aren

حكومة أصحاب الرؤية وحراس الهيكل \\ كتابة : ناصيف حتى
الثلاثاء - 26 - نوفمبر - 2019

 

المركب اللبنانى يغرق والركاب يتقاتلون حول «جنس الحكومة». هل تكون حكومة تكنوقراطية مكونة من خبراء أو أهل اختصاص أم تكنوسياسية، أى حكومة سياسية ولو بوجوه مختلفة تمثل الأطراف السياسية ذاتها «مطعّمة» بخبراء وهو ما يسميه البعض عملية تجميل لحكومة سياسية تقليدية.

يمر الوقت ونشهد مزيدا من الانهيار الاقتصادى والمالى والتأزّم السياسى الذاهب بنا بسرعة نحو الهاوية. وإذ يدرك الجميع ويردّد ويحذر أن عنصر الوقت أساسى لكن هذا العنصر يبقى مغيّبا أمام حسابات الصراع السياسى الذى انفجر بشدة عبر كيل الاتهامات المتبادلة بالتسييس: طرف يتهم الآخر بمحاولة ركوب موجة الحراك لتغيير المعادلة السياسية التى تحكم لبنان وذلك لمصلحة «الحليف الغربى» فى صراعه مع إيران، والطرف المواجه يتهم جماعة السلطة الفعلية بأنهم إذ يدعون تأييد الحراك فى أهدافه الاقتصادية لكنهم يعطون الأولوية القصوى للحفاظ على المعادلة السياسية القائمة والحاكمة وعدم المساس بها خدمة لمصالح «الحليف الإقليمى».

فلبنان يبقى «ورقة» فى الصراع المحتدّ والممتدّ فى المشرق وتحديدا حول سوريا. الخطر الجديد أو العائد من بعيد الذى يهدد بأزمة نظام مفتوحة، من مظاهرها شلل السلطة وعدم تشكيل حكومة «ميثاقية» تحظى بتوافق بين جميع ممثلى المكونات اللبنانية، يتعلق بالاتهامات المتبادلة بالمسّ بقواعد وأسس النظام والدستور والميثاقية التى تعنى التشاركية بين المكونات المذهبية الرئيسية.

وقد ازداد التراشق حول تطبيق اتفاق الطائف فى الذكرى الثلاثين لولادته. نسمع اتهامات متزايدة حول من يريد التمسك به ومن يريد إسقاطه إلى جانب حصول صدام فى تفسيرات واجتهادات حوله. ويرى كثيرون أننا نعيش أزمة نهاية الجمهورية الثانية التى تأسست على اتفاق الطائف وإن الباب فتح فى الزمن غير المناسب لصراع لبنانى ــ لبنانى جديد حول الطائف. ونذكر أنه بعد خروج سوريا من لبنان والتى كانت الراعى أو المكلف من «الخارج»، على الأقل فى البداية بالسهر على تنفيذ الطائف، حصلت أزمة كبيرة كادت تهدّد السلم الوطنى ودفعت إلى بلورة اتفاق الدوحة عام ٢٠٠٨. الاتفاق الذى أعاد الاستقرار على أساس صياغة تفاهمات حملت أعراف جديدة لتقاسم السلطة بالفعل. لكن زمن الدوحة قد ولى، إذ جاء حينذاك فى فترة غياب صراع إقليمى حاد مقارنة مع الوضع الراهن. وقد ولد اتفاق الدوحة من رحم تفاهمات إقليمية فى اللحظة الأخيرة.

المناخ الإقليمى اليوم مناقض بشكل كبير للمناخ الذى أنتج «الطائف» وبعيد كل البعد عن المناخ الذى أنتج الدوحة. نحن نشهد مواجهة تزداد حدة فى المنطقة، وخاصة فى سوريا فى تبادل الرسائل بين الأطراف المتصارعة حول سوريا. كما نشهد حرائق ولو بدرجات مختلفة من السخونة والانتشار فى العراق وفى لبنان وكذلك فى إيران. وتعتبر طهران وحلفاؤها أن ما هو حاصل مؤامرة مدبرة فى الزمان وفى المكان لاحتواء إيران وإضعافها وإخراجها لاحقا من مناطق نفوذها فى المشرق العربى. وتردّ إيران وحلفاؤها بقوة على ما تعتبره مواجهة مباشرة معها فى الحرب الأمريكية ضدها.

قد نكون فى لبنان بحاجة لـ«دوحة» جديدة. لكن هذه تستدعى شبكة أمان خارجية غير متوفرة حاليا. إذ نشهد اليوم مواجهة حادة مع حدوث متغيرات عديدة فى التوازنات الإقليمية وتغيّر الأولويات خاصة حول سوريا، وكذلك فى التوازنات الداخلية اللبنانية إلى جانب ما أشرنا إليه بالطبع من ازدياد الحديث حول فتح ملف الطائف أيا كان العنوان الذى يحمله هذا الطرف أو ذاك. وهو ما قد يفتح الباب أمام المجهول. ولا بد من الإشارة فى هذا الخصوص إلى أن قيام الدولة المدنية فى لبنان، رغم العديد من المعوقات أمام ذلك، يبقى الحل الوحيد لبناء الاستقرار المجتمعى بعيدا عن رقصة الكراسى الموسيقية للمذهبيات السياسية اللبنانية التى تحاول كل منها توظيف تحالفاتها الخارجية فى لحظة معينة للانقضاض على مواقع الآخرين وتعزيز موقعها فى التركيبة السياسية الطائفية.

فى ظل تفاقم هذه الأوضاع وانفتاحها على أزمات مختلفة الأوجه، ماذا علينا أن نفعل كلبنانيين:

أولا: هل نستمر فى سياسة تبادل الاتهامات وتحميل الآخر مسئولية ما آلت إليه الأوضاع بانتظار حصول صفقة خارجية كبرى تقوم على تفاهمات شاملة حول المنطقة ومن ضمنها «الملف» اللبنانى. ونحن حاليا بعيدون كل البعد عن احتمال حصول هذه الصفقة فى المدى المنظور.

ثانيا: هل ننتظر حصول احتواء وتجميد وترحيل الأزمة فى لبنان عبر تفاهم عملى يشجع عليه ويدعمه «الخارج»، وتحديدا بعض أطرافه الناشطة حاليا، وذلك عبر ترتيبات مرحلية، وقد تبقى هشة، لتلافى حصول انفجار كبير يعرّض مصالح الجميع للخطر.

ثالثا: هل يبادر أصحاب القرار وأصحاب الرؤية، فى لحظة وعى متبصّر لخطورة المسار الذى أخذه الوضع اللبنانى، لمحاولة معالجة أسس الخلل وإيجاد توافقات على قواعد سياسية واقتصادية إصلاحية تشكل قطيعة مع السياقات القائمة وتكون بمثابة برنامج عمل لحكومة «مشتركة» تضم ممثلى الأطراف السياسية الأساسية يكونون وزراء دولة ويقومون بدور «حراس الهيكل» بغية توفير الطمأنة السياسية لمن تساورهم الشكوك والمخاوف السياسية، إلى جانب مشاركة أصحاب الرؤية والخبرة والكفاءة والتفكير الحر والكفّ النظيف لبلورة برنامج يعكس رؤية اقتصادية اجتماعية شاملة ومتكاملة تكون بمثابة استراتيجية إنقاذ وطنى تساهم فى تحصين وتعزيز المناعة الوطنية فى مرحلة العواصف الشديدة والمرتقبة. ولا بد من التأكيد أن أصحاب التفكير الحر لا يعنى أن لا رأى سياسى لهم فى هذا الأمر أو ذاك، بل هم غير منطوين سياسيا أو عقائديا فى هذا الحزب أو ذاك.

إن حكومة من هذا النوع وحدها الكفيلة بالعمل على معالجة موضوعية وفعّالة وشاملة للعناوين والمطالب التى حملها الحراك الشعبى، وهى مطالب تعبّر عن أوجاع ومآسى ومعاناة الشعب اللبنانى من جهة، كما تعبّر عن تطلعاته وطموحاته المشروعة بالحياة الكريمة من جهة أخرى.

إن حكومة من هذا النوع لما تحمل من مصداقية، وحدها الكفيلة بالحصول على ثقة ودعم المجتمع الدولى وهو ما نصبو إليه أيضا للانطلاق فى مسيرة إعادة البناء الوطنى.

“الشروق”المصرية

طباعة