aren

روسيا وحدود القوة \\ بقلم : جورج فريدمن
الثلاثاء - 30 - يناير - 2018

 

اعداد \ قسم الترجمة الخاصة \

 

” ادراك المسائل … عندما لا يكون هنالك العديد من الخيارات ”

أعلنت حكومة بيلاروسيا ، أنها لن تسمح بأكثر من قاعدتيْن عسكريتين على أراضيها ، وتحتضن بيلاروسيا اليوم قاعدتين عسكريتين روسيتيْن ، ومن المستبعد أن تكون أي دولة أخرى اقترحت إنشاء قواعد عسكرية هناك ، فمن المعقول الافتراض ، بأن الروس طلبوا من بيلاروسيا إنشاء قواعد إضافية ، وبأن الأخيرة رفضت طلبها .

والسبب في اهتمام روسيا ب(بيلاروسيا ) واضح ، فالبلطيق جزء من حلف شمال الأطلسي ، ولدى أوكرانيا حكومة مؤيدة للغرب ، وبيلاروسيا آخر بقعة من المنطقة العازلة غير المعارضة لروسيا بالكامل ، فإذا غيرت بيلاروسيا موقفها ، وانتقلت الى المعكسر المعادي لروسيا ، يعني ذلك اختفاء العازل الروسي بأسره، فتفقد روسيا بذلك عمقها الاستراتيجي ، الذي اعتمدت عليه لفترة طويلة .

لا شك أن زيادة عدد القواعد العسكرية من شأنه تعزيز قدرات روسيا الدفاعية ، فذلك يجعل من حدود أوكرانيا الشمالية أكثر ضعفا ، ومن المستبعد أن تقوم روسيا بأي عمل عدائي هنا ، بما أن الحرب مغامرة محفوفة بالمخاطر، فهي غير محسوبة النتائج ، وثمن الخسارة سيكون بالطبع ، زعزعة لاستقرار روسيا .

ولكن القدرة على القيام بأي عمل من هذا النوع ، يزيد من الضغوط في المنطقة ، فرفض بيلاروسيا فكرة زيادة القواعد العسكرية ، يظهر أن روسيا وصلت الى حدود قوتها ، أو بمعنى آخر أنها تواجه اضطرابات تتعلّق بمحاولاتها توسيع نطاق سلطتها ، وأن خياراتها محدودة.

تحاول روسيا ، أن تعزز الانطباع عن قوتها العظمى ، منذ تعرضت لانتقادات شديدة من الغرب ، بسبب دورها في الأزمة الأوكرانية عام 2014 ، وقد أقنعت روسيا ، البلدان الأخرى الى حد بعيد ، بأنها قوة صاعدة .

ولكن ، أن تكون كذلك ، يعني أنها في الوقت عينه تثير خشية الآخرين ، ويفرض الأمر كذلك على روسيا تشتيت انتباهها في مسائل عدة والاهتمام بقضايا ثانوية قد تضعف من قوتها ، وإن مجرد فهمنا لحاجة روسيا الملحة ، لبرهان صعود نجمها باستمرار ، هو دليل ساطع ، بأن الأخيرة وصلت الى الحدود القصوى من قوتها.

درست روسيا خياراتها في البلقان بدقة ، فتقربت من الصرب المستائين من صعود نجم الألبان في كوسوفو تحديدا وفي المنطقة عموما ، واتخذ قرار مقدونيا بالاعتراف باللغة الألبانية كلغة رسمية لإدارة واقعها الداخلي ، وللتخفيف من استياء ألبانيا في الوقت عينه ، وقد دعم رئيس الوزراء المقدوني (زوران ) زائيف، الذي وصل الى السلطة بمساعدة شركائه الألبان ، إدراج الألبانية كلغة رسمية ثانية في بلاده ، وقدم (زائيف) دعمه ، طمعا بشمل الألبان في المسألة المقدونية ، ومن أجل تسريع انضمام مقدونيا الى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ، ومع أن الرئيس المقدوني خورخي (إيفانوف )، نقض القرار بعد أسبوع ، إلا أن الميل العام بدعم ألبانيا ، ما زال ساري المفعول.

وفي ظروف أخرى ، ما كانت تلك المسألة لتثير اهتمام روسيا ، ولكن بما أن الصرب قلقون حيالها ، كان على روسيا اتخاذ موقف حاسم ، منددة بقرار مقدونيا .

 

Russian_Military_in_Belarus

 

فثمة وضع مشابه في تركيا ، وقد تدخل الروس في سورية ، لضمان استمرار (نظام ) بشار الأسد ، ولم يكن الأمر ذا أهمية استراتيجية لروسيا ، ولكنه بدا كمسار منخفض المخاطر ، لإثبات قوتها وجبروتها في المنطقة ، وقد أدى تطور الأحداث في سورية الى تدخل الأتراك ضد الأكراد ، وتريد روسيا الحفاظ على علاقات طيبة مع تركيا ، رغم عدائية الأخيرة ل(لأسد) ، وليس لديها أي اهتمام بدعم أحلام كردية في المنطقة.

وقد هددت الحكومة السورية باعتراض الطائرات التركية التي تحلّق فوق أراضيها ، ممادفع رئيس المخابرات التركية للسفر الى موسكو لمعالجة الأمر معها ، ما يضع روسيا في موقف صعب ، بما أن الأتراك سيحملونها مسؤولية أي تحرك سوري .

كل هذه المسائل ، التي ذكرناها آنفا : القواعد العسكرية في بيلاروسيا ، تشريع اللغة الألبانية في مقدونيا، والمجال الجوي السوري، كل هذه القضايا ما كانت لتنال أي اهتمام من روسيا قبل عام 2014.

تختبر روسيا اليوم ما يختبره الأميركيون دوما ، من محاولات لحل مشاكل ليست في صلب اهتمامها الحقيقي لحماية سياستها الخارجية ، ولعل الفارق الوحيد بينهما ، هو حسن الإدارة الروسية لقوتها ، مع أن عمق هذه القوة ليس كبيرا .

وروسيا على غرار الولايات المتحدة ، تختبر اليوم حدود القوة هذه ، وتلك مغامرة فيها الكثير من التحدي ، لاسيما أنه على الروس ، بأن يبرهنوا على امتلاكهم قوة ، هي أكبر بكثير مما يتمتعون بها ، على أرض الواقع !

المصدر \\ الدراسات ال”جيوسياسية مستقبيلة “

https://geopoliticalfutures.com/russia-limits-power/

طباعة