aren

عن “عطية” الذي “خرج ولم يعد” \\ بقلم : أحمد اسماعيل
السبت - 16 - مارس - 2019

pwo3360

المخرج الراحل “محمد خان”

رائعة “محمد خان” ، التي أهداها لنا في العام ١٩٨٤، وأعتقد أن قراءة الفيلم من خلال عام إنتاجه ، له دلالة مهمة ، فالعام ٨٤ وما بعده ، هي الفترة التي ستشهد نضج ثمار سياسة الانفتاح الاقتصادي ، التي اعتنقها السادات، وباختصار شديد تحول النظام الاقتصادي المصري من الإنتاج إلى الاستيراد، فأهملت الدولة مصانعها، ورحبت بالسماسرة وأصحاب مكاتب الاستيراد والتصدير رجال الأعمال الجدد “القطط السمان”.

وتحوّل الجهاز الإداري إلى أداة سياسية ، تمتص غضب الشارع، فتضخم بشكل كبير عقب مظاهرات ١٩٧٧، أو انتفاضة الخبز، بعد أن أعلنت الحكومة رفع الدعم عن الخبز وسلع تموينية أخرى، كما استخدمه السادات لاحتواء شباب الجيش الذين أنهوا خدمتهم العسكرية ، التي امتدت في بعض الحالات إلى ٨ أو ٩ سنوات بسبب ظروف الحرب، بداية من نكسة ١٩٦٥ إلى أكتوبر ١٩٧٣. وسار مبارك على النهج نفسه ، خاصة في سنوات حكمه الأولى، الذي بدأ في العام ١٩٨١.

الدولة ، التي انسحبت من كل شيء، تركت فراغًا كبيرًا ، ملأه المال الجديد ، الذي حصل عليه حيتان الاستيراد، وازدهرت شبكة الترفيه (الكباريهات ومطربوها)، بفعل إقبال أثرياء الخليج، بعد طفرة أسعار النفط عقب حرب أكتوبر، إلى جانب الأثرياء الجدد من المصريين ، الذين استفادوا من “الانفتاح”.

وفي المقابل تدهورت أحوال العمال والموظفين، أو الطبقة الوسطى ككل، وهي الطبقة التي انتمى لها عطية (يحيى الفخراني) ، الذي يعمل موظفًا في أرشيف مصلحة حكومية، بعد أن فشل في تحقيق نتيجة جيدة في الثانوية العامة ، تضمن له الالتحاق بكلية الزراعة.

المقدمة الطويلة ، مهمة لفهم الثنائيات ، التي استخدمها خان في فيلمه، بداية من المدينة/ القرية، أغاني عدوية/ الكروان، الأبراج السكنية/ براح الطبيعة، زينات/ خوخة، كمال بيه/ عطية.

في بداية الفيلم ، يستيقظ عطية على صوت عمل ماكينة دق الخوازيق، ثم لا يجد الماء ليغسل وجهه. يعيش داخل بيت قديم متهالك ، مكون من ثلاثة طوابق، ويتوسط أبراجًا سكنية جديدة وخالية، ورغم خلو الأبراج من حوله يعجز عن شراء شقة، ليتم زواجه على (زينات) خطيبته منذ سبع سنوات.

زينات خطيبة عطية ، تعمل بائعة في مكتبة شرائط فيديو، والفيديو في ذلك الوقت ، كان حكرا على طبقة الأثرياء الجدد، وهي ابنة أسرة فقيرة ، تبحث عن زوج لتفلت من شبح العنوسة، فتميل بنظراتها لزميل خطيبها في العمل، ولضابط الشرطة في القسم الذي توجهت إليه ، للبحث عن اسم خطيبها في قائمة أسماء ضحايا العقار الذي انهار، وتحرص على وضع المكياج ، وارتداء ملابس ، توهم من لا يعرفها ، بأنها من أسرة غنية ، أو ليست فقيرة على الأقل.

وهي لا تهتم بتفاصيل خطيبها وتخدعه، تعزمه على الغداء ، وتقول له إن والدتها أعدت “الملوخية بالأرانب”، فيكتشف أنه تورط في أكلة “فتة عدس” وهي أكلة تعرف زينات أنه لا يحبها.

12405691591476457396

ليلى علوي ويحيى الفخراني في مشهد من فيلم “خرج ولم يعد”

وعندما تشترط والدة زينات على عطية ، شراء شقة ، لكي تسمح له برؤية ابنتها ، ولكي تستمر خطبتهما، يضطر للسفر إلى قريته “العزيزية” بين (بنها وطنطا) ، لبيع ثلاثة أفدنة اشتراهم والده الراحل الموظف ، الذي كان يحلم أن يصبح مديرًا عامًا ، في يوم من الأيام.

في الرحلة من القاهرة إلى العزيزية، تنتقل بنا الكاميرا من مشاهد الزحمة والضوضاء والعمارات ، التي تسد الأفق، إلى المساحات الخضراء التي صنعتها الأراضي الزراعية، ننتقل من خنقة المدينة، إلى براح الريف، وننتقل من أغاني القاهرة في الراديو أو الميكروباصات، إلى أغاني الفلاحين التي يدور معظمها حول مدح النبي في السيارة ، التي تقل عطية إلى وجهته.

بعد وصول عطية إلى العزيزية، وبعد أن قطع مسافة ١٢ كيلومترًا ، سيرًا على الأقدام (مفيش مواصلات لكل ١٠٠ متر زي المدينة) ، انهار بين يدي الحاج عوضين (توفيق الدقن) صديق والده، الذي استضافه في بيته المتواضع المبني بالطين، ثم اصطحبه إلى عزيز بيه كمال (فريد شوقي) ، الذي يملك عشرة أفدنة ، هي كل ما بقى من (ألف فدان) ، ورثها عن والده ، الذي تحمل القرية اسمه.

وكمال بيه وعطية نقيضان، الأول عاش حياته محاولًا الاستمتاع بكل الملذات، والثاني عاش ليخدم بحياته أحلام والده، وأسيرًا لوصية أمه التي حذرته من طمع زوجته المستقبلية فيه ، إذا عرفت أنه يملك أرضًا في البلد، بينما تمرد الأول على الصورة المثالية لأبناء الذوات ، وصار “خربان” ، صاحب سمعة سيئة حرمته من مصاهرة العائلات الكبيرة، واضطرته للزواج من ابنة خولي عزبته ، فإن الثاني حشر جسده المترهل الضخم في قمقم أحلام الآخرين.

ووجد كمال بيه في عطية (الابن) ، الذي لم يهبه له الله، والوريث الذي يؤتمن على ابنته البكر وشقيقاتها الخمس وأمهم ، إذا مات أو هدّه الزمن، ووجد فيه رفيقًا مناسبًا لدردشات تكسر رتابة الحياة في “الجنة” حيث الأكل والشرب “الخمر” والنساء “زوجته سنية”.

وبينما زينات وأمها ، يجلدان ظهره بالطلبات والضغوط، تفتح سنية وخوخة (ليلى علوي) ، كل الأبواب في وجهه ، ليدخل عش الزوجية، وبينما تتجاهل الأولتان مزاج معدته ، يحترم الأخريين ، اختياراته ، فترسل الأم ابنتها ، لتسأله “أمي بتقولك تحب تتغدى إيه؟”.

(خوخة) أرض بكر، وجنة لم تلوثها المدينة ، التي يكرهها (خان) ، ويكرهها كمال بيه، ولا يخلو الحديث عن القاهرة من سخرية سياسية مخفية في قول كمال بيه: التليفونات بس، ردًا على عطية ، الذي أخبره أنه فشل في الاتصال بالقاهرة ، لأن التليفونات “خربانة”.

وعطية يشبهنا، يشبه المصريين، عادي وغلبان وفقير و”أهبل” ، كما وصفه الحاج عوضين، راضٍ وقنوع، يقبل بالقليل ويتكيف مع أحلام المتاح ، التي تتناسب مع طول لحافه.

ويدغدغ خان عيوننا ، بجمال جنته “العزيزية”، ويبهرنا بأشجار الموز العملاقة، وبراح الأخضر وزرقة الأفق، وتسكرنا موسيقى كمال بكير بمعزوفة رائعة ، يبدأ فيها الفيلم بأداء جنائزي، ثم يستخدمها مرة أخرى في الريف ، وقد حرر قيودها ، لنشاهدها تتراقص ، وتتمايل طربًا.

وتبلغ فلسفة الفيلم ذروتها ، في حوار يدور بين عطية وخوخة ، في حضن بستان الموز، حيث يخبرها بأنه استعاد قوة بصره ، ولم يعد بحاجة للنظارة الطبية التي يرتديها، وكأن (آدم) استرد عافيته ، وبهاء شبابه ، بعد أن عاد إلى الجنة ، التي تركها من قبل ، أو طُرِد منها.

طباعة