aren

روكسي 1942 \\ بقلم : سامي مروان مبيّض
الجمعة - 5 - يونيو - 2020

من نتائج هذه الحرب ، إغلاق معظم دور السينما بدمشق ، وتحويل المتبقي منها إلى صالات عرض لأفلام بائسة من ستينيات القرن الماضي، لا يدخلها سوى السرسرية ، والعاطلون عن العمل. والإستثناء الوحيد ، هو “سينما شام سيتي” عند جسر فيكتوريا، التي حافظت على مستواها بالرغم من إغلاق مؤقت في سنوات الحرب الأولى.

لم تكن دور السينما كذلك طبعاً ، وكانت ذات يوم ، محجاً للمثقفين والعائلات السورية، يرتادها الناس بأبهى ملابسهم، فساتين السهرة الطويلة للنساء ، وبدلات داكنة اللون للرجال، دوماً مع الأولاد، لمشاهدة أحدث الأفلام العربية والأجنبية. كان الذهاب إلى السينما ، مشواراً ممتعاً وراقياً وعائلياً بإمتياز….، ووطنياً، حيث يفتتح كل عرض بعزف النشيد السوري.

ولكن الجيل الجديد…، جيل الحرب…قد لا يعرف هذا الشيء ، لأنه نشأ في مدينة مُنهكة ، دمرتها نيران الحرب والهموم الحياتية والإقتصادية، لذلك، أردت أن اذكرهم بحادثة جميلة ، مرّ عليها أكثر من سبعين سنة، حدثت ذات يوم في دمشق.

في 27 آذار 1942، افتتح الفيلم الأمريكي الشهير “ذهب مع الريح” في سينما “روكسي” بشارع بور سعيد، التي أصبح اسمها لاحقاً (سينما الأهرام). كان عرضاً مسائياً مخصصاً للنساء فقط، بدعوة من المدام “كوليه”، زوجة مدير المخابرات الفرنسية في سورية ولبنان. في أرشيف الخارجية الأمريكية ، تقرير كامل عن تفاعل الجمهور الدمشقي مع هذا الفيلم، الذي كان من بطولة النجم الامريكي (كلارك غيبل)، والممثلة الحسناء (فيفيان لي). قصة الفيلم كانت هادفه وجادة، تحكي مأساة الشعب الأمريكي خلال حربه الأهلية.

كانت الحرب العالمية الثانية في منتصفها يومئذ ، وقد القت بظلالها الثقيل على الأفلام الأمريكية ، التي تم منعها في ألمانيا وإيطاليا واليابان. أجبر أصحاب الشركة المنتجة على تكثيف حملتهم الإعلانية للترويج لهذا الفيلم، الذي كلف إنتاجه أربعة ملايين دولار في حينها. وكان الأطول في تاريخ هوليوود ، والأكثر تكلفة على الإطلاق.

وجدت الشركة فرصة ذهبية في صالات البلدان العربية، للتعويض عن السوق المفقود في أوروبا. في مصر وحدها ارتفعت مبيعات شباك التذاكر من 12 مليون تذكرة سنة 1938 إلى 42 مليون عام 1946. وفي بقية البلاد العربية ، كان هناك 500 دار عرض، 221 منها موزع بين سورية ولبنان وفلسطين. إفتتح “ذهب مع الريح” في القاهرة أولاً ، يوم 14 أيار 1941، بحضور صفوة المجتمع المصري، يتصدرهم عائلة الملك فاروق ، ورئيس وزرائه حسن (سري باشا).

ثم كان العرض الثاني في بيروت يوم 22 شباط 1942، بحضور الجنرال جورج (كاترو)، مندوب الجنرال شارل ديغول في سورية ولبنان. في كلا البلدين، ترافق العرض مع حملة إعلامية كثيفة، قادتها صحف “الأهرام والنهار”.

ثم وصل الفيلم إلى دمشق يوم 27 آذار 1942.

المجتمع السوري، كان عاشقاً للأفلام الأمريكية، وتحديداً لأفلام “الاكشن” ، التي حققت نجاحاً باهراً في دمشق. وقد حاولت الدولة الفرنسية المحتلة جاهدة ، الترويج لأفلامها الرومانسية والعاطفية في سورية، ولكنها لم تنجح ، وظلت الأفلام الأمريكية ، الأكثر رواجاً لدى السوريين.

سيدات المجتمع الدمشقي ، حضروا إلى سينما “روكسي”، إما مشياً على الأقدام ، أو عبر تراموي دمشق الشهير. بعضهم كان قد قرأ الرواية التي بني عليها الفيلم، للكاتبة الأمريكية (مارغريت) ميتشل، علماً أنها لم تكن قد ترجمت إلى اللغة العربية بعد. العرض كان باللغة الإنكليزية، مع مربع يظهر بطرف الشاشة فيه الحوار منقولا إلى العربي.

وكانت المفاجأة الأولى في ردة فعل جمهور السيدات ، عندما وقفت البطلة “سكارليت أوهارا” على مقاطعة عائلتها المدمرة والمحروقة، وصاحت بألم: “سوف أسرق…أكذب…أحتال، وسوف أقتل، ولكني لن أجوع أبداً.”وهنا وقفت السيدات وصفقن طويلاً لها.

“برافو” صاحت احداهن…”ما صار” ، وكأنهن في حفل موسيقي لـ”أم كلثوم”.

شعرن أنها لامست شيء من معاناتهم، سواء في الحرب العالمية الأولى، حيث عشن مجاعة رهيبة ، خيمت على ذاكرتهن الجماعية لسنوات، أو الحرب الثانية التي كانت يومها في عامها الثالث. لاقى الفيلم نجاحاً باهراً ، وظل يُعرض لمدة ثمانية أشهر متواصلة في سورية.

وعند خروجهن من صالة العرض، أمسكت احدى السيدات بـ”صبحي فرحات”، صاحب سينما روكسي، وقالت له ممازحة: “دفعتونا مصاري لمشادهة قصة رجل أمريكي يتخلى عن زوجته، علماً أنننا نشاهد هذا المشهد كل يوم هنا في الشام، وببلاش!”

والمفاجأة الثانية ، كانت في رفض الاتحاد النسائي السوري، استقبال البطلة (فيفيان لي ) عند مرورها بالشرق الأوسط، احتجاجاً على خيانتها في الفيلم. حاولت الجهة المنتجة ، جاهدة تغيير موقفهن، ولكن الرد جاء على لسان رئيسة الإتحاد “عادلة بيهم الجزائري”، التي قالت: “نحن منشغلين في تأمين حليب الأطفال ومساعدة الفقراء والمحتاجين، ولا تعنينا زيارة فيفيان لي في هذا الوقت.”

وقبل ذلك التاريخ ، كان نجم الكوميديا العالمي (شارلي شبلن) قد زار دمشق سنة 1931 ، لحضور افتتاح فيلمه الشهير “أضواء المدينة” في صالة “فلور دو داماس” (زهرة دمشق) في ساحة المرجة، وتم استقباله في فندق أمية من قبل راعي الفنون، نائب دمشق ، وزعيمها (فخري البارودي).

شبهت الشركة المنتجة تفاعل الجمهور السوري ، بالتفاعل الذي شهده الفيلم في عرضه الأول في سينما “الريتز” بلندن يوم 17 نبسان 1940، بعد اسبوع واحد فقط من احتلال (هتلر) للنروج والدنمارك . يومها خرج الناس من الصالة ، لمشاهدة لندن تحترق وفي دمشق، خرجوا لمشاهدة جنود السينغال في كل مكان، يدهم على زناد البنادق ، منعاً لأي مظاهر وطنية ،كان من الممكن لمشاهد الفيلم ، أن تشيرها في نفوس السوريين.

طباعة
هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها