aren

«رامات ترامب» لا تلغي عروبة الجولان \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 27 - يونيو - 2019

355

اعتبر رئيس الحكومة «الإسرائيلية» بنيامين نتنياهو، اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسيادة الاحتلال على هضبة الجولان السورية المحتلة، واحدة من المعجزات. وقال إن «هذه عشية عيد البوريم ولدينا معجزة بوريم. والرئيس ترامب صنع التاريخ مرة أخرى، ونحن شاكرون له». وأضاف أن ترامب «في البداية اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها… والآن يصنع تاريخاً، وأمراً بالغ الأهمية، ويعترف بسيادة «إسرائيل» على هضبة الجولان».

لتأكيد الشكر، قام نتنياهو برفقة السفير الأمريكي الصهيوني في الاحتلال، ديفيد فريدمان، بالاحتفال بتسمية إحدى المستوطنات «رامات ترامب» في الهضبة المحتلة على اسم الرئيس ترامب. وأثارت هذه التطورات بهجة كبيرة في صفوف اليمين المتطرف الذي رأى أن هذه الخطوة تعني إقراراً متزايداً بفرص منح الشرعية للمشروع الاستيطاني. وأن هذه مقدمة لإقرار أمريكا بشرعية ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية للكيان.

والواقع أن هذه التطورات غيرت من مزاج «الإسرائيليين» بشأن الهضبة المحتلة خصوصاً وأن سوريا منشغلة بنفسها في حرب أهلية مدمرة والعرب غافلون. وخلافاً لواقع استمر على مدى سني احتلال الهضبة منذ العام 1967 وحتى الآن صار المستوطنون القلائل في الهضبة ومحللو السياسة يشيرون إلى أن ترامب بخطوته هذه قضى على أي تسوية محتملة مستقبلاً بين سوريا و«إسرائيل». فالإقرار بالسيادة «الإسرائيلية» على هضبة الجولان يفتح الباب واسعاً أمام المزيد من المشاريع الاستيطانية في الهضبة، خصوصاً بعدما انتقل تبرير استمرار احتلالها من الذرائع الأمنية إلى الذرائع الاستراتيجية والاقتصادية والإيديولوجية.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هضبة الجولان التي تبلغ مساحتها 1250 كيلومتراً مربعاً احتلت في العام 1967 وكان يقيم فيها حوالي 150 ألف سوري جرى ترحيلهم وهدم تجمعاتهم البالغة 220 قرية وتجمعاً سكنياً وأهمها مدينة القنيطرة. ولم يتبق في الجولان المحتل سوى خمس قرى تشكل شوكة في خاصرة الاحتلال، هي مجدل شمس، بقعاثا، مسعدة، عين قنيا وغجر بعد عملية تطهير عرقي منهجية. وبعد ذلك بدأت عملية استيطان الهضبة على أرضية أمنية؛ حيث إن اليسار الصهيوني كان وراء طلائع الاستيطان فأقام فيها مستوطنة «ماروم هجولان» بعد شهر على حرب 1967.

وأنشأ الاحتلال حتى الآن 33 مستوطنة في الجولان أكبرها «كتسرين» التي أقيمت في عهد حكومة اسحق رابين الأولى وأعلنوها مدينة وأنها عاصمة الجولان.

غير أن كل التبريرات اليهودية ومشاريع الاستيطان لم تفلح في إلغاء طابع هضبة الجولان السوري العربي. فقد رفض أهل الجولان الاستيطان الصهيوني كما رفضوا إعلان حكومة مناحيم بيجن في العام 1981 فرض السيادة «الإسرائيلية» على الهضبة. وتواصل صمود أهل الجولان وإصرارهم على البقاء ولم يقلل من ذلك الحصار الواسع المفروض عليهم ولا الإغراءات اليهودية.

وساعد إصرارهم هذا، بما فيه رفضهم الجنسية «الإسرائيلية»، على إفشال العديد من المشاريع الاستيطانية. وليس صدفة أنه رغم كل الضخ الدعائي «الإسرائيلي» وكل الامتيازات الممنوحة للمستوطنين فإن المشروع الاستيطاني في هضبة الجولان لم يتجاوز بتعداده العشرين ألفاً. وفي المقابل فإن المواطنين السوريين في الهضبة في القرى الخمس الباقية يزيد تعدادهم على 25 ألفاً.

وساعد في عدم تنامي المشروع الاستيطاني في هضبة الجولان السورية المحتلة القناعة شبه العامة لدى اليهود، بأن هذه أرض سوريّة سوف تعود لأصحابها في أي تسوية. صحيح أن هناك بين اليهود من رفضوا هذه الفكرة على مدى سني الاحتلال لأسباب مختلفة، إلا أن تطورات الوضع السياسي لم تخالف هذه القاعدة. فإثر حرب أكتوبر 1973 اضطر الاحتلال ضمن اتفاقية فصل القوات للتراجع عن شريط طويل من الهضبة المحتلة بما في ذلك عن مدينة القنيطرة. كما أن كل المداولات السياسية لإيجاد تسوية مع سوريا كانت تنطلق من وجوب عودة الهضبة إلى سوريا. وتقريباً وافق كل رؤساء الحكومات «الإسرائيلية» في المفاوضات مع سوريا على إعادة الهضبة وبقي الاختلاف على حدودها. وهذا الأمر تم ليس فقط مع إسحق رابين صاحب «الوديعة» المشهورة وإنما أيضاً مع بنيامين نتنياهو الذي أدار اتصالات مع سوريا، عبر جهات مختلفة بينها صديقه الملياردير رون لاودر.

واحتفال الاحتلال بإنشاء «رامات ترامب» قد يخدم في الفترة القريبة مساعي توسيع الاستيطان في الهضبة، لكنه لن يلغي سنوات الخلاف الداخلي حول مستقبل الهضبة. وكما سلف فإن التعاطي الشعبي مع القرارات الرسمية بشأن الهضبة تراوح بين التأييد اللفظي والابتعاد العملي. فكل القرارات والقوانين التي سنّت بشأن هضبة الجولان لم تخلق قناعة راسخة بأن الوجود الصهيوني فيها سيبقى طويلاً. فوديعة رابين لدى الإدارة الأمريكية اشترطت قبول الاحتلال بالانسحاب من هضبة الجولان بتوفير متطلبات أمنية. وشمعون بيريز الذي خلف رابين، أدار المفاوضات مع سوريا على هذا الأساس. وإيهود باراك الذي ترأس الحكومة «الإسرائيلية» وعمل وزيراً للحرب في حكومات مختلفة، أعرب عن استعداده الانسحاب من الهضبة ولكن إلى الحدود الدولية وليس إلى خطوط يونيو 1967. وفي عهد حكومة إيهود أولمرت جرت اتصالات مع سوريا بشأن الانسحاب من الهضبة برعاية تركية.

وكان الموقف الشعبي «الإسرائيلي» مثل المواقف السياسية لحكامه، متقلباً وغير حازم في كل ما يتعلق بهضبة الجولان وتتحكم فيه المناكفات والانتماءات الحزبية. ولكن مع تنامي قوة اليمين المتطرف في الكيان صارت تتزايد المعارضة في استطلاعات الرأي للانسحاب من الهضبة. وفي عهد أولمرت نشرت استطلاعات رأي تحدثت عن أن حوالي ثلثي «الإسرائيليين» يعارضون الانسحاب من الهضبة. وشرع اليمين باللعب على هذه النسبة، فأعلن نتنياهو في العام 2009 أنه لن يقبل أبداً الانسحاب من هضبة الجولان.

وعمد اليمين إلى تحصين موقفه بشأن الجولان عبر سن قوانين في هذا الاتجاه. وهكذا صادق الكنيست في نوفمبر 2010 على قانون «الاستفتاء الشعبي» والذي يلزم الحكومة بعدم التنازل عن أية أراضٍ أعلن ضمها من دون إجراء استفتاء شعبي يقر بأغلبية 61 عضواً في الكنيست. وقد جاءت هذه الخطوات في إطار وضع العراقيل أمام أية محاولة للانسحاب من الهضبة أو أية أراضٍ محتلة في أي تسوية مقبلة.

في كل حال، قدم ترامب لنتنياهو وللكيان هدايا مختلفة جاءت في وضع عربي شديد التردي. ولم يكن أحد يتخيل أن يحتفل رئيس الحكومة «الإسرائيلية» برفقة السفير الأمريكي بتدشين مستوطنة تحمل اسم الرئيس الأمريكي على أرض عربية من دون أن يثير الأمر ردود فعل حقيقية. ولكن العزاء موجود في واقع أن المجتمع العربي والأسرة الدولية يرفضان هذه الخطوات، ويريان أنها ثمرة تناغم يميني أمريكي صهيوني هدام لا يقيم وزناً لا للسلام ولا للشرعية الدولية ولذلك سيبقى عارضاً ومؤقتاً.

“الخليج” الاماراتية

طباعة