aren

خارطة طريق للحوار من أجل الخروج من الأزمة السورية \\ بقلم : د.منذر خدام
الخميس - 6 - يونيو - 2019

 

لقد تركت الأزمة السورية الممتدة على نحو ثمانية سنوات، حتى الأن، شروخا عميقة في الكيان السياسي، والاجتماعي السوري على الصعد كافة. ومن المفهوم، والمنطقي، ان معالجتها سوف يستغرق زمناً متفاوتاً، بعضه أقصر، وبعضه الآخر أطول. وإن المعرفة الجيدة بالأبعاد الزمنية لمعالجة كل شرخ منها، والاجراءات الضرورية التي ينبغي اتخاذها للشفاء منه، مسألة في غاية الأهمية. إن الاستعجال، من قبيل حرق بعض المراحل، أو تقصيرها قد يؤدي إلى غير المطلوب منها.

بداية،علينا ان ندرك جميعاً ان القضية السورية ، قضية متفردة، بمعنى أنه قد لا نجد في تجارب البلدان، والشعوب، التي انتقلت من الاستبداد إلى الديمقراطية، ما يمكن أن يفدنا في بلدنا، نظرا للاختلاف في الظروف والمعطيات.مع ذلك ثمة في تجربة “بولونيا”، وتجربة “جنوب أفريقيا”، بعد العبر التي يمكن استلهامها.

في (بولونيا) لم تستعجل المعارضة في اسقاط النظام الشيوعي، بل وافقت على أن يستمر بالحكم خلال المرحلة الانتقالية، حتى حصول الانتخابات. العبرة من ذلك أنها لم ترد حدوث شرخ اجتماعي، بين الموالين للنظام، والمعارضين، يمكن ان يتحول من الخصومة السياسية إلى العداء، وفضلت أن يتم الانتقال بصورة سلمية، عبر صندوق الانتخاب ، وهذا ما حصل بعد فترة انتقالية كافية ، لكن من جهة اخرى لم تساوم على ضرورة ، ان يكون الدستور ديمقراطيا، وان تكون الانتخابات نزيهة.

في تجربة (جنوب أفريقيا)،ثمة عبرة، يمكن ان تقدم لنا نحن –السوريين فائدة كبيرة في حال تم ادراكها جيدا، لتجاوز ما تسبب به الصراع المسلح من عداء وكره، وحساسيات طائفية ،وغيرها، وجعل كل ذلك في خدمة عملية الانتقال الديمقراطي، وهي كيف حولت المعارضة السياسية والعسكرية ،العداء المزمن، والكره للنظام العنصري ومؤيديه، رغم ما تسبب به من سقوط عشرات الآلاف من الضحايا، إلى خصومة سياسية.

الأزمة السورية كما ذكرنا لها خصوصياتها ، من هذه الخصوصيات ، نذكر :

أ-إنها لم تعد ازمة داخلية بين معارضة ونظام، بل ازمة اقليمية ودولية، وهذه سوف يكون لها تأثيرها الأكيد على عملية الانتقال السياسي. بعض القوى الاقليمية الفاعلة في الأزمة السورية، وبصورة خاصة إيران وتركيا، تريد تغييرا ديمقراطيا على مقاسها.

النظام الروسي بدوره ،يريد تحولا نحو شكل من أشكال الديمقراطية، يعيد إنتاج النظام نفسه بصورة أقل محافظة، على الأقل في المدى المنظور. بدورها أمريكا لم يكن همها ابدا الانتقال الديمقراطي الحقيقي، بل تدمير سورية ككيان سياسي، ومجتمعي، والقضاء على دورها الاقليمي، وهذا ما تحقق لها للأسف. إنه نمط الحروب الرابعة في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية، الذي من متطلباته خلق شروخات مجتمعية عميقة متعادية، يصعب التوليف بينها على قاعدة وطنية. ومن متطلباته أيضا الانتقال إلى نظام ديمقراطي على أساس البنى الأهلية، والدينية منها بوجه خاص. فهي تدرك جيدا ان الحدود الدينية والمذهبية ،يصعب تجاوزها إلى الفضاء الوطني، إلى نظام الدولة الديمقراطية التمثيلية على أساس مبدأ المواطنة.

ب- (النظام السوري) يكاد يكون فريد من نوعه، في عدم تقبله للخيار الديمقراطي، ولا يزال يحسب نفسه الأفضل لسورية. وللأسف تعززت لديه هذه القناعة بعد الانتصارات الميدانية التي حققها. إنه فاقد لما تحتاجه سورية والسوريين، وعبروا عنه في بداية حراكهم السلمي ،بانهم يريدون نظاما ديمقراطيا ،يتيح لهم المشاركة في الحكم انفسهم بأنفسهم من خلال الأليات الديمقراطية المعروفة.

من جهتها المعارضة ذات الطابع الاسلامي (إذا جاز تسميتها معارضة) ، فهي لا تؤمن أصلا بالخيار الديمقراطي، وبنت كل سياساتها على أساس كره النظام ومؤيديه، ولذلك استسهلت كثيرا لجوأها إلى العنف، وإلى الخيارات الاستبدادية تحت الراية الدينية المذهبية.

إنه صراع النفي بين نوعين من “الاستبداد”، واحد يدعي العلمانية، وهو بريء منها، والأخر دعي ، يريد خلافة على منهاج النبوة، في محاولة للنكوص إلى الماضي، مع ان الماضي، كما يعلمنا التاريخ لا يستعاد إلا مهزلة. لقد كان من نتيجة هذا الصراع ،تدمير البلد، وتمزيق النسيج الاجتماعي، ومن الصعب، تحويل ما تسببت به من عداء في المدى القصير إلى خصومة سياسية.

وتبقى الكتلة الرئيسة من المعارضة الوطنية الديمقراطية، ومن هيئات المجتمع المدني ،التي تبنت الخيار السلمي اللاعنفي ،تريد الانتقال إلى نظام ديمقراطي، وهي موجودة في الداخل السوري وفي الخارج. ولكي يكون دورها مهما في عملية الانتقال الديمقراطي ، عليها ان تقدم رؤية للديمقراطية ، تقوم على أساس مبادئ المواطنة بما تعنيه من حقوق وواجبات، فديمقراطية المكونات الطائفية والمذهبية، والقبلية وغيرها ، لا تبني دولة،ولا ديمقراطية، ولدينا نموذجان حيان في (لبنان والعراق)، وليكن معلوما ، ان الديمقراطية القائمة على أساس مبادئ المواطنة لا تتعارض مع الحقوق القومية لجميع الأقوام في سورية، بل تسمح بإيجاد الحل الصحيح، والسليم لها.

في ضوء ما ذهبنا إليه اعلاه، على أنه صحيح، نقترح خارطة الطريق الآتية ، كأساس للحوار بين المعارضة والنظام ، للتوصل إلى مخارج من الأزمة.

1-في المبادئ

أ-تقر الدولة السورية بوجود مكونات قومية عربية، وكردية، وسريانية آشورية، وتركمانية، وغيرها ضمن مكونات شعبها، وتعترف بأن لها حقوقاً متساوية، على أساس المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، ضمن إطار وحدة الشعب والوطن السوريين.

ب-نحن الشعب السوري بكل مكوناته القومية من عرب، وكرد، وسريان أشوريين، وتركمان وغيرهم ، عازمون على مواصلة تاريخنا المشترك، الذي نفخر به، من خلال حرصنا على عيشنا المشترك، النساء فيه متساوون مع الرجال في الحقوق والواجبات أمام القانون، ولكل منهم الحق في شغل جميع المناصب في الدولة، بما فيها منصب رئيس الجمهورية.

ت-الشعب السوري ، حر وسيد على أراضيه، وفي إطار دولته، وهما وحدة سياسية لا تتجزأ، ولا يجوز التخلي عن أي شبر منها، ويحق له، بل من واجبه النضال لاستعادة جميع أراضيه المحتلة، بكل الوسائل المشروعة.

ث-الشعب السوري ، هو مصدر الشرعية لجميع مستويات الحكم الديمقراطي في دولته ، يمارسها من خلال انتخابات دورية نزيهة ينظمها القانون.

ج-الإنسان بماهو حقيقة منفردة ومتميزة وقيمة عليا، هو غاية العلاقة بين أبناء الوطن الواحد، تتأسس على الالتزام بالمواثيق، والعهود الدولية لحقوق الإنسان، أي الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والمدنية، والثقافية، والبيئية، التي كرستها البشريّة، وضمان التمتع بهذه الحقوق للمواطنين ومن في حكمهم على السواء.

ح-الجمهورية العربية السورية (الجمهورية السورية)،دولة مستقلة ذات سيادة على كامل أراضيها، موحدة لا تقبل التجزئة، نظامها ديمقراطي علماني لا مركزي، لغتها الرسمية هي اللغة العربية، وتجيز استخدام اللغات الخاصة بمكوناتها القومية على نطاق هذه المكونات إلى جانب اللغة الرسمية للدولة.

خ-النظام السياسي في الجمهورية السورية ،هو نظام جمهوري برلماني ،يقوم على أساس مبادئ الديمقراطية، والمواطنة المتساوية أمام القانون في الحقوق والواجبات العامة، والتعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان وحرياته.

د-التشريع في الدولة السورية ،هو تشريع مدني من حيث الأساس ،تقوم به الهيئات التشريعية المنتخبة أصولا من الشعب ،وهو في تأسيسه لما تصدره المؤسسات التشريعية من تشريعات في بعض المجالات الدينية، والأحوال الشخصية، وغيرها، يستفيد مما هو مستقر في شرائع جميع الأديان الموجودة في سورية، ويتماشى مع روح العصر، ومتطلبات الحياة المدنية.

ذ-جميع الأديان الموجودة في سورية هي أديان رسمية ومستقلة، وهي من الشؤون الخاصة للمواطنين، وتحظى بالحماية القانونية، ولا تتدخل الدولة في شؤونها إلا ضمن القانون، ولحماية مؤسساتها، و ممتلكاتها، وموجوداتها المادية والمالية، من أي عبث أو مخاطر تهددها. تجيز الدولة أيضا حرية أي معتقد ديني أو غير ديني. جميع المبادئ السابقة الذكر ينبغي أن يقرها الدستور الجديد

2-في الاجراءات

أ – ينبغي التوافق على مرحلة انتقالية للخروج من الأزمة، ولا ضير ان تكون طويلة نسبيا، وينبغي ان يكون واضحا، ان المعارضة ،هي التي تحتاج إلى مرحلة انتقالية طويلة نسبيا، وليس النظام.

ب- خلال هذه المرحلة الانتقالية لا بأس من القبول بحكومة تقود المرحلة تكون الغلبة فيها للحكم الحالي. أما بخصوص الأجهزة الأمنية فعلى المعارضة ان تصر على تغيير طبيعة عملها، وان تعمل في إطار القانون والمسؤولية والمحاسبة. ينبغي ان يكون واضحاً إن اعادة المؤسسات الأمنية على أساس وطني يتطلب وقتاً، ونظاما سياسيا مختلفا قائما على موازين قوى مجتمعية،وسياسية مختلفة.

ت- ينبغي العمل على دستور ديمقراطي حقيقي، على ان يطبق في نهاية المرحلة الانتقالية وليس قبلها ،او في سياقها. يبدو لنا ان الظروف الدولية وموازين القوى المحلية، سوف تعطي للنظام فرصة إلى ما بعد نهاية ولايته الحالية، وهو سوف يدفع بهذا الاتجاه.

ث- إن النظام لن يوافق، في الأغلب الأعم، على التفاوض لإصدار اعلان دستوري للمرحلة الانتقالية، ولذلك لا بأس من القبول بالدستور الحالي على أن يشترك رئيس مجلس الوزراء مع رئيس الدولة في التوقيع على جميع المراسيم والقوانين التي تصدر خلال تلك المرحلة.

ث- ينبغي الاصرار في بداية أية عملية تفاوضية على اطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وإغلاق هذا الملف نهائياً، وعدم المساومة على هذه القضية.

ج-ينبغي السماح بحرية العمل السياسي، وحرية الوصول إلى الناس، وحرية الاعلام، بالتوافق على قوانين، تحدد ضوابط هذه الحريات، مع مراعات حقوق الانسان، على ان تعمل خارج إطار مؤسسات الدولة واجهزتها. بخصوص هذه المسألة ينبغي الاصرار على خروج حزب البعث من جميع أجهزة الدولة، ومؤسساتها في بداية المرحلة الانتقالية.

ح- ينبغي إصدار عفو عام شامل عن المعارضين السياسيين، وغير السياسيين، باستثناء قوى الارهاب، والسماح بعودتهم إلى البلد لممارسة دورهم الوطني.

خ- ينبغي العمل على عودة النازحين والمهجرين بالسرعة الممكنة، وبدون اي توظيف سياسي لهذا الملف.

د- تشكيل هيئة وطنية للمصالحة، تشارك فيها جميع الاحزاب الوطنية المؤثرة، وكذلك الشخصيات الاجتماعية والاقوامية، والدينية والقبلية وغيرها. إن إنجاز هذه المهمة مسألة حيوية لإنجاز بقية المهام.

ذ-العمل مع المجتمع الدولي لإعادة اعمار البلد. ومن الأهمية بمكان في هذا المجال انفتاح سورية على جميع الدول وفق مصالحها الوطنية. هذا لا يعني أن نضع جميع الدول التي تدخلت في الأزمة السورية في مرتبة واحدة.

ت- في بناء الدولة وهيئات الحكم

ينبغي الاعتراف بأن سلطات الحكم المركزية قد تصدعت إلى حد بعيد، وما هو قائم منها لا يعمل بكفاءة، فقد نخره الفساد، لذلك من الأهمية بمكان تفعيل السلطات المحلية، ونقل الصلاحيات التي لها علاقة مباشرة بحياة المواطنين إليها.

بهذا الخصوص من الأهمية بمكان إنشاء في كل محافظة من المحافظات القائمة مجلس تشريعي محلي، وحكومة محلية، وحاكم محلي، منتخبين، يحدد الدستور مجال صلاحيات كل منها. في هذا المجال ينبغي منح الاستقلالية المالية والادارية والتنظيمية لجميع المؤسسات ذات الطابع الوطني، مثل الجامعات، والبنوك والنقابات وغيرها. من الأهمية بمكان إنشاء جامعات،او كليات، او اقسام، تدرس بلغات المكونات القومية.

تحتفظ السلطة المركزية بكل السلطات السيادية، مثل الجيش والأمن الوطني، والمالية والتمثيل الدبلوماسي، وغيرها.، وتزيد في مهامها ومسؤولياتها الرقابية في المجالات غير السيادية.

ينبغي تحقيق استقلال السلطات الثلاث فعلا، وخصوصا استقلال القضاء، والتمييز بين القضاء الوطني، والقضاء المحلي، وبين الشرطة الوطنية والشرطة المحلية، وغيرها.

من الأهمية بمكان استخدام النظام النسبي في الانتخابات، واعتماد سوريا دائرة انتخابية واحدة، فيما يتعلق بانتخاب السلطات المركزية، والنظام النسبي المختلط مع الدوائر الانتخابية الصغرى على مستوى انتخاب هيئات الحكم المحلية.

إن ما ورد في خارطة الطريق هذه ، تنطلق من المصالح الوطنية العليا للدولة السورية ،وللشعب السوري، في ضوء ما أفرزته الحرب المدمرة في البلد، ويمكن ان تؤمن توافقا سوريا عليها من الموالاة والمعارضة، ويمكن أن يتأمن لها دعما دوليا أيضاً.

طباعة
هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها