aren

سورية الى أين ؟ \\ كتابة : د. مصطفى الفقي
الثلاثاء - 29 - يناير - 2019

طالعت منذ أيام قليلة مقالًا لأستاذ أساتذة العلوم السياسية، الوزير العميد علي الدين هلال، حول الوضع في سوريا والموقف العربي من تطوراتها وإمكانية عودتها إلى مقعدها في الجامعة العربية، وأسجل هنا صراحة أنني كنت من أكثر الناس استياء عندما تقرر تجميد عضوية سوريا في الجامعة، لأسباب كثيرة أولها أن سوريا تاريخياً هي رائدة الفكرة القومية، وداعية العمل العربي المشترك، وبشّرت دائماً بالتوجهات الوحدوية عبر تاريخها الطويل.

وثانيها أن دمشق هي أقدم مدن المنطقة فهي أيضاً كما قال أمير الشعراء: «عز الشرق أوله دمشق»، كما أن سوريا لها خصوصية في التاريخ المصري الحديث على المستويين السياسي والثقافي، فالسوريون في بلادهم وفي المهجر كانوا دعاة الوحدة السياسية، وكانوا أيضاً رواد التعاون الثقافي مع مصر في مجالات الصحافة والأدب والفن، غناء ومسرحاً وسينما.

وقد وجد السوريون في القرنين التاسع عشر والعشرين في مصر ملاذاً آمناً لهم ولإبداعاتهم في المجالات المختلفة. ولأن مصر دولة بلا عقد ولا حساسيات؛ فإنها رحبت بذلك وفتحت أبوابها بلا تردد، حتى إن كثيراً من المصريين لا يعنيهم إن كان فريد الأطرش وفايزة أحمد وصباح، وعشرات غيرهم، فنانون «شوام»؛ لأن مصر تتسع للجميع. وفي السنوات الأخيرة بعد وقوع المأساة السورية وخروج أبناء ذلك البلد العربي الأبي، الذي كان يأوي اللاجئين، أصبح جزء كبير من شعبه لاجئين.

والعظيم في مصر أنها استقبلت من وفد إليها من ذلك القطر العربي الشقيق كمواطنين مصريين تماماً، ليست لهم معسكرات خاصة أو مخيمات معزولة؛ بل مصر مفتوحة الذراعين لهم من دون قيد أو شرط، فأصبحت لهم مطاعمهم ومخابزهم ومقاهيهم، وكلها مراكز جذب لإخوتهم المصريين بلا تحفظ أو تردد أو تمييز.

أعود الآن إلى قصة هذا البلد الجريح مع أمة أطلقت سهامها عليه بدعوى اختلافهم مع الحاكم في دمشق، بينما الأمر يرتبط أصلاً بالشعب السوري حاضره ومستقبله؛ آماله وآلامه، تماسكه ووحدته. ولقد غاب عن كثيرين أن سقوط سوريا لابد أن يؤثر على العرب في كل مكان، ولقد أصبح من المؤسف بل والمخجل لنا كعرب أن مصير سوريا يبدو معلقاً بقرارات إيرانية روسية تركية، ومواقف متغيرة من الولايات المتحدة والدول الغربية الكبرى، بينما نكتفي نحن بدور المتفرج ونتباكى على الشعب السوري بدموع التماسيح، من دون أن نقدم للقضية ما يمكن أن يدفع بالحل ويوقف معاناة ذلك الشعب العربي الأبي، ولعلي أدفع هنا بالملاحظات التالية:

أولاً: إن الخلط بين سلامة واستقرار سوريا في جانب، والموقف من الرئيس بشار الأسد في الجانب الآخر، هو تصرف يخالف الحقيقة ولا يخدم مستقبل الأزمة؛ بل هو نوع من تكريس الخلاف وتوسيع الهوة، وتشديد حدة العداء بين الأطراف المتصارعة فوق الأراضي السورية.

ثانياً: إن مصر يجب أن تعتز بأن موقفها من المحنة السورية كان شريفاً دائماً، فلقد رفضت مصر توظيف المأساة لصالحها؛ بل ووقفت داعمة كل محاولات التسوية، حتى إن المندوب المصري في مجلس الأمن وافق على قرارين مختلفين في يوم واحد، وقد كان أحدهما قراراً فرنسياً، والآخر روسياً، وكان سبب قبول مصر للقرارين هو وجود عامل مشترك بينهما، وهو السعي إلى رفع المعاناة عن الشعب السوري الذي ضحى كثيراً، وقاوم طويلاً، وكنت أتصور أن تحتضن الأمة العربية شعبها السوري في تلك الظروف المأساوية الصعبة، لا أن تتركه فريسة للتدخلات الأجنبية والهجمات الإرهابية.

ثالثاً: أظن أنه عندما يتعرض بلد عربي لظروف استثنائية، فإنه يجب علينا أن نحتويه لا أن نعزله. والذي حدث بالنسبة للمحنة السورية، هو أننا ابتعدنا عن دمشق واكتفينا بالمواقف المتشددة، من دون دراسة متأنية للفاتورة التي يدفعها الشعب السوري بعد ذلك. وكان من نتيجة إقصاء سوريا من الجامعة العربية وقطع العلاقات الدبلوماسية معها، أن ارتمت في أحضان إيران، وكأننا قدمنا بذلك خدمة كبيرة لطهران وحلفائها في المنطقة.

رابعاً: لقد دعا الأخضر الإبراهيمي مجموعة من الدبلوماسيين والمفكريين المصريين عند بداية توليه لمنصبه مبعوثاً أممياً وعربياً للأزمة السورية، وكان ذلك في مسكنه بالزمالك، حيث حضر لفيف من المعنيين بالقضايا القومية، والأوضاع العربية، من بينهم وزراء سابقون للخارجية، وسفراء، ورجال إعلام وصحافة، وكان السؤال المطروح من طرف الدبلوماسي الجزائري المخضرم هو: ما هي نقطة البداية لتحركي في مواجهة هذه الأزمة؟

وتفاوتت إجابات الجميع من منطلقات مختلفة، ولكنني قلت له يومها، إن لاعبين جدداً في هذه الأزمة لم يظهروا بعد على السطح، وذكرت تحديداً روسيا الاتحادية واهتمامها المنتظر؛ بأن يكون لها دور في مستقبل سوريا. ولا زلت مؤمناً بأنها هي التي غيّرت موازين القوى حتى وصل الأمر إلى ما نحن عليه، بحيث يصبح كل من كانوا جزءاً من المشكلة، جزءاً من الحل أيضاً.

خامساً: إن العلاقات المصرية السورية ذات خصوصية تاريخية وبشرية، وهو ما يدفعنا إلى الرغبة في أن تتبنى مصر دوراً تمهيدياً في جامعة الدول العربية، أو بالتواصل المباشر مع النظام في دمشق، للوصول إلى بداية تحدد ملامح التسوية النهائية، حفاظاً على وحدة الأراضي السورية واستقرار ذلك البلد العربي المهم، ورفع المعاناة عن شعبه الشقيق.

هذه رؤية خاطفة لمشكلة طالت وأفرزت أشلاء ودماء وضحايا ولاجئين، وأصابت العمل العربي المشترك في مقتل، وسمحت لأطراف خارجية بأن تضع أقدامها في المنطقة، بعد أن كنا نتوهم أن ذلك لن يحدث من جديد.

“الخليج”

طباعة