aren

سوريا إلى أين؟! \\ كتابة : محمد بدر الدين زايد
الخميس - 24 - يناير - 2019

 

التصعيد الجديد في سوريا بالعملية العسكرية الجوية الإسرائيلية يشير إلى توقع المزيد من خلط الأوراق في المشهد السوري، وفي الواقع أن إحدى سمات هذه الأزمة في السنوات الأخيرة، أنه كلما بدت بوادر قدر من التهدئة تحول الأمر إلى مزيد من الالتباس والتعقد.

فمنذ أسابيع قليلة كان هناك قدر ملحوظ من الجمود النسبي إلا من تساؤل تجنب الجميع طرحه، وهو عدم التزام تركيا بتعهداتها بنزع سلاح الميلشيات الإرهابية في إدلب، وأظهرت موسكو صبرا ملحوظا على شريكتها في إدارة الأزمة، وفي عملية أستانة التي لم تسفر عن شيء محدد حتى الآن على صعيد تسوية حقيقية، في وسط هذا الجمود جاء التحرك الأمريكي بالإعلان عن انسحاب قواتها من سوريا لتنقلب المعادلات، ويبدأ تصعيد جديد.

وبالمناسبة هذه القوات الأمريكية كان الهدف الذي أعلن عند نشرها في شمال شرق سوريا بمعاونة القوات الكردية هو دعم الأخيرة في مكافحة داعش، في مناورة من أذكى مناورات السياسة الخارجية الأمريكية بعد تقلص دورها بسبب التدخل الروسي الكثيف في سوريا، واستبعاد واشنطن من عملية أدارة الأزمة السورية، فحولت واشنطن هذا الوجود العسكري المحدود، حوالي ألفين من القوات الخاصة إلى أداتها للفيتو على انفراد موسكو بالوضع السوري ، وليبدأ تعقد آخر وهو مسارعة تركيا في غزو عفرين السورية لما خشته من تمكين الأكراد من إقامة كيان ما مستقل.

وتوترت الأجواء التركية الأمريكية، ولولا تفاهمات إدلب بين الجانبين ثم مسألة خاشقجي لزاد تدهور الموقف الأمريكي التركي. جاء قرار الرئيس ترامب بسحب هذه القوات لتنقلب الدنيا من حلفائه وفي بلاده أساسا وداخل مؤسسات الدولة الأمريكية، ما أدى إلى استقالة وزير الدفاع ماتيس ثم إقالته قبل موعد تنفيذ الاستقالة لاستياء ترامب مما سببته الاستقالة من إحراج له، ثم بدأت حالة جديدة من الشد والجذب بين واشنطن وأنقرة حول حماية الأكراد الذين تركتهم واشنطن في العراء، وطبعا كانت إسرائيل قد أعربت عن عدم ارتياحها تجاه هذا القرار الأمريكي، واعتبرته كالعادة يصب في خانة إطلاق يد إيران في سوريا مع أنه لم يحدث أبدا أي مواجهة أمريكية إيرانية في سوريا عبر فترة هذه الأزمة والتدخلات كلها.

من هنا جاء التصعيد الإسرائيلي الجديد ليصب النار على الزيت ولتبدأ مرحلة المخاطر العالية بحق، ففي النهاية لا يمكن تصور هذا التواجد العسكري الكثيف بين الأعداء والمتنافسين لفترة طويلة دون حدوث مخاطرات عالية وانفلات لمستويات العنف، ومن ناحية أخرى تعود الأنباء عن تحرك فصائل متطرفة للسيطرة على مساحات واسعة من المناطق الريفية في حلب وإدلب وغيرهما.

هذا المشهد المعقد يحتاج الآن إلى البحث عن مخارج وتهدئات، قد يكون من بين مخارج الورطة الراهنة تراجع أو تأجيل واشنطن لتنفيذ قرارها، ويمكن أن تستند في  هذا إلى تداعيات العملية التي استهدفت عددا من جنودها وأطاحت بمصداقية ادعاء ترامب بأن مهمة القضاء على داعش قد انتهت، كما يمكن أن يتم الاحتواء بتراجع الأطراف إلى موسكو لتجرى ترتيبات تتضمن تطمينات للأطراف.

أما موسكو فتقف ساكنة تنتظر استنزاف كافة الأطراف وتستمتع بلجوئهم إليها خاصة الإقليميين فهي تقريبا الوحيدة التى تحتفظ بعلاقات جيدة مع الجميع خاصة إسرائيل، وفي لعبة هدوء الأعصاب المشكلة أن كل اللاعبين يتسمون ببردود أعصاب وتحكم عاليين بما في ذلك الحكم السوري ، ما يعنى أنه ليس هناك أفق واضح لوقف معاناة الشعب السوري الشقيق باستثناء الرهان الروسي.

مساعد وزير الخارجية المصري السابق

“المصري اليوم”

طباعة