aren

حول المركزية واللامركزية في الخروج من الأزمة السورية \\بقلم : فاتح جاموس
الخميس - 6 - يونيو - 2019

 

تحياتي لكل الأصدقاء والحضور، وهي خطوة صحيحة ومفيدة حقا، في تنظيم مثل هذه الندوات الحوارية، حول القضايا الأساسية المطروحة في سياق الأزمة الوطنية السورية وتطوراتها، أشجعكم، بشكل خاص الداعين والمنظمين، وكنت أود أن أشارك شخصيا، خاصة بغاية رؤية العديد من الرفاق والأصدقاء والمعارف، حيث مر زمن طويل علينا كنماذج من النخب الوطنية، التي طال أمد خلافاتها، ربما من دون مراجعات نقدية جادة، وربما من دون أن نضع عيوننا في عيون بعض مجددا، لنسأل أين غدا كل منا وقناعاته ومواقفه، ومسؤولياتنا تجاه الوطن السوري والشعب السوري والدولة السورية، وأزمة الإنقسام الوطني العميق.

لكن الوضع المادي الصعب، لم يسمح لي بتحقيق رغبة السفر والحضور، وحرصا مني على التفاعل أنجزت مادة مكثفة في العنوان المحدد الذي وصلني، مع عدم معرفتي بتقنيات إدارة الندوة، وهل هناك مثلا مادة معدة من قبل أحدهم ليجري الحوار حولها، وهل الكتابة مسموحة أم لا بهذه الطريقة، في كل الأحوال وعلى الرغم من اجتهادي بإجراء بعض التغيير على العنوان، إلا أنه بقي كما أعتقد في الحدود المعنية تماما، وهي عناوين فرعية أخرى وتقابلات تستدعي بعضها…ويمكن قراءة أي شئ من المادة، أو بدونه، مع إمكانية أخذها كاملة ومباشرة خلال الندوة على وسائل الاتصال لمن يرغب.

أولا: بعض المفاهيم والأسس والمبادئ الإرجاعية

-1- إنه لقانون حتمي، أن تنتهي الأزمات الوطنية الكبرى، حيثما كان طابعها: ثورية، أم مضادة ثورة، في حالة كسر العظم وانتصار أحد أطراف الصراع، أم درجة من درجات توازن القوى، أن تنتهي بصيغ دستورية وقانونية وتشريعية، أو ميثاق وطني، أو عقد جديد، كتعبير وتثبيت للوقائع النهائية، أي وقائع الطرف المنتصر، أو صيغة توازن مجموع الأقوياء المتبقين، لتحديد شكل ومحتوى النظام( سلطة ودولة) ديموقراطي، أم استثنائي،

أو أحد النماذج الديموقراطية، أي بسويات من المركزية أو اللامركزية في الميادين المختلفة. بما فيه بالطبع إمكانية أن يعيد النظام القائم في الأزمة، إنتاج ذاته معدلة بصورة غير جوهرية.

-2- بالتالي هو شئ مهم جدا أن نحدد طابع الأزمات، والأطراف المتصارعة، والوقائع الفعلية للنهايات، أو اتجاه محصلاتها الأساسية، وذلك لنشترك- وحيثما كان انحيازنا- في الإعداد لتلك الخطوات الدستورية والقانونية، من منظور ذلك الانحياز وفي صالح صفه.

-3- هناك وضعية أخرى معقدة واستثنائية، فيها عوامل حركية تنشط وتتراجع بصورة تفاعلية، هي حالة الأزمة المفتوحة بصورة ملتبسة، أي غير واضحة من زاوية احتمالات التطور، وتسمح بمقاربات مختلفة بخصوص الطرف المنتصر، أو احتمال توازن القوى، بالتالي تفتح إمكانية الاستعداد على الترتيبات القانونية والتشريعية المختلفة أيضا، ذلك حتى ما قبل الانتهاء الفعلي العميق للأزمة، حيث يكون عمل القوى الفاعلة والنخب المرتبطة بها في إطار مقاربات وتوقعات مختلفة.

-4- بالطبع هناك خصائص عامة كثيرة متعلقة بموضوع الأزمة الوطنية الكبرى، وعناوين محددة خاصة بها، لكن ربما يكون من أكثرها أهمية وارتباطا بموضوعنا هو: معرفة أحد سمات الأزمة الأساسية المتعلقة بالنبذ والجذب، الطابع التقسيمي بمختلف الصيغ، أو الطابع التوحيدي، وتتأتى تلك المعرفة بمراقبة سياق التطورات، وتحديد طابع الأطراف المتصارعة، وعمل الأطراف الخارجية في إطار المطامع والصراعات الجيوسياسية، ودورمجمل العصبيات العاملة..الخ .

سيولد ذلك أكثر قوانين الأزمة الفاعلة خطورة، وعدم الانتباه لذلك يجعلنا كنخب من حيث لا ندري، أو ندري ونريدذلك، يجعلنا نعمل مع القوانين السلبية للأزمة، على تدمير الدولة والوطن، وعناصر القوة الجيوسياسية، باسم المركزية أحيانا، واللامركزية احيانا أخرى.

-5- وعلى الرغم من أن مفاهيمنا، والأسس والمبادئ، التي جردناها فكريا وثقافيا، وراكمناها، هي أساسا نتاج مجموع التجارب التاريخية في ميدان الأزمات الوطنية الكبرى، الثورية وغير الثورية، إلا أن مجموعات وفعاليات فض النزاعات والخبراء، يجدون أنفسهم في كل مرة رهينة نظرية وثقافية، وسياسية أحيانا، لنموذج عياني محدد، يقيسون عليه حلولهم المقترحة إلى وضعية خاصة.

– وبدون تلك المفاهيم المنهجية، تكثيفا وتفصيلا، وربما أخرى غيرها، من منطلق أخلاقي، أوإنساني، أوما نسميه أحيانا: الوجدان الوطني، تتحول الاجتهادات إلى جهد نظري ذهني، أو وسيلة عيش نخب وعلى حساب استمرار الأزمات، بكل الكوارث المرافقة.

ثانيا: مقاربة في طابع، وبعض أهم سمات الأزمة الوطنية السورية، وخطورة اللامركزية السياسية

لا شك بأن هذا العنوان، وما سيرد تحته، هو عنوان خلافي، هوعنوان لا يزال الانقسام الوطني السوري قائما في إطاره بصورة جوهرية، ثورة وشروط ثورية، سرقها الأصوليون، عسكرها وحولها النظام، ليست بثورة ولا وجود لشروط ثورية فعلية، بل ثورة مضادة بسبب الصراع بين مشروعين استثنائيين، الديكتاتورية والفاشية، أو مؤامرة خارجية بأدوات محلية وغريبة ..مع عدد محدود جدا من وجهات النظر الأخرى التلفيقية، أو المشتقة من، أو ملحقة بتلك الأساسية.

وهكذا سيكون واضحا أن ما أسعى إليه هنا، ليس حوارا ذهنيا في العنوان المعني( اللامركزية)السياسية منها بالتأكيد، ليس حوار خبير وخبراء قانونيين ودستوريين وتشريعيين، لتقديم مساهمات ومواد لمؤسسات متنوعة، تعتاش مع خبرائها على هكذا حالة، بل لحوار فيما وصلت إليه الأزمة السورية، وطابعها وسماتها، وحاجتها، أو عدم حاجتها في مسألة اللامركزية السياسية.

لكن وإذا افترضنا ضرورة المراجعة النقدية التي يجب أن تقدم عليها النخب الأكثر حيوية بعد ذلك الزمن المخيف بطوله على الأزمة الوطنية السورية، وإذا تجاوزنا المقاربات القديمة، مع صعوبة ذلك، لأنها شكلت وتشكل عموما منظومات تفكير، لا تزال ذات تأثير بصورة أو بأخرى حتى اللحظة الراهنة، ومع ذلك، سأنطلق من جهتي لأحاول تسهيل عملية المراجعة، وتسهيل الحوار في قضية اللامركزية، سأحاول طرح مقاربة تقاطعية بقدر الإمكان:

-1- بالتغاضي عن الأسباب والمسؤوليات والالتباسات الأولى، والخلافات حول طابع الأزمة، والأولويات، يمكن القول الآن أن الوضع القائم لا يمثل بأي صورة حالة قيام ثورة، ذات طابع ديموقراطي أو اجتماعي، ولا توجد شروط ثورية محيطة بذلك، وربما غدا العكس هو القائم.

-2- وعلى الرغم من استمرار الأزمة، والصراع بين المشروعين الاستثنائيين الرئيسيين،واستمرارالعنف، وكذلك استمرار وتفاقم التدخلات الخارجية، الاحتلالية، وغير الاحتلالية بمعايير وثائق المجتمع الأممي، على الرغم من كل ذلك، أعتقد أنه بالإمكان الإشارة الصريحة إلى أن هناك محصلة واتجاه رئيسي في الصراع بين المشروعين، أي أن مشروع النظام- السلطة وحلفاؤها هو الذي يتقدم وينتصر، وأن المشروع الآخر وحلفاؤه يتقهقر، وهو في وضعية دفاعية، صحيح أن الأمر يجري بوتائر بطيئة وكارثية من زاوية التكاليف والاحتمالات على الوطن ومستقبله، ولا تزال هناك حلقات خطرة جدا( ادلب والكتلة السكانية المقيمة والمهاجرة واللاجئة والدور التركي، شمال شرق سوريا، ومشروع الإدارة الذاتية والعامل الكردي والتشبيك القوي مع العامل الأمريكي، والتنف والعامل الأمريكي بذاته، وقضية التناقض والصراع مع طهران ودورها، والعامل المتعلق بالكيان الصهيوني، ودخوله على الحلقات كلها، وصفقة القرن وما سبقها من سياسات أمريكية بتقديم الهدية تلو الأخرى للكيان) على الرغم من كل ذلك، علينا أن ندرك ونأخذ بعين الاعتبار،المحصلة العامة واتجاه التطورات.

-3- إن التدخلات الخارجية بشكليها، والمطامع الخارجية المختلفة، خاصة التركية والصهيونية، وكذلك الاستراتيجية الأمريكية، والصهيونية والتركية، وكذلك وجود مشروع كردي بتحقيق أهداف خاصة متاحة، واجتماعهم في التفكير على أن سوريا باتت حلقة ضعيفة من زمان وقابلة للإستثمار، وتحقيق أهداف خاصة، وقابلة للتدمير الجيوسياسي، ومنع عودة شروطه القديمة، مع اللعب الناجح على الأدوات المحلية، وكتل اجتماعية محلية متنوعة، وإذا أضفنا سوية تعمق دور العصبيات في الحفر، وسوية تمترس السلطة وعدم إبداء أي جدية في الحوارات على كل المسارات، كل ذلك يؤكد بوضوح شديد، أن طابع الأزمة وما وصلت إليه شروطها، هو طابع نبذي، طابع يدفع إلى، ويشجع صيغ التقسيم، ووضعيات التقسيم بصيغة الأمر الواقع الذي يتثبت بإدامة تلك الشروط..وربما تأتي لحظة وشروط لصيغ ومشاريع تقسيم معلنة.

-4- ربما يكون الموقف الكردي عموما، والمشروع الذي ارتبط بفعالياتهم وأطرهم التحالفية، خاصة تحالف (مسد) وعلى الرغم من التراجعات فيه من فيدرالية إلى إدارة ذاتية، إلا أن قصة المركزية واللامركزية من منظور سياسي لم تطرح أبدا إلا في سياقه، أما النخب السورية الأخرى بخلافاتها، فإنها كانت متفقة على أن النظام الديموقراطي، هو شئ غي متناقض مع المركزية أو اللامركزية، المهم هو الانتقال العميق إلى نظام ديموقراطي، وفي العالم تجارب واسعة وعديدة جدا لا تخلق مثل هذا التناقض. والإصرار هنا على الطابع السياسي في اللامركزية، من أجل أهداف سياسية خاصة أيضا في أحد أهم وجوهها.

تلك الوقائع الخطرة تؤكد أن طابع الأزمة واتجاهاتها، هي نبذية، ودافعة للخارج، وتقسيمية، كيف يجب أن نفكر إذن، علينا أولا ألا نجامل أو نجاري، وألا نساير، وألا نتوافق مع طابع الأزمة هذا، وألا نقوم بأي جهد أو خطوة ثقافية أو سياسية في الترويج له، وأن اللامركزية السياسية هي الديموقراطية الحقيقية وبدونها لا قيام لنظام ديموقراطي.

-5- على العكس من ذلك، إذ يجب العمل على قطع مختلف الشروط النابذة، وطرح شكل ومحتوى لنظام ديموقراطي، إنما مركزي سياسيا، مع الخروج من مثل هذه الأزمة، وهذا متاح ومعروف وله نماذج كثيرة، علينا التركيز على قوة الدولة، على حتمية انتقال السلطات بوسائل ديموقراطية مراقبة، وعلى فصل السلطات…الخ.

-6- ولا بد أن تطوير أشكال الإدارات المحلية، بتطوير وظائفها والارتقاء بها، وتطوير وسائل قيامها الديموقراطية، سيكون مناسبا، بل هو الوحيد المناسب مع الخروج من الأزمة السورية.

-7- وكل هذا لا يتناقض مع ضرورة العمل الفعلي على صياغة دستور يأخذ بعين الاعتبار، ليس فقط أهم محتويات الوثائق الأممية في قضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان، بل إمكانية الضمان النصي على الحقوق القومية الكردية، وغيرها باختلاف ومعايير تجادل قضيتها الوطنية السورية، والقومية الأخرى، مع ربط كل هذا بالمستقبل الذي يسمح بتحقيق الأهداف الاستراتيجية القومية، من دون حروب متعصبة، أما الآن فإن أي تحقيق لأهداف قومية خاصة، كما يحصل في القضية الكردية، فإنه سيكون على حساب قومية أخرى، وسيخلق ردود فعل عميقة وعصبيات وحروب نازفة مستقبلا قريبا ولزمن طويل..

-8- سيقول البعض، لا يمكن الخروج من الأزمة بأمان معقول، من دون مراضاة الأطراف الفاعلة، مراضاة أطراف الانقسام الرئيسية، القادرة حتى الآن على متابعة تفعيل الأزمة وتغذيتها، خاصة ولا تزال هناك رهانات على مسارات الحوار الخارجي، وعلى التوافق الأمريكي الروسي، وعلى القرارات الدولية، ودور الأمم المتحدة، أو استمرار الضغط الأمريكي وحلفاؤه، أو حتى إمكانية إيقاع هزيمة في النظام ومشروعه، وكل هذا يمثل حالة اقتسام كعكة بين الأطراف، بحصص سياسية، ومشاريع خاصة..الخ.

لا بأس هنا تأتي أهمية الإنحياز في الموقف والمقاربة كمرتكز، على الأقل من أجل وطن ودولة وجغرافيا وسيادة، والكفاح لمواجهة أي مشروع تقسيمي، مع ترتيب الأولويات الصحيحة مجددا من أجل ذلك، ما عداه سيساهم في خلق دول وأوطان وشعوب وسيادات، قد بدأت فعليا، وقطعت أشواطا خطرة…، فلنطلق إذن حوارا غير ذهني، وغير فانتازي.

طباعة
هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها