aren

«شايلوك» يسرق أموال الفلسطينيين \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 16 - يناير - 2020

355

يسير معظم قادة الاحتلال في تعاملهم مع السلطة الفلسطينية على نهج المرابي اليهودي «شايلوك» في مسرحية «تاجر البندقية» لشكسبير. وبعد استقطاع الأرض الفلسطينية لأغراض الاستيطان ونهب الموارد الطبيعية واستغلالها لخدمة الاحتلال وصلت الأمور إلى المقاصة الضريبية.

على الرغم من أن الكثير من الخبراء يعدون «اتفاقية باريس الاقتصادية»، التي تشكل أساس التعامل الاقتصادي بين السلطة الفلسطينية وحكومة الاحتلال، ظالمة في أساسها، فإن قادة الاحتلال يتصرفون بأموال المقاصة الناجمة عنها وكأنها أملاكهم الخاصة. وسبق للحكومة «الإسرائيلية» أن قررت اقتطاع ما تعده ديوناً على السلطة لجهات صحية وخدماتية؛ بل واقتصادية؛ ولكنها مؤخراً بدأت في اقتطاع أموال المقاصة لأغراض سياسية.

وكان أول هذه الإجراءات الأخيرة اتخاذ قرار حكومي في ظل المنافسة الانتخابية؛ يقضي بحسم مبلغ يساوي ما تدفعه السلطة الفلسطينية لعائلات الأسرى والشهداء والجرحى من أموال المقاصة، وتحويله إلى صندوق خاص. وكان الكنيست الصهيوني قد سنّ قانوناً بهذا الشأن؛ لجعل اقتطاع هذه المبالغ من أموال المقاصة أمراً إلزامياً على الحكومات المتعاقبة.

السلطة ترفض

وفي شهر فبراير من العام الفائت نفذت حكومة نتنياهو قرار اقتطاع أول دفعة بمبلغ 500 مليون شيكل (تعادل تقريباً 150 مليون دولار). وأحدث ذلك أزمة مالية خطرة في السلطة الفلسطينية، هددت بانهيارها؛ بعد أن رفضت السلطة تلقي أموال المقاصة منقوصة. وكان واضحاً أن موقف الجانبين كان سياسياً أكثر منه مالياً في معركة لي ذراع متواصلة شكل الطرف الفلسطيني فيها الجانب الأضعف؛ إذ عادت السلطة إلى استلام أموال المقاصة منقوصة؛ بعد أن عمد الاحتلال إلى محاولة التعويض عن هذا المبلغ؛ عبر التنازل عن حصته من ضريبة الوقود.

وتوفرت للطرفين، عبر وساطات أجنبية، فرصة النزول عن أزمة المقاصة، وعاد الكيان ليدفع ملياري شيكل للسلطة حلت جانباً من أزمة الرواتب المتراكمة.

التغول على أموال الفلسطينيين

ولكن هذا النزول عن الشجرة لم يوفر حلاً جوهرياً لمسألة التعدي الواضح على الحقوق المالية الفلسطينية. فللكيان والسلطة الفلسطينية، ضمن اتفاقات أوسلو السياسية وباريس الاقتصادية، غلاف جمركي واحد تتحكم فيه الدولة العبرية بالمنافذ الحدودية (البرية والبحرية والجوية). وبهذه الصفة فإنها تجبي الجمارك عن كل البضائع التي تدخل إلى مناطق السلطة الفلسطينية التي يعيش فيها أكثر من خمسة ملايين نسمة. ويحصل الاحتلال، بموجب الاتفاقات، على نسبة من أموال هذه الجمارك مقابل خدمة الجباية على أن يدفع المبلغ المجبي لخزينة السلطة الفلسطينية.

قرصنة مالية

وقد صادق المجلس الوزاري «الإسرائيلي» المصغر على قرار وزير الحرب، نفتالي بينت، باقتطاع مبلغ 150 مليون شيكل جديد من أموال المقاصة ضمن تنفيذ قانون «مكافحة الإرهاب». ويعني هذا القرار استمرار حكومة نتنياهو في اقتطاع مبالغ من أموال المقاصة لمصلحة من تعدهم «ضحايا الإرهاب الفلسطيني». وخلافاً للمرة السابقة عندما اقتطع المبلغ الأول لم تتخذ السلطة الفلسطينية إجراءات ضد الخطوة الجديدة. وفقط أعلن وزير الشؤون المدنية الفلسطينية، حسين الشيخ أن السلطة تعد الإجراء الصهيوني «قرصنة» واضحة.

معاقبة الأسرى

غير أن قرار حكومة نتنياهو الأخير باقتطاع مبالغ من أموال المقاصة ليس الخطوة الوحيدة التي يلجأ إليها الكيان؛ إذ وقع وزير الحرب، بينت، مؤخراً أيضاً أمراً إدارياً بالحجز على حسابات بنكية لأسرى فلسطينيين وعائلاتهم من أراضي 48. وقد أراد بذلك نقل تنفيذ قانون معاقبة السلطة من مستواه العام إلى المستوى الشخصي. ويطال الإجراء الجديد حالياً ثمانية أسرى؛ لكنه مرشح قريباً لأن يطال كل أسرى الداخل الفلسطيني وعائلاتهم.

فقد بدأت المحاكم «الإسرائيلية» بإصدار أحكام باقتطاع مبالغ من أموال المقاصة أو من عائلات أفراد فلسطينيين نفذوا عمليات ضد الاحتلال. وقد حكمت محكمة صهيونية لمستوطنة بمبلغ 100 ألف شيكل تم اقتطاعها فعلياً من أموال المقاصة. كما حكمت محكمة أخرى لعائلة مستوطن قتل قبل 16 عاماً بستة ملايين شيكل تم اقتطاعها أيضاً من أموال الضرائب الفلسطينية.

وفي كل حال من الضروري الإشارة إلى أن التلاعب الشيلوكي بأموال الفلسطينيين يرمي إلى الإبقاء عليهم في مربع محدد لا يخرجون منه. وبحسب خبراء اقتصاديين، فإن الإجراءات «الإسرائيلية» العقابية لا تطال حتى الآن أكثر من 7 في المئة من أموال المقاصة التي تشكل المصدر الرئيسي لتمويل السلطة الفلسطينية، بعد تراجع المعونات الأجنبية. ولكن إذا تم جمع هذه النسبة مع ما تقتطعه اعتباطاً سلطة الاحتلال من بدل خدمات كهربائية ومائية وصحية فإن النسبة تزداد لتصل إلى حدود مقلقة تتجاوز المليار ونصف المليار شيكل سنوياً. وهذه النسبة مرشحة للازدياد خصوصاً في ظل التنافس اليميني على اقتطاع المزيد من لحم الفلسطينيين الحي وأموالهم.

وحول الرأي السائد حالياً في الأوساط الفلسطينية، فإن الاقتطاعات الجديدة لن تقود إلى أزمة جديدة كالتي عاشتها السلطة الفلسطينية عند بدء أزمة المقاصة؛ حيث إن رواتب الموظفين العموميين لن تتأثر، كما يبدو حتى الآن. ولكن الخطر في الأمر أن الكيان لم يعد يجد رادعاً له في خطواته ضد الفلسطينيين.

وحتى تهديد السلطة الفلسطينية باللجوء لمحكمة العدل الدولية لم يمنع وزير الحرب من مواصلة قراراته باقتطاع المزيد من أموال المقاصة. وهذا يعني أن وتيرة الاقتطاعات سوف تزداد في المرحلة القريبة، خصوصاً وأن الكيان يشهد معركة انتخابية حامية الوطيس لا يشبع فيها زعماء الأحزاب الشيلوكية من نهش لحم الفلسطينيين. ومن المؤكد أن استمرار الانقسام الفلسطيني؛ يجعل مبدأ «فرق تسد» هو السائد في تعاطي الاحتلال ما يلحق مزيداً من الضرر بالقضية الفلسطينية وأهلها.

“الخليج”الاماراتية

طباعة