aren

سورية في حالة حرب : كيف ستصنع مغادرة القوات الأمريكية “شرقا متوحشا”؟ \\ بقلم : نيكولاس بلانفورد
السبت - 5 - يناير - 2019

1226-DDP-SYRIAPOWER

وزراء الخارجية ، التركي جاويش أغلو ، الروسي لافروف ، والايراني ظريف في مصافحة بعد مؤتمر صحفي – (أرشيف)

التجدد – قسم الترجمة الخاصة

الحرب الأهلية السورية مدمرة بشكل خاص، كيف يمكن أن يشكل وجود عسكري أميركي على الأرض بالحد الأدنى عامل استقرار؟ قائمة الفاعلين المحليين، والإقليميين والعالميين المتأثرين بالانسحاب الأميركي من سورية طويلة.

يمكن أن يخلف قيام الرئيس الأميركي دونالد (ترمب) ، بسحب القوات الأمريكية من الثلث الشرقي في  سورية ، ساحة صراع مفتوحة للعديد من القوى المتنافسة ، وأن يؤذن بفتح فصل جديد في الحرب الأهلية السورية الدموية (فقط) ، بينما كانت هذه الحرب تشرع في الخفوت.

ينتشر نحو (2.200) من جنود القوات الخاصة الأمريكية في المنطقة الواسعة الواقعة إلى الشرق من نهر الفرات ، حيث يقدمون الدعم والتدريب لقوات سورية الديمقراطية، وهي الميليشيا المحلية المكونة من المقاتلين العرب والأكراد، والتي لعبت دورا بارزا في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية \ “داعش”.

أعلن الرئيس ترمب ، الانتصار على “داعش” ، باعتباره سبب سحب قواته من سورية ، لكن العديد من المحللين ، يحذرون من أن الجماعة الإرهابية المتطرفة ، يمكن أن ترتد عائدة لتشغل الفراغ الناجم عن مغادرة الولايات المتحدة . كما خدم وجود القوات الأمريكية أيضا ، كحاجز أمام الجهات الأخرى ، التي ربما تسعى إلى كسب النفوذ ، أو السيطرة على المنطقة.

وتشمل هذه الجهات كلا من الرئيس السوري بشار الأسد ، الذي أعلن كل الوقت ، نيته استعادة السيطرة الكاملة على البلد ، وتركيا، التي تنظر إلى وحدات حماية الشعب، العنصر الكردي في قوات سورية الديمقراطية، كمنظمة إرهابية، وتهدد بغزو شمال شرق سورية لسحق هذه القوات.

ثم هناك إيران، التي ترسخ نفسهاعسكريا بثبات في سورية ، نتيجة للدور الرئيسي الذي لعبته في المساعدة لإنقاذ نظام الأسد.

وتنطوي مغادرة الولايات المتحدة من شرق سورية ، على احتمال تسهيل الجهود ، لتطوير طرق إمداد برية بين إيران ، وحليفها “حزب الله” في لبنان.

مع ذلك ، وفي حين أن الأطراف كافة ، تدرس تداعيات قرار ترمب ، وتقوم بتقييم مسارات العمل ، فإن الكثير سيعتمد على طبيعة الانسحاب الأميركي ، واحتمالات الدعم المستقبلي لقوات سورية الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية، والتي حملت الجزء الأكبر من عبء القتال ضد “داعش” في سورية.

يقول فريدريك سي. (هوف) ، الزميل الرفيع غير المقيم في “مجلس الأطلسي” ، والمبعوث السابق إلى المعارضة السورية في عهد إدارة أوباما : “سوف يعتمد ما يفعله الأكراد – كما أعتقد – على مدى الدقة التي سيجري بها تطبيق قرار الرئيس ترمب.

هل سيرقى هذا ببساطة إلى إزالة القوات البرية الأمريكية من شرق سورية ؟ هل ستتواصل الحرب الجوية ضد بقايا ‘داعش’ دعما لعمليات وحدات حماية الشعب البرية ضد التنظيم ؟ هل سيوصل الجيش الأميركي إلى نظرائه الروس ، أن منطقة شرق الفرات ، ستبقى خط “ممنوع العبور” ، خاضعة لقواعد خفض احتمال الاشتباك؟ هل ستثني الولايات المتحدة تركيا عن غزو شمال شرق سورية؟”.

خيارات تركية ؟

يبدو ، أن هذه الأسئلة تخضع لمناقشة في داخل الإدارة على ضوء قرار ترمب ، ويقال إن وزارة الدفاع الأمريكية ، تدرس احتمال استخدام العراق ، كقاعدة لمواصلة العمليات ، مثل الضربات الجوية ، وغارات القوات الخاصة ، ضد “داعش” في سورية.

يقول السيد هوف: “لكن إحساسي، مع ذلك، هو أنه لا يوجد الكثير من الوقت لاتخاذ القرار ، ومالم نستطع التوصل إلى بعض التفاهمات المحددة مع الأكراد، والتي ربما تخفف من آثار إعلان الرئيس ترمب ، فإنهم سيتخلون عن القتال ضد ‘داعش’ على الأرجح، ويعززون أنفسهم في الشمال الشرقي ، ويتواصلون مع نظام (الأسد) والروس من أجل التوصل إلى ترتيب تعاوني”.

كانت المؤشرات على مثل هذا التوجه الكردي واضحة (يوم الجمعة ) قبل الماضية ، حيث قالت سورية أن قواتها دخلت “منبج” ، البلدة الشمالية ، التي يقال : إن القوات الخاصة الأمريكية ما تزال تقوم بدوريات فيها، ولو أن محطة “سي. إن. إن” ، نقلت عن مسؤول أميركي – لم تذكر اسمه – قوله : ” إن ذلك الزعم السوري ، كان سابقا لأوانه”.

حذرت قوات سورية الديمقراطية من أن انسحابا أميركا ، يمكن أن يفضي إلى إعادة انبعاث لتنظيم “داعش”، ونقض المكاسب التي تحققت خلال ال(ثمانية عشر) شهرا الماضية ، والتي تقلص فيها وجود دولة خلافة المجموعة المعلنة ذاتيا ، والتي امتدت ذات مرة عبر الحدود السورية العراقية ، إلى بضعة مواقع معزولة في صحراء شرق سورية ، وقراها على طول نهر الفرات.

لكن العنوان الذي يطغى على احتمال انبعاث “داعش” ، هو احتمال حدوث غزو عسكري تركي لشمال شرق سورية ، الذي تقطنه أغلبيات كردية ، بهدف محاربة وحدات حماية الشعب المرتبطة بحزب العمال الكردستاني ، الذي تصنفه أنقرة منظمة إرهابية.

وقد حذر الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، من هجوم وشيك، وكان ينظر إلى الوجود الأميركي في المنطقة على أنه يشكل عائقا أمام تنفيذ خططه ، وفي أعقاب إعلان ترمب عن الانسحاب الأمريكي بتغريدة على تويتر ، بعد وقت قصير من محادثة هاتفية أجراها مع الرئيس التركي ، قال الرئيس إردوغان إن الهجوم المخطط له سوف يؤجل ، لكنه أضاف : “ليست هذه عملية انتظار مفتوحة النهاية”.

وقال إردوغان لقادة الأعمال في إسطنبول: “على الأرض في سورية، سوف نتبع أسلوب التوغل الذي سيقضي على كل من العناصر (الكردية) وبقايا “داعش” معا.

مخاوف (اردوغان) المحلية

مع ذلك، ربما لا ينبع قرار غزو شمال سورية من التهديد ، الذي تشكله وحدات حماية الشعب الكردية على تركيا ، بقدر ما ينبع من مخاوف سياسية محلية ، يواجهها إردوغان في الفترة التي تسبق إجراء الانتخابات البلدية في شهر آذار (مارس) 2019 – كما يقول محللون-

يقول آيكان (إرديمير)، الزميل الرفيع بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن ، والعضو السابق في البرلمان التركي : “يبدو أن استخدام نهج ‘أثر الالتفاف حول العلم’… هو أمله الوحيد لكسب الأصوات.

لقد أوضح حلفاء (إردوغان) من القوميين المتطرفين مسبقا ، أنهم يريدون المضي قدما في شن عمليات عسكرية واسعة النطاق في شمال سورية. وإردوغان، اليائس لدعم القوميين المتطرفين، ليس في وضع يؤهله لمخالفة إرادتهم”.

يبقى أن نرى ما إذا كانت إدارة ترمب ، ستتدخل لحماية حلفائها السابقين الأكراد من هجوم تركي محتمل ، ولكن ، كما يضيف السيد إرديمير: “سوف تتغلب غرائز إردوغان للبقاء السياسي في الوطن على أي عرض يمكن أن تقدمه واشنطن”.

ربما يجد الأكراد العالقون بين احتمال إعادة انبعاث “داعش” وبين مواجهة غزو تركي، أن أملهم الوحيد يكمن في التوصل إلى شكل من أشكال التسوية مع نظام (الأسد) و(الروس)، القوة الخارجية الرئيسية في البلد.

وفي حال استعادت دمشق ، سيطرتها على شرق سورية ، ربما مع منح بعض الحكم الذاتي للأكراد بمباركة روسية ، فإنها ربما تثبط حماس إردوغان ، للقيام بغزو.

يضيف السيد إرديمير: “سوف يفضل إردوغان الآن حكم الأسد المباشر في شرق سورية على حكم (الأكراد) أنفسهم . وكان إردوغان قد تخلى منذ وقت طويل عن هدفه المتعلق ، بتغيير النظام في سورية ، وأصبحت الفكرة القاتلة المتمثلة في تحقيق استقلال كردي عبر الحدود التركية هدفاً رئيسياً له”.

ايران ترى مؤامرة أمريكية

لهذا السبب ينظر البعض في إيران بعين الشك إلى دوافع ترمب لسحب قواته ، وبينما البعض في إيران يرون هذا ، كجزء من مسعى ترمب لإعادة انتخابه ، فإن “وجهات نظر إيرانية أخرى – والتي يرجح أن كثيرين في المراتب العليا من النظام يتقاسمونها- لا تنظر إلى قرار ترامب على أنه قرار عاطفي ومفاجئ، وإنما كخطوة شريرة محسوبة”، كما يقول أليكس (فاتانكا) ، الزميل الرفيع وخبير الشأن الإيراني في “معهد الشرق الأوسط” في واشنطن.

ويضيف السيد فاتانكا: “يعتقد هؤلاء المراقبون أن ترمب ينسحب من سورية كجزء من خطة لكسر التحالف الإيراني- التركي- الروسي عن طريق سحب تركيا إلى خارجه بوعد منح أنقره الحرية في الانقضاض على الأكراد السوريين.

وحسب هذه الرؤية، فإن قرار الانسحاب من سورية ، ليس قرار ترمب فحسب، وإنما مؤامرة أمريكية تهدف إلى إطالة أمد الحرب السورية، وحرمان إيران وروسيا والأسد من فرصة حل الصراع سياسياً”.

مع حليفها اللبناني (حزب الله) ، والميليشات الشيعية المرتبطة بها من العراق وأفغانستان ، لعبت إيران دورا محوريا في حماية نظام الأسد ، والآن، أصبحت بصدد تكريس وجود عسكري إيراني منفصل ، لكنه ربما يكون قويا ، في أجزاء من غرب سورية، والذي يجلبها أقرب إلى حزب الله ، وإسرائيل.

ومن جانبه، قام حزب الله، الذي كان قد نشر في ذروة الحرب ما بين (5.000 و10.000 ) مقاتل في سورية، بإعادة معظم كوارده إلى لبنان، حيث حوله كامل انتباههم مجددا إلى إسرائيل ، وكانت التوترات بين إسرائيل وحزب الله في تصاعد خلال الفترة الأخيرة ، فيما يعود في جزء منه إلى اكتشاف إسرائيل أنفاقا هجومية عابرة للحدود من لبنان ، والتي يزعم أن المجموعة المدعومة من إيران ، هي التي حفرتها، بالإضافة إلى جهود حزب الله المستمرة ، لتحسين دقة إصابة ترسانته الكبيرة من الصواريخ الموجهة.

عين اسرائيل تراقب ايران بيقظة

بعد إعلان ترمب، توقع وزير العدل الإسرائيلي، أيليت (شاكيد)، وهو متشدد في حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الائتلافية، أن حزب الله ، ربما سيتلقى المزيد من الأسلحة الإيرانية مع انسحاب القوات الأميركية من شرق سورية.

لكن الوجود الأميركي في سورية ، لم يكن حاجزا لا يمكن تخطيه أمام قوافل الأسلحة الإيرانية ، التي تشق طريقها غربا عبر صحارى العراق وسورية ، وتغلق القوات الأميركية المنتشرة حاليا في معبر التنف الحدودي بالقرب من الأردن بفعالية ، الطريق الأقصر عبر وسط العراق إلى دمشق.

لكن ثمة خيارا آخر – ولو أنه أكثر التفافا- هو الطريق ، الذي يعبر الحدود أبعد كثيرا إلى الشمال الشرقي، ويمر على طول الجانب الغربي من نهر الفرات، ثم ينعطف باتجاه دمشق عند دير الزور.

مع ذلك، أشارت إسرائيل إلى أنها سوف تدمر شحنات الأسلحة الإيرانية المتجهة إلى حزب الله، بغض النظر عما إذا كانت تنقل عبر سورية عن طريق البر أو الجو ، وقال نتنياهو بعد تغريدة ترمب عن الانسحاب : ان مغادرة القوات الأمريكية من شرق سورية ، لن تغير السياسة الإسرائيلية.

وقال في حفل تخريج دفعة من القوات الجوية الإسرائيلية: “حماية وطننا تبدأ باجتثاث التهديدات الكبيرة في مهدها. لن نقبل بالترسخ الإيراني في سورية، الذي يهدف إلى إلحاق الأذى بنا، ونحن نعمل للقضاء عليه”. الانسحاب الأمريكي “ لا يغير سياستنا، وستبقى خطوطنا الحمراء كما هي ، في سورية وفي كل مكان آخر”.

تحدث نتنياهو بعد ساعات من ورود الأخبار عن ضربات جوية عديدة ، شنتها القوات الإسرائيلية (ليلة الاثنين) ضد قواعد عسكرية سورية حول دمشق.

وكان هذا أول هجوم إسرائيلي كبير ، يشن في سورية منذ أواسط شهر أيلول (سبتمبر)، عندما أفضت غارة على مرافق للصواريخ بالقرب من اللاذقية في شمال غرب سورية ، إلى إسقاط نظام دفاع جوي سوري طائرة مراقبة روسية.

وفي ذلك الحين، ألقت روسيا باللوم على إسرائيل ، ووصفت عملها بأنه “تصرفات غير مسؤولة” ، وبعد الغارات الأخيرة، وبخت روسيا إسرائيل مرة أخرى ، وقالت إن عملياتها هددت سلامة طائرتين مدنيتين كانتا تعبران المنطقة.

ومع ذلك، تبقى مصالح إيران في شرق سورية – على النقيض من مصالح نظام الأسد وتركيا- محدودة، وربما تقتصر على تأمين ممر بري لشحنات الأسلحة ، وتحقيق فوائد اقتصادية من حقول النفط والغاز إلى الشرق من الفرات.

يقول السيد فاتانكا من معهد الشرق الأوسط: “لا أستطيع أن أرى الإيرانيين وهم يستثمرون الكثير في هذا المشروع (في شرق سورية) في الوقت الراهن، بالنظر إلى الوضع على الجبهة الداخلية وبالنظر إلى أنهم ساعدوا مسبقاً في ضمان بقاء الأسد. يمكن أن أراهن على أن الإيرانيين سيكونون حذرين إزاء تورطهم في شرق سورية. إنهم لا يمتلكون قضية استراتيجية حقيقية ليغامروا من أجلها كثيراً هناك”.

المصدر– (كرستيان سيانس مونيتور) 28/12/2018

الكاتب ، هو مراسل الصحيفة بالشرق الاوسط – (بيروت ، لبنان ) . يكتب عن الشرق الأوسط  ومناطق أخرى ، منذ عام 2002 ، يقيم في في بيروت (1994 وحتى اليوم ) – هو متزوج ، ولديه طفلان

https://www.csmonitor.com/World/Middle-East/2018/1228/Syria-at-war-How-departure-of-US-forces-opens-up-a-Wild-East

طباعة