aren

حول اللجنة الدستورية … هزيمة للفاشية، ومتابعة النظام إعادة إنتاج طابعه \\بقلم : أ.فاتح جاموس
الخميس - 3 - أكتوبر - 2019

سورية

 

أولا : سوتشي واللجنة

مرت حوالي سنة وثمانية أشهر على أعمال مؤتمر سوتشي للحوار الوطني السوري ، ويبدو كأن أحد مخرجاته الذي اتُفق عليه بشكل عام، وقد وقف على رجليه أخيرا، إنها : “اللجنة الدستورية”.

وفي تلك العجالة من الوقت ، خلال ساعات المؤتمر، أثيرت غالبية العناوين الهامة في هذا الملف : البنية العامة، حصة وموقع كل طرف : نظام، ومعارضة خارجية مسلحة ، ولسانات حالها، والمجتمع المدني، دور اللجنة في قضية الدستور، تعديل القائم أم صياغة آخرجديد؟ طرق اعتماد ما يتفق عليه، المرجعيات القانونية والسياسية، دور الأمم المتحدة، والمبعوث الخاص، أمكنة عقد الاجتماعات..الخ .

ولاعتقادنا ، أنه كان لسوتشي ، أهمية خاصة في قضية اللجنة وتطوراتها، بما فيها المحتملة القادمة ، لذا نرى أنه من المهم جدا ، التذكير ببعض القضايا التي حصلت في سياق سوتشي وداخله، وكذلك دور الأمم المتحدة وقراراتها بدءا من جنيف\2012\، وحال”المعارضات” السورية إن ذلك سيجعل موقفنا ، أكثر دقة في مقاربة ، وتقييم موضوع اللجنة الدستورية.

-1-  

في إطار استمرار التناقض الصراعي بين واشنطن وموسكو حول الأزمة السورية، والتطور العسكري واللوجستي الروسي الهائل في سوريا، كان لا بد لموسكو من خلق مؤسسات وصيغ، إن لم تكن بديلة لجنيف وقرارات الأمم المتحدة، فهي موازية لها على الأقل، خاصة بتطور التناقض بين أمريكا وتركيا، والدخول الروسي على هذا الخط.

-2-  

ولاحظت بعض أوساط المعارضة الوطنية الداخلية، بشكل خاص تيارنا( طريق التغيير السلمي) ،انسحاب روسي كامل من الوعود السابقة، بتحفيز وجود معارضة وطنية داخلية، ورعاية مؤتمرات حوار وطني داخلية، ومحاولة فتح هذا المسار، والطلب للنظام برفع قبضته الأمنية عن النشاطات المعارضة في الداخل، بل تحفيزه لحضورها، كل هذا تراجع كليا، وبدأت تتقدم فكرة مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي، وفكرة الدول الثلاث الضامنة(روسيا، تركيا، إيران) للعملية السياسية في سوريا.

-3-  

وفي سياق الإعدادات، كان واضحا جدا أن المؤتمر بكل ما فيه سيحصل بتوافقات روسية، سورية، تركية، وأن تمثيل الداخل سيكون طاغيا لصالح صف السلطة وموالاتها، مع إمكانية حضور بعض الأسماء النادرة المحسوبة على المعارضة الوطنية الداخلية، وذلك بتدخل روسي حصري، كامتداد لطابع العلاقة بين موسكو وهذه الفعاليات حتى زمن قريب( منهم كمثال رفيقنا فاتح جاموس).

-4-  

لكن وللحق، قام نائب وزير الخارجية، السيد سوسان، قبل المؤتمر بثلاثة أيام، بالاتصال برفيقنا فاتح جاموس، ودعوته للقاء وزير الخارجية السوري في قاعة الأوبرا للمسرح القومي، وعندما دقق رفيقنا عن محتوى اللقاء والبرنامج، كان الجواب بأنه لقاء وحوار تشاوري داخلي، لخلق جبهة وطنية داخلية، وصف داخلي موحد، في مواجهة الخارج ، ولما كانت هذه إحدى أطروحات تيارنا لمواجهة صف الفاشية والصف الأمريكي والتركي، وافقنا على حضور اللقاء مع الاستعداد له بورقة عمل خاصة إلى سوتشي.

-5-  

وفي دار الأوبرا، قبل عدة ساعات من إنطلاق الطائرات الناقلة للمندوبين، فوجئ ممثل تيارنا، بأن عددا كبيرا جدا قد حضر الاجتماع، وأن السيد وزير الخارجية، بدأ الحديث بأن بين يديه مشروع البيان النهائي للمؤتمر، وسيتلوه على الحضور ليكونوا بمحتواه، وأن هذه الصيغة هي التي تم الاتفاق عليها، ويرجو ويتمنى على الجميع ألا يحاولوا إطلاقا التشويش على الصيغة، أو محاولة إجراء أي تغيير عليها، وكاد ينتهي اللقاء، عندما اصر رفيقنا (فاتح) على التكلم، واحتج على ما حصل، معتبرا إياه صيغة إملاء على المندوبين، وأن السيد وزير الخارجية يستطيع فعل ذلك مع مندوبي النظام وموالاته، لكنه لا يستطيع ذلك على أي من المعارضة الوطنية الداخلية، مؤكدا أنه تلقى دعوة حوار وتنسيق لجبهة داخلية ضد الخارج، وها نحن نرى إملاءات، ولا نرى حوارا، وأنه رفيقنا لا يستطيع السكوت عما ورد من تناسي في القضية الوطنية والموقف من الاحتلالات والتركي القائم واللواء القديم، ولا يمكن الصمت ومجاملة دور الأمم المتحدة لأنه سيصب في صالح المعارضة الخارجية والصف الأمريكي والتركي..إلى آخر الملاحظات.

-6-  

وبهدوئه وأدبه المعروف ، رد السيد وزير الخارجية: إننا مع كل ملاحظاتك سيد فاتح، لكن صيغة مشروع البيان هي ما يريده أصدقاؤنا الروس، ولا نستطيع تغييرها، لكن أطمئنك والحضور، أن كل شيئ سيكون بصيغة تشاورية، وأن المرجعية وطنية داخلية، ولن نسمح بالدور الذي يطالب به ديمستورا والأمم المتحدة، وفيما يتعلق بالحوار الوطني الداخلي، نتمنى أن تعتبر مثل هذا الحضور بداية له..وبالفعل لم يكن ما حصل فعليا، وكذلك الوقت المتبقي يسمح بمتابعة أي احتجاج، أو حوار تنسيقي.

-7-  

أيضا للحق، وعلى المقلب الآخر فيما يتعلق بالمعارضة الوطنية الداخلية، فإن كل جهود تيارنا لخلق نواة صلبة ومتوافقة وشجاعة، من فعالياتها الأساسية باءت بالفشل قبل ذلك، وبغاية الإعداد لمؤتمر سوتشي بحد ذاته، وللحق أيضا كانت الشروط العامة السياسية والأمنية مناسبة لذلك، لكن بنية هذه الفعاليات، والرهابات القائمة من جهة السلطة، وسلوك السلطة، والأمنية بشكل خاص، المتعلق بمحاولات الإمساك ببعض رموز هذه الفعاليات باتباع وسائل متعددة، منها في حينه، الدفع ببعض الأشخاص إلى واجهة المنصة في المؤتمر باسم المعارضة الداخلية، لكن كان الأكثر حسما وأهمية ، هو بنية هذه المعارضة، ونهجها بعدم الدفاع عن صفها، والبروظة الذاتية، متجاهلة أن هناك كتلة اجتماعية غالبية، ليست في صف السلطة، وليست في صف الفاشية والاحتلالات، مستعدة لتشكل حاضنة فعلية ، لمعارضة داخلية شجاعة وصلبة.

-8-  

بالطبع من لحظة ذلك المشهد في قاعة الأوبرا، وعلى الرغم من وعود السيد وزير الخارجية فيما يتعلق بالحوار الوطني، فما حصل هو بالعكس تماما، ازدادت قبضة الأجهزة الأمنية شدة، ولم تتحقق أي خطوة حوار وطني جادة في المسار الداخلي، ليس هذا فحسب، بل صدر توجه أمني بمنع رفيقنا فاتح من الخروج على أي وسيلة إعلام وطني داخلية، ومن لحظة سوتشي حتى الآن منع من أي ظهور، نعتقد أن ذلك بمجمله وخصوصه، توجهات وقرارات سلطة عليا، لا تريد أبدا السماح بأي شرعية وجود معارضة داخلية، ولا نستطيع الجزم ، بأن للسيد وزير الخارجية ، يد بذلك، لكن وكما نعتقد فإن التذكير بهذه الوقائع مهم في مسار العملية الوطنية السورية، ومستقبل الوطن السوري المحاط بالاحتمالات الخطرة.

-9 

أما داخل جلسات ونشاطات المؤتمر وبنية وسلوك الأطراف، فكان ملفتا للنظر عموما:

خروج شديد الوضوح لكتلة صف السلطة والموالاة عن محتوى مشروع البيان، بشكل خاص في القضايا والعناوين الوطنية، تشدد في انتقاد الموقف التركي والأمريكي، ورفض شديد لدور المبعوث الدولي، والإصرار على أن كامل البيان، وبشكل خاص ما يتعلق باللجنة الدستورية، هي أشياء استشارية فحسب، ولكن جاءت الأوامر بالصمت والقبول بموقف الضبط الروسي لمجموع الأطراف، وطرحت أسماء للجنة، باستبعاد إشراك أي معارض وطني داخلي جاد، أي احتكار شديد من قبل ممثلي السلطة، وموالاتها.

ظهرت خلافات صف المعارضة الخارجية بين مقاطعة الهيئة العليا، وبعض جماعات آستانا، وحضور أربع فعاليات (منصة موسكو، تيار الغد، قمح، السيدة قسيس) بحماس، اعتقادا منهم أنهم سيحتكرون بدورهم الأهمية الأولى داخل المعارضة، حصل ذلك مع أنهم جميعا، المقاطعون، والحاضرون تجمعهم أساسيات منظومة المعارضة الخارجية، بشكل خاص، القبول بالدور الضاغط والتدخلي للخارج الأمريكي والتركي، بصورة مباشرة، أو عبر دور الأمم المتحدة والمبعوث الخاص، والتركيز الجديد على فكرة اللجنة الدستورية، واعتبارها مدخلا ووسيلة لاستراتيجيتهم وبرنامجهم في الصراع والخروج من الأزمة، أي الانتقال إلى استراتيجية اقتسام الكعكة مع النظام، بدلا من الأهداف الأولى الجذرية ، والمغايرة.

حضور روسي كثيف وفاعل، مع جهود هائلة لضبط التناقضات، وتمرير مشروع البيان، والتأكيد على دور الأمم المتحدة والمبعوث الخاص والقرارات الدولية، وتمرير العديد من العناوين بالتباسات، لتتم تسويتها لاحقا، كما حصل فعليا، بدا الموقف الروسي (بإشراف السيد لافرنتييف)، وكأنه مختلف ومتناقض مع موقف ممثلي السلطة وموالاتها، على الرغم من الاتفاق المسبق مع السلطات السورية الفعلية.

ثانيا: مؤثرات أخرى في قضية اللجنة

-1-

وكان واضحا أن موضوع اللجنة لن يكتسب أي شرعية دولية، ولن يتحقق، إلا بمراعاة الأطراف الأخرى في الصف الأمريكي والتركي، وهكذا مر زمن طويل حتى تم الاتفاق القائم، وبه تأكد الضغط والحضور الأمريكي والتركي والخليجي، وتأكد شكل وجوده الآخر عبر دور الأمم المتحدة ومرجعية قراراتها.

-2-  

وعلى اعتبار أن السلطة التركية لاعب كبير جدا وخطير، وقادر على تحقيق هامش واسع من الفعل والمصالح بين الأطراف، خاصة الروسي والأمريكي، فقد تمكن أساسا من تحقيق الصيغة التي استقرت، وبذلك شطب كليا على إمكانية الحضور الكردي عبر تحالف مسد، وعلى الأرجح مع إدارة ظهر سوري- روسي، أو الموافقة على ذلك، كما استطاع الأمريكي فرض الصيغ المرجعية والقانونية، وهو ما سيبقى حجة في أي تدخل لاحق.

-3-  

لكن بذلك فرض الصف الأمريكي- التركي- الخليجي حضور معارضات مختلفة بالعديد من مواقفها، وهي كذلك حتى داخل إطار الهيئة العليا للتفاوض، وذلك على الرغم من الإيحاء بأن صف المعارضة الممثلة( الخمسين) بأنها منسجمة، وإذا أضفنا إلى هذا الاحتجاج الكردي، لغياب تمثيله، والاحتجاج الأخواني لضعف تمثيله، نستطيع مقاربة إشكالات اللجنة بصورة أفضل، ومقاربة الحرية والهامش الذي يتمتع بهما النظام تجاه عمل اللجنة مستقبلا.

-4-  

ومن المهم بمكان أن نتذكر تاريخ العلاقة السورية- الروسية، وخاصة السورية مع دور الأمم المتحدة وقراراتها، ودور المبعوث الخاص، أن نتذكر بأنها كانت سياسات تصريف وقت، وسياسات التقدم العسكري والجغرافي على الأرض، أن نتذكر استمرار تناقض النظام مع الطرف الأمريكي والتركي والخليجي وصفه، وأدواته الأصولية الفاشية، أو لسانات حالها المعارضة الخارجية المتعددة، وتشدده حتى في لحظات أقصى ضعفه.

ثالثا: مقاربة وتقييم لقضية اللجنة الدستورية

مدخل:

إن بعض أهم الأسئلة ، التي يجب الإجابة عليها في هذا الخصوص ، هي: في المحصلة العامة، من الذي سيتسفيد أكثر بإطلاق اللجنة الدستورية بكل اشتراطاتها القائمة فعليا؟ من الذي قدم تنازلات أكثر بالمقارنة مع موقفه الأول، صف السلطة وحلفائها، أم صف المعارضة الخارجية وحلفائها؟،هل تشكل اللجنة في كل ذلك إنجازا إيجابيا بالمعنى الوطني العام وضرورات الخروج من الأزمة، وفي أي مستوى ذلك، وهل يجب دعمه وتطويره؟ هل يعني تشكيلها استقرار التناقضات والصراعات في الأزمة السورية على ما هي قائمة عليه؟ كيف يمكن تصنيف هذا التوافق شكلا ومحتوى من منظور آفاق واحتمالات تطور الأزمة؟ حالة المعارضات داخلها، وموقع المعارضة الوطنية الداخلية في كل ذلك؟

-1-  

في حقيقة تركيب البنية، الأشخاص والصفوف والانتماءات والمواقع، التي يفترض أنها الأساس الشكلي، كما الأساس البرنامجي للنتائج، وعلى ضوء الزمن الطويل والتدقيقات والجهود، فإن الأمر في أحسن حالاته، يمثل انقساما متساويا على نصف بنصف، بين ممثلي النظام، والمعارضة الخارجية، وكذلك النصف على التدقيق والقبول المتبادل لما سمي بممثلي المجتمع المدني، فهم ممثلون بدون أي استقلالية عن السلطة في الداخل، وكذلك عن قوى التدخل الخارجي، وعلى رأسها الأمم المتحدة، وطرقها وقوى النفوذ فيها، ومؤسساتها في صناعة الممثلين، إن غياب أي تمثيل للمعارضة الوطنية الداخلية، يجعل أي استقلالية فعلية غائبة عن المنهجية وطرق التفكير ، والتفاصيل الأساسية.

بالتالي ، اللجنة تمثيل شديد الوضوح ، لطرفي الصراع الرئيسيين والفاعلين في الأزمة، وكي لا يبدو موقفنا اتهاميا، نعتذر إن كانت هناك أي حالة مستقلة فعليا، أو ستصبح مستقلة بعد وصولها، وفي كل الأحوال مثل هذه الحالات ليست فاعلة، أو مؤثرة أبدا، وحتى لو وجدت بعض رموز المعارضة الداخلية الجادة، مثلا تيارنا، فالأمر لن يتغير أبدا، إلا بإمكانية نقل الحقائق، وإمكانية طرح تصورات الكتلة الاجتماعية الغالبية ، ونخبها المعارضة المفترضة، بفعالية ضعيفة جدا.

-2-  

وفي مثل ذلك التدقيق والانقسام النصف- نصفي، لتركيبة وبنية اللجنة، يمكن بروز حالات اختراق جزئية متبادلة، خاصة في وسط ما سمي بممثلي المجتمع المدني، وبتبادل الاتهامات أو بدونه في مثل هذه الاختراقات، فإنها لن تكون فاعلة، لأن التقنيات الأساسية في عمل اللجنة، تقضي على كل ذلك.

-3-  

وما تسرب من تقنيات وآليات عمل اللجنة وتوافقاتها، لا تسمح أبدا بأي استنتاج أن النظام مضطر لتقديم أي تنازل، في أسوأ الحالات تستطيع المعارضة الخارجية، كما يستطيع النظام، تعطيل عملية التنسيق على أي تفصيل غير توافقي، عبر حتمية توفر نسبة خمس وسبعبن في المائة على كل قرار ، أو توجه من اللجنة.

-4-  

كما لا نظن أن هناك من يعتقد بانتهاء الصراعات الأساسية في الأزمة السورية، فهي مستمرة برأينا بشدة، وتحتمل مخاطر وطنية كارثية، من احتمالات قيام صيغ تقسيم متنوعة، إلى عنف مديد، إلى عملية اقتسام كعكة بين الأطراف المتصارعة الآن، ضد المصالح الوطنية العليا، خاصة بسبب وضع الحلقات الثلاث (التنف والعامل الأمريكي، شمال شرق سوريا والعامل الأمريكي الكردي، إدلب والعامل التركي)، وحلقتين ثانويتين لا يمكن إهمالهما في (السويداء ودرعا)، والتركيز الخارجي عليهما.

ويعني كل ذلك ، إشكالية كبيرة بخصوص كامل فكرة اللجنة، فهي ستعمل، أو تحاول العمل، والأزمة بحالة اشتداد واحتمالات تطور خطرة، أو بحالة متابعة مفتوحة، وإذا اعتقدنا أن أي عمل دستوري وقانوني للخروج من الأزمات الوطنية الكبرى، هو نتاج نهاية أو استقرار صراع متوازن في هذه الأزمة، نستطيع التأكيد أن عمل هذه اللجنة ، هو من الحركة لاستمرار الصراع، هل هذا ممكن؟ وهل سيجلب نتائج إيجابية؟ لا نعتقد ذلك أبدا، وستكون اللجنة مكانا لشد الشعر، وتصريف الوقت من جهة الطرف المتقدم في الصراع، وهو النظام في هذه الحالة، ريثما تتحقق وقائع لوجستية إضافية في صالحه، وضد المشروع ، والجهة الأخرى.

-5-  

ويساعدنا في تلك المقاربة، كامل نهج النظام وممارساته في تناقضه وصراعه مع الفاشية الأصولية وحلفائها الخارجيين، وكان حلفاؤه، بشكل خاص موسكو وطهران في موقع المساعدة في ذلك، بدءا من جنيف(واحد) إلى 2254، إلى أستانا ، إلى سوتشي، كان متشددا، ومصرا على إدارة الصراع دون أن يقدم شيئا ذا قيمة سياسية للطرف الآخر، صحيح أنه كان يحاول دائما إدارة الأزمة بصورة أحادية احتكارية، ويحاول إعادة إنتاج نفسه وطابعه الاستثنائي، لكن صراعه ضد الأصولية الفاشية وحلفائها، كان جادا وجذريا في العديد من وجوهه،ولا يزال، وسيستمر ذلك النهج والصراع عبر وداخل اللجنة الدستورية، ومقارنة الشروط الآن ،وسابقا ، تسمح بالتأكيد أنه غير مضطر لتغيير نهجه، وغير مضطر لتقديم تنازلات للطرف الآخر.

-6-  

ومن الواضح أن صف النظام وموالاته، وحلفاءه من الخارج، هم أكثر انسجاما وتماسكا، بينما صف المعارضات الخارجية، متناقض، وتضربه العديد من الخلافات، وحتى الحلفاء الخارجيين لذلك الصف، تقوم بينهم تناقضات غير بسيطة، ولا تستطيع الآن واشنطن قيادة ذلك الصف بمجمله، كما لا تستطيع تركيا ذلك، ولا السعودية، وكل هذا نقاط قوة للنظام، تجعله داخل اللجنة قادرا على التأثير واللعب ،وتصريف الوقت، ومراكمة تفاصيل المزيد من إيقاع الهزيمة في الصف الأصولي الفاشي ،وحلفائه.

-7-  

من حيث الشكل ، يبدو التوافق على اللجنة، وكأنه موافقة من جهة النظام استباقية، مبكرة، على حسابات مستقبلية قد تضطره على تكتيك اقتسام الكعكة مع المعارضة الخارجية وحلفائها، وبأخذ مرجعيات جنيف وقرارات الأمم المتحدة، يبدو الأمر ليس شكليا فحسب، بل يوحي أنه قائم في المحتوى، يبدو أن النظام تعب، أو خائف من تطورات جديدة، أو ان هناك ضغوطا روسية عليه لتقديم تنازلات، والبعض يعتقد أن الروس لا يستطيعون الاستمرار بدورهم من دون مثل هذا المشروع، لا بأس.

لكن ، وحتى الآن ، لا وجود لوقائع تهدد بغياب أو تغيير الدور الروسي، خاصة في العملية الانتخابية داخل روسيا، ولا توجد أي إشارة إلى أن تخوفاتهم الاستراتيجية ، قد توقفت تجاه الأصولية حولهم، واحتمال توريط واشنطن وأوروبا لهم بمستنقع عنف مفتوح مع الأصولية، بالتالي تحالفهم مع النظام متماسك وجدي، ولهم مصالح عميقة به، حتى ولو اضطروا لتحمل تكاليف متنوعة عالية، وشروط النظام الآن أفضل بما لا يقارن مع الماضي القريب، فلماذا سيجد نفسه مضطرا لسياسة التنازلات، أو سياسة اقتسام الكعكة؟ نحن لا نعتقد ذلك أبدا.

-8-  

وفي الإطار الموضوعي العميق، فإن فكر وثقافة ونهج وسياسات النظام وحزبه ( حزب البعث) ، لم تتخلى أبدا (على الأقل في الحقول الذهنية والثقافية والفكرية والإعلامية) عن المواقف المتشددة وطنيا، نقول هذا بالتغاضي عن موقفنا لكيفيات استغلال النظام لذلك تجاه قضية الديموقراطية، استخدامها بعنف إضافي، لإدامة وجوده السلطوي، هكذا إذن لا نعتقد أن النظام قد غير تلك السمات، وأنه الآن بصدد مشروع لاقتسام كعكة غير وطني.

-9-  

أخيرا ، لماذا يخطر ببال البعض ، أن النظام سيقفز فوق بنيته، وتركيبته، ونهجه، وممارساته، أي من حالة استثناء ديكتاتوري واحتكاري للسلطة، وإدارة كل شئ ، إلى شئ نقيض وتجسيدة بمشروع اقتسام الكعكة؟ لا شئ في الأرض حتى الآن ، يضطره لذلك، خاصة وأن مشروع الأصولية وحلفائها يتقهقر، ومشروع السلطة وحلفائها يحقق انتصارات جادة، صحيح أنه لن يتمكن من إعادة إنتاج نفسه وطابعه على هيئة الفوتوكوبي للسابق، لكنه يعيده وسيعيده مع الكثير من الروتوش ، والتفاصيل المفيدة في ذلك.

رابعا، أخيرا : بعض أساسيات موقفنا من اللجنة ،وما يثار في احتمالات تطور عملها

-1-

لطالما ان طابع الصراع، وأولويات المهام البرنامجية فيه، لم تتغير من منظورنا ورؤيتنا، وطالما أن النظام ليس بصدد استراتيجية اقتسام الكعكة مع المعارضة الخارجية وحلفائها، فإننا مطمئنون أن خطوة اللجنة الدستورية كما هي لتصريف الوقت، وإن اتضح أن الأمر غير ذلك لأي سبب، فإننا سنعمل كل طاقتنا مع كتلة الغالبية ونخبها، لمواجهة أي حل لا قتسام الكعكة مع المعارضة الخارجية، وحلفائها في الصف الأمريكي والتركي، وسيكون النظام بالنسبة لنا في مثل هذا الاحتمال والحالة، كما هو حال المعارضة الخارجية، سيكونا في صف واحد، وموقع واحد، ومن الواضح أننا في موقفنا هذا نطمئن إلى موقف النظام، أكثر من المعارضة، خاصة وأن مهمة مواجهة الفاشية والاحتلالات ، لا تزال هي المهمة المركزية الأولى.

-2-

بالتأكيد نعتقد، وبقوة، أن لجنة مختلفة بتركيبها وبنيتها، من النظام، والمعارضة الداخلية، وكتلة الغالبية الاجتماعية، وفعاليات المجتمع المدني المتحررة من قبضة السلطة، مثل هذه اللجنة ، هي الوسيلة الحاسمة في الحوار الوطني الداخلي ومتابعة مساره، وسيكون عملها في هذه الحالة، الحوار الوطني الداخلي التوافقي، وغير المشروط، وإنجاز خطوات تراكمية وتدريجية في الخروج من الأزمة، إن وجود مثل ذلك، حتى إلى جانب اللجنة القائمة، سيكون مفيدا، وسيشكل مخرجا، ليس فقط في حدود اللجنة الدستورية ومهامها، بل في كامل قضية المرحلة الانتقالية ، والخروج من الأزمة.

-3-

وعلى الرغم من قناعتنا، السابقة والحالية، أن النظام ليس بوارد فتح المسار الداخلي، والحوار الوطني الداخلي ، التشاركي ، والتوافقي، في المدى المنظور، وأنه لن يقدم ذلك للمعارضة الداخلية على صحن من ذهب، فإننا لن نغير منظومتنا، ونعتقد أن نواة جادة وشجاعة من نخب المعارضة الوطنية الداخلية، ستكون قادرة بالتدريج الكفاحي على فرض ذلك، واتباع مسار في الخروج من الأزمة لصالح الوطن، وليس لإعادة انتاج النظام لذاته وطبيعته، وهو يحقق هزيمة الفاشية.

-4-

ومع اعتقادنا أن وجود المعارضة الوطنية الداخلية في مثل اللجنة القائمة، لن يكون فعالا، ولن يغير الأمور، إلا أنه كان سيمثل حالة أفضل في مجمل الأزمة السورية، وفي هذا السياق، سنعمل مع العدد النادر من بعض الشخصيات في اللجنة على التنسيق ، والتعاون لطرح منظومة المعارضة الوطنية الداخلية، ولن نتوقف عن التحريض ، والدعوة من أجل خلق قطب للمعارضة الداخلية، وفتح مسار الحوار الوطني الداخلي.

تيار( طريق التغيير السلمي) \3\10\2019\

طباعة
هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها