aren

عن “النازحين الفنيين” السوريين إلى ستوديو مخيم لبنان \\ كتابة : جهاد الزين
السبت - 9 - يونيو - 2018

جهاد الزين

أعجبتُ دائما مثل الملايين في العالم العربي بما هو أكثر مما يُسمّى الدراما السورية. بالجيل الجديد (ولم يعد جديداً) والمخضرم. من الممثلين الذين ساهموا بشكل أساسي في هذه الدراما. هذا كلام عام يشمل العشرات من النساء والرجال، من أعمار مختلفة، ومنها “كتلة” من نجوم رائعين.

هؤلاء تخطوا ولا زالوا المستوى العام لأداء الممثلين اللبنانيين في الدراما اللبنانية التي لا تزال رغم كل شيء قاصرة أداءً وكتابةً عن المستوى السوري، إنها مسافة كبيرة بين المستويين أبعد بكثير من المسافة بين بيروت ودمشق. بيروت مرفأ الشام القريب لكن على ما يبدو في “الدراما” التلفزيونية، البساتين المجاورة للصحراء أغزر من الصنوبر المجاور للبحر حتى لو أضيف إليه النخيل. الأولى أكثر خصباً، الثانية أكثر انفتاحا.

دعوني لا أجامل. هؤلاء السوريون خريجو المعاهد المسرحية وخصوصا المعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا، ومعظمهم يعرف ويستوعب التراث المسرحي العالمي هم ممثلون أكفّاء وأقوى فنيا من الممثلين اللبنانيين الذين يتقنون لغاتٍ أجنبية لا يتقنها السوريون. سبق لي أن كتبتُ هذا الكلام وأكرره اليوم.

الفارق الآن ومنذ سنوات، حتى في المسلسلات المشتركة التي فرضها واقع من يمكن مجازاً تسميتهم “النازحين والنازحات” الفنيين السوريين إلى استوديوهات (مخيمات فنية) وطرقات وغابات لبنان، الفارق هو التالي:

الممثل – الممثلة السوري أكثر تأهيلا في الثقافة المهنية وأكثر إبداعاً تمثيليا.

الممثل والممثلة اللبناني مودرن أكثر.

هنا تنتصر الثقافة المهنيّة على “المودرنتي”.

الانضباطُ الأكاديمي المسرحي يتفوّق إبداعياً على الكفاءة “المرتَجلة”.

هذه مسألة مهمة تطرح في أحد وجوهها التباسات العلاقة بين البنية النخبوية اللبنانية والبنية النخبوية السورية في المجال الفني في بلد هو لبنان يضم أهم جامعتين في الشرق الأوسط هما الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية.

وإذ أحصر كلامي بالتلفزيون أسأل: لماذ الكاتب السوري، المخرج السوري، الممثل السوري، وهم جميعاً أقل حرية سياسية وربما اجتماعية ، طبيعيون حقيقيون، أعمقُ كوميديا ومأساويا، والكاتب اللبناني، المخرج اللبناني، الممثل اللبناني، وهم جميعاً الأكثر حرية سياسية، مفتعَلون فنياً؟ أتكلم بشكل عام والتعميم يظلم العديد من الممثلين والممثلات اللبنانيين الذين تطوروا كثيرا، وهو كذلك قد يطمس بعض الرداءات الأدائية السورية.

ملاحظة أخرى هي أن الأعمال المشتركة السورية اللبنانية والمصرية اللبنانية أدّت إلى بعض التطوير لكن غير الكافي في مستوى الممثلين اللبنانيين، ولا يمكن إلا الترحيب بالمزيد من الأعمال المشتركة على أمل أن يظهر لاحقا ولا بد أن يظهر تأثير هذا التشارك ذات يوم.

في هذا الانطباع الذي تراكم عندي كمشاهد لسنوات وتعزز ولم يتغير، دخلتُ إلى ليالي رمضان لأستمتع بالأداء السوري على أنواعه.

لم تُدرس بعد على أكثر من مستوى ظاهرة الجيل السوري (المتعدد الأعمار والمناطق والطوائف) والجيل المؤسِّس الذي سبقه والمستمر بعضه في العطاء والمواكبة في الدراما التلفزيونية. حجم التمويل، مصادره، المنابع الثقافية والاجتماعية، العقبات والمحفزات.

في لبنان بقي الجزء الأكبر من هذا الوسط مسيحيا رغم المشاركة الفاعلة لأسماء من بيئات مسلمة ودرزية، ربما بسبب، بل الأرجح بسبب، النزوع المحافظ والأصولي الذي طغى على البيئات المسلمة السنية والشيعية مما عرقل تطور الليبرالية الاجتماعية عند المسلمين.

وهذا مثلا لم يمنع استمرار الحضور القوي بل الأكثري للفنانين المنحدرين من جو اجتماعي مسلم في مصر. لست هنا في مجال تناول الحالة الفنية التلفزيونية المصرية ولكن يمكن الإشارة، وأظن أن ذلك له ربما صلة ما بموضوعنا، إلى أنه في “عصر النهضة” في أواخر القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين كانت نخب هذه النهضة مشكّلة في بلاد الشام من “غلبة” مسيحية (بمن فيها شوام مصر) وأقلية مسلمة، بينما في مصر كان الرموز المسلمون في الأدب والثقافة هم الأساس.

لا بد دائما من تفسير سياسي لأي ظاهرة. وفي ما يعنينا من ظاهرة الدراما السورية كان التفسير السائد والمتفق عليه منذ ما قبل الحرب السورية هو أن المسلسلات والأعمال التلفزيونية شكّلت المتنفّس النقدي شبه الوحيد في مجتمع الحزب الواحد.

لكن ربما هذا التفسير لم يعد كافيا وحده، أقصد على المستوى السياسي، دون ربطه بمآل تطور نخب الطبقة الوسطى السورية منذ الستينات إلى اليوم ومراقبة السلوك السياسي لأفراد القطاع الفني خلال الأزمة العاصفة التي مرت وتمر بها سوريا والذي بقي سلوكا غير منخرط في الحرب بشكل عام ولو كان عدم الانخراط في السياق السوري عنى موقفا قريبا أو متفهما للنظام الحاكم بالحد الأقصى وغير مسيس بالحد الأدنى.

أخيرا هذا الاقتراح: في التسعينات المنصرمة صدر في القاهرة تقرير سنوي لبضعة أعوام قليلة تحت إسم “الحالة الدينية في مصر” كان مميزا في تحديداته لكل أنواع الأنشطة التي يمكن إدراجها تحت خانة الأنشطة الدينية من جمعيات ونواد وأحزاب وشخصيات ونشرات مسلمة وقبطية وحتى تشكيلات غير معلنة. قام بإصدار التقرير مركز الدراسات الاستراتيجية في “الأهرام” وموّلته مؤسسة كونراد أديناور الألمانية.

الاقتراح هو لماذا لا يصدر تقرير تحت عنوان “الحالة الفنية في سوريا” يتناول الأشخاص والمؤسسات والنتاجات والتمويل وكل البنى المتصلة إذا لم يكن بشكل سنوي فكل بضع سنوات. ولن يعوز مشروعاً كهذا التمويلُ المناسب.

مارديني في مشهد من مسلسل “تانغو”

دانا مارديني :

بين الممثلات اللواتي برزن في هذا الموسم لَفَتَتْني أنا المشاهد العادي ظاهرة فنية إسمها دانا مارديني. هذه الصبية قدمت بعض المشاهد الرفيعة المستوى في “تانغو”، وأعني بالرفيع الانفعال الذي يحتلّك كمشاهد بطبيعيّته وواقعيّته وشفافيّته بالمعنى الهوليوودي الميريل ستريب (ي) والجين فوندا(وي)….. والروبرتو دي نيرو(ي)، ولمَ لا المصري العادلْ إمام(ي) واليسرا(وي) و..و.. و..

أنا مستعدٌ للتمسك بهذا الرأي حول أداء دانا مارديني لو تعلّق الأمر فقط بمشاهد بل بمشهد دام دقائق قليلة. كنت شاهدتُها في دور صبية مشردة قبل سنوات لكن كانت لا تزال تبني نفسها. أما اليوم فالأمر اختلف…

دانا مارديني: رائعٌ بكاؤك وانفعالك وصمتك ونظراتك. قصيدة واحدة تكفي ليكون الشاعر كبيرا. بل بيتٌ واحد. حوار واحد سريع ونظرة واحدة وصمت واحد يكفي ليكون الممثل شيئا من لورنس أوليفييه.

“النهار”

طباعة