقات الجادة بالكوميديا والميلودراما وانتاج نوعٍ من الهياج المتطرف غير المبرر في كثير من الأحيان .

10- الإعتماد على التقاط الصُدف والنوادر والقفشات السريعة لحقن العمل بالتوتر المطلوب إدامته.وظهور العمل وكأنه دائرة سردية لابداية ولانهاية ولاذروة لها .

11- ظهور المؤلفين الدراماتورجيين وكأنهم : جامعو سرديات غير متجانسة ، أو محرضو تابوهات استفزازية ، أو صانعو كولاجات ملونة.

12- ترسيخ مايعرف بالنزعة الميتامسرحية .

13- تجاور التجنيس الدراميّ المعروف تقليديا بأنواعه التراجيدية والكوميدية ، وبتيارات الكلاسيكية والرومانسية والرمزية والعبثية والطليعية وغيرها .

14- إلغاء التراتب الزماني والمكاني .. والقفز بين الأزمنة دون حرجِ ودون مغزى ، والدخول في أمكنة مختلفة المعى دون مبررات مسوّغة وكافية .

15- ظهور ماأصبح يعرف بأشكالٍ مسرح الفرجة  مثل : مسرح الشارع ، مسرح الأطروحة، مسرح الحكواتي، مسرح الشمس ، مسرح المقهورين … إلخ.

(4) عودة المؤلف المسرحيّ

آن الأوان لعودة المؤلف والتأليف المسرحي بمواصفات جديدة تأخذ بنظر الإعتبار مايلي:

1- عدم الإستهانة بما حصل واعتباره حاجة كان لها ظروفها ومبرراتها ، وتخفيف غلوائها ، والإستفادة من نتائجها في تحريك الساكن المسرحيّ وتوليد مركّبات نوعية جديدة  تنفع كعناصر بنائية مع غيرها في ظهور علاقة جديدة بين المؤلف والعمل المسرحيّ .

2- العودة إلى النصّ المسرحيّ المكتوب بمواصفات جديدة تأخذ بنظر الإعتبار ماحصل والحاجات التي كان يجب توفرها في النصّ لكي  يكون نصّا مسرحياً فعّالاً ، متضامناً مع بقية أركان المسرح في الإخراج والسينوغرافيا والدراماتورج والتقنيات ..

3- إحداث تغييرٍ جديدٍ في تسب هذا المكونات التي ذكرناها مع مايتلائم مع الوضع الجديد الذي أحدثه ظهور الفرجة وصناعتها.

4- عدم التزمّت واللجوء لمركزية التأليف الصارمة بل جعله مثل سياقٍ عام ونصّ عام يجمع حوله ما يُعرف       ب(الأثر المفتوح) كما يسميه أمبرتو إيكو ، كأنواع تأويلية من العروض المسرحية المختلفة الألوان،والمشارب.

القيت في الندوة الفكرية لمهرجان أيام قرطاج المسرحية بدورته ال(20) ، ضمن المحور الثالث – تحت عنوان : ملامح الكتابة المسرحية اليوم..في تحولاتها ورهاناتها في الدرامي ومابعد الدرامي-

طباعة