aren

حول مايسمى “الطبقة الوسطى” وانحسارها ، وتأثيره على الاقتصاد \\ كتابة : د. عارف دليلة
الجمعة - 14 - ديسمبر - 2018

 

الطبقة الوسطى

حول مصطلح “الطبقة الوسطى” :

عرف الفكر الاجتماعي تقسيمات للمجتمع على اسس مختلفة ، عرقية ( ابيض ، اسود ، اسمر ، اصفر ، احمر …الخ ) ؛ دينية توحيدية ( مؤمن ، ملحد ..الخ ) ؛ دينية غير توحيدية ( حسب الآلهة المعبودة المسماة من قبل البشر العابدين) ؛ تبعا للنوع ( ذكر , انثى ) ، تبعا للوضع القانوني ( أحرار ، عبيد ) ، الخ ، وتتميز هذه التقسيمات عن بعضها ، تبعا للأغراض والمصالح المادية ، أو المعنوية التي تخدمها ، حسب الزمان والمكان، والمجتمع .

لكن التقسيم الأكثر أهمية بين التقسيمات الاجتماعية ، من الناحيتين النظرية والعملية ، هو التقسيم القائم على أساس افتصادي _ مادي ، وبتعبير أدق ، على أساس الموقع من الملكية على وسائل الانتاج.

و الذي برز كأهم قاسم للبشر ، منذ أن انفصل أهم منتج للانسان عنه ، ثم وقوفه في مواجهته ، بعد أن يقع في يد من يستخدمه ضده ، وهذا المنتج ( بفتح التاء ) ، هو وسائل الانتاج ، كجزء من ناتج العمل الاضافي للانسان المنتج ، بعد أن تحسنت انتاجية عمله ، ليفوق انتاجه ضرورياته ، وهذا يصبح عند نسبة من المنتجين من أصحاب الفوائض ، قوة تزيد التقسيم الاجتماعي على أساس مادي ، اتساعا بينهم ، حتى يتحول من يكدسون الكمية الأكبر منه ، الى طبقة سيدة على الآخرين ، الذين يعجزون عن المجاراة في التراكم والتكديس ، اللذان يصبحان قاعدة ومصدرا ، لتوسيع فجوة التفاوت بين الناس .

ويصبح التفوق في الثروة ، مصدرا للقوة ، يعطي صاحبه امتيازات اجتماعية اضافية كثيرة أخرى ، تساعده في تضخيم مكاسبه المادية .

وعلى هذا الأساس المادي ، ولواحقه المعنوية والسياسية ، انقسم المجتمع الى فئة مالكة لوسائل الانتاج ، على تفاوت ملكيات أفرادها ، وفئة غير مالكة لوسائل الانتاج على تفاوت أوضاع أفرادها ، تبعا لما يتمايزون به عن بعض من قدرات شخصية أخرى .

وبينما اهتمت العلوم الاجتماعية بمختلف الانشطة الانسانية للكائن الاجتماعي ، المادية والمعنوية ، فقد كان التركيز الأساسي على الجانب الاقتصادي _المادي ، أساسا لنشوء فرع معرفي مستقل ، اتخذ اسم الاقتصاد السياسي ( الاجتماعي ، كما سمي بداية ) ، والذي استقر لديه تقسيم المجتمعات ، وفق طبقتيها الاقتصاديتين الرئيستين ، تبعا لتطور علاقات الانتاج الاجتماعية ، وأهمها علاقة الملكية على وسائل الانتاج .

وهكذا تطورت المجتمعات الطبقية ، من المجتمع العبودي ، بطبقتيه (أسياد العبيد و العبيد) ، تبعا للملكية على وسيلة الانتاج الرئيسة فيه ، وهي الشخص المنتج نفسه ( العبد )، الى المجتمع الاقطاعي ، بطبقتيه ، (الاقطاعيين والفلاحين الاقنان) ، تبعا لموقع كل انسان من الملكية على وسيلة الانتاج الرئيسة فيه ، وهي (الارض) ، الى المجتمع الرأسمالي بطبقتيه ( الراسمالية المالكة والعاملة المجردة من الملكية)، والتي تعيش من وراء بيع قوتها العاملة ، وهذا التقسيم ، يقوم تبعا لموقع كل منهما من الملكية على وسيلة الانتاج الرئيسة فيه ، وهي (الالة) ، عبر مختلف مراحل تطورها .

بدءا من التحسين في أدوات الانتاج اليدوية ، عندما كانت القوة البدنية والخبرة للعامل المنتج ، هي وسيلة الانتاج الرئيسة ، وحتى الثورة الصناعية الاولى ، بظهور الآلة كوسيلة انتاج رئيسة مع اختراع المحرك ، البخاري والانفجاري، والثانية باختراع الكهرباء وتطور العلوم الطبيعية المختلفة ، التي أصبحت القوة الانتاجية الرئيسة فيها، هي اكتشاف خصائص المواد والطبيعة ، والاستزادة من تطويعها لخدمة الانسان .

وان كانت هنا ، طبيعة النظام السائد (الرأسمالي الذي يدار بفعل قانونه الرئيس “الربح”) ، قد حرفت هذه المنجزات الهائلة للعلوم الطبيعية (علم الذرة ، مثلا) بعيدا عن خدمة الانسان ، الى خدمة اعداء الانسان من بين البشر في تنافسهم على الربح والتكديس ، والتراكم ، وفي استخدام هذه المنجزات بأوجه الشر ، أكثر بكثير من استخدامها في خير البشرية .

ثم الثورة الصناعية الثالثة ، ثورة التقانة والفضاء والانترنت … الخ ، والتي جعلت العلم ، قوة انتاجية مباشرة ، بحيث تضاعف خلال بضع سنوات ، كل ماحققته الانسانية في تاريخها السابق الطويل ، ومنجزاتها تتعاظم كل يوم بوتائر ليس بمقدور أي انسان ملاحقتها ، والتنبؤ بالقادم منها وآثاره الاجتماعية ، وبالاخص الخطيرة والشريرة ، المرتبطة بطبيعة نظم الحياة القائمة ، المحكومة بالمصالح النفعية الشريرة العمياء ، والتي تمنع اعلاء المصالح الانسانية لعامة البشر على مصالح الاقلية المهيمنة المتوحشة ، المنزوعة الانسانية .

هذه المقدمة ، ضرورية للوصول الى مناقشة مقولة ” الطبقة الوسطى”، وهل هي في حالة انحسار ؟ ، وماهي الآثار الاقتصادية ، (وأضيف : والاجتماعية ) لهذا الانحسار ؟

بداية ، أقول ان مصطلح  “الطبقة الوسطى” ، هو مصطلح مجازي ، لان المجموع البشري الذي يفترض أن هذا المصطلح يعبر عنه ويقصده ، لا يجمعه صفات طبقية موحدة ، بمفهوم علم الاقتصاد السياسي ، وبالاخص , العلاقة بالملكية على وسائل الانتاج  .

ففي جميع النظم الاقتصادية _ الاجتماعية ، هناك فئات كثيرة من المجتمع لاتنضوي تحت احدى الطبقتين الرئيستين للنظام ( المالكة وغير المالكة لوسائل الانتاج ) ، بل ان اعداد البشر خارج هاتين الطبقتين – غالبا ما- تكون هي الاكبر ، مقارنة بمن ينضوي في هاتين الطبقتين.

وقد اطلق على بعض تلك الفئات ، مصطلحات ، هي أيضا مجازية ، أي غير خالصة ، مثل “البروليتاريا الرثة”، و التي لاتشبه البروليتاريا ، الا في موقعها في أسفل القاع الاجتماعي ، وتختلف عنها في كل ما عدا ذلك، مثل   “نحلة المعاش” – حسب تعبير ابن خلدون – (الذي صنفته بصاحب الأفكار المؤسسة الاولى لعلم الاقتصاد السياسي التي تطورت ، مع التطور العام لاحقا ، على يد رواد هذا العلم ” وليم بيتبي” و ” ادم سميث” و” دافيد ريكاردو”  و” كارل ماركس”  و” جون مينرد كينز” … و غيرهم، وذلك في بحث لي مقدم الى الندوة العالمية الاولى لتاريخ العلوم عند العرب المقامة في جامعة حلب عام 1976).

فالبروليتاريا الرثة ، تفتقد أهم سمتين للطبقة العاملة ، وهما : ” الوعي والتنظيم ” ، الناتجتين عن طبيعة عملها واساسيته في النظام الاقتصادي الاجتماعي الرأسمالي.

طباعة
هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها