aren

حرب الكورونا… والحروب الأخرى \\ كتابة : سمير العيطة
الإثنين - 6 - أبريل - 2020

202043233153673637215535136738408

أغلب البشرية في حالة حجرٍ صحي لنحو شهرين. وبالتأكيد سيأخذ رفع هذا الحجر عدة أشهر لعودة الناس تدريجيا وممارسة أعمالهم ثم العودة للتواصل بين مناطق البلد الواحدة، وبعد ذلك بين البلدان. التخوف الكبير هو في عودة فيروس كورونا المستجد للانتشار سريعا ووقوع أعداد كبيرة من الضحايا في حالة الخروج من الحجر بشكلٍ عشوائى.

بالطبع سيكون لهذا كله تداعياته الاقتصادية. فقد قدرت خسائر كثيرٍ من البلدان خلال فصلٍ واحدٍ (ثلاثة أشهر) من السنة بـ50% من الناتج المحلى، أي ما يعادل تقريبا ما خسرته سوريا فى حربها الأعوام التسع المنصرمة. لكن على عكس سوريا لم يدمر كورونا قاعدة الإنتاج، إنما يختلف الخبراء حول عدد السنوات اللازمة لاستعادة النهوض. ذلك أن طبائع الاستهلاك تغيرت وستتغير أيضا أكثر فأكثر من جراء الأزمة. وسيتم استهلاك المدخرات، وكثيرٌ من الشركات ستُفلِس، وستفقد العديد منها مواردها البشرية بينما ستستفيد أُخرى من الفرصة لتُعيد تنظيم طرق استخدام عمالتها. كما سيتغير توزع النشاط الاقتصادى بين القطاعات والدول. هكذا ستُعيد أزمة الفيروس، بالنتيجة، تنظيم الاقتصاد العالمي المعولم.

لكن الوباء ستكون له مفاعيل أكبر على صعيد الاقتصاد السياسي. أهمها عودة إلى مركزية دور مؤسسة الدولة. ليس فقط لأنه لا خيار سوى الركون لإدارتها الإجراءات الاحترازية ولتأمين الطواقم الصحية ومستلزمات المستشفيات والكمامات والأدوية وغيرها في سوقٍ عالمية لا يُمكن أن تجد توازناتها وحدها. بل أيضا لتدارك آثار الأزمة على الاقتصاد من ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتقلص دخل المواطنين ومدخراتهم، وصولا إلى انهيار النشاط الاقتصادي.

بالطبع ستستفيد السلطات القائمة من هذا الوضع في كل بلد لإرساء هيمنة لم تكن لتحلم بها في أي وقت. إنها القادرة على إنقاذ هذه الفئة من السكان أو تلك، وهذا القطاع من الاقتصاد وليس ذلك، صحيا واقتصاديا. كما أنها ستتعدى بحكم الواقع على الحريات والخصوصية الفردية ومراقبة جميع السكان. من أصابه الفيروس؟ ومن التقى معه؟ ما يفتح مجالا للاستبداد حتى في أكثر الدول ديموقراطية.

لكن بالمقابل ستجلب الأزمة محاسبات لسياسات الدول خلالها، كما خلال ما سبقها. هكذا سيؤدي الوباء إلى مراجعة كبيرة للسياسات الصحية، خاصة فيما يخص تجهيز المستشفيات الحكومية والمخزونات الاستراتيجية لبعض المستلزمات الطبية الأساسية. فلطالما نصحت المؤسسات الدولية بتخفيض الانفاق الحكومى على الصحة. وها هي آثار فروقات السياسات الصحية تبرُز بين بلدين أوروبيين رئيسيين مثل فرنسا وألمانيا. كذلك سيظهر موضوع التأمين الصحي العام كأولوية وكقضية سياسية واجتماعية كبرى. ليس فقط في الولايات المتحدة بعد أن ألغى رئيسها الحالي منظومة الحد الأدنى التي وضعها الرئيس الأسبق، بل خاصة في مجمل الدول التي يعمل أغلب ناشطيها فى الاقتصاد بشكلٍ غير مهيكل، أى دون عقود وتأمين صحي، لحسابهم الخاص أو كأجراء مؤقتين. هؤلاء يشكلون مثلا أكثر من 60% من المشتغلين فى البلدان العربية حتى خارج قطاع الزراعة.

وبالنسبة للمعنيين، لا يرتبط الأمر فقط بضمان علاجهم فى مستشفيات حكومية مجانية تقلص دورها بشكلٍ كبير، أو خُصِصت للمواطنين فى دولٍ أغلب سكانها عمال أجانب، بل أيضا فى ضمان الحد الأدنى من الدخل للعاملين خلال أشهر الحجر الطويلة لتأمين حاجاتهم الأساسية. إن مسئولية ضخمة تترتب على مؤسسة الدولة فى هذا الخصوص. وربما هنا سيكون مكمن احتمال عدم إعادة انتخاب الرئيس الأمريكى. والأمور أشد وطأة فى بلادٍ، العربية بينها. فمن سيموت جوعا لن يهمه أن يموت بالوباء. والحساب الاجتماعى لتداعيات المعيشة سيكون قاسيا.

في مجال الاقتصاد أيضا، سيكون الأمر أشد وطأة فى البلاد العربية. إذ أن أسس الاقتصاد الريعى تتداعى، انطلاقا من موارد النفط إلى قطاعي المصارف والعقارات. بالطبع ستتعثر المصارف، أكثر مما هي الآن كما في لبنان. وستتفجر مسألة الدين العام الحكومى حتى إن لم يزِد سوى الإنفاق الصحى الضرورى، إذ ستنخفض إيرادات الرسوم والضرائب فى جميع الأحوال. فقط سيتحسن ريع قطاع الاتصالات والانترنت. لكن ستبرز هنا في المقابل قضية معرفة عما إذا الاتصالات والانترنت خدمة عامة، تلتزم الدولة تأمينها بأسعار مقبولة، كالماء والكهرباء؟ فلنتصور لو أتى الحجر الصحى في زمنٍ لا توجد فيه وسائل التواصل هذه؟ وهل يُمكن لفاتورة الاتصالات أن تصل للتساوى مع تلك المترتبة على سبل المعيشة الأساسية؟

تُشكِل كل هذه الأمور تحديات حقيقية للعلاقة بين المجتمع والاقتصاد والدولة، سيكون لها تداعياتها لزمنٍ طويل. وسيتوقف نجاح وتيرة الانتعاش من جديد بشكلٍ حاسم على السياسات التى يتم اتخاذها خلال الأزمة، كما صرح صندوق النقد فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية لمؤسسات الدول، بعد أن أشار إلى أن أزمة الوباء لا تُشبِه أية أزمة أُخرى، وأنها تشبه الحرب وهي فى كثير من المجالات حربٌ حقيقية.

وهذه الحرب سيكون لها مفاعيلها على البلدان التى تشهد أصلا حروبا أكثر تقليدية إذا صح التعبير، كما فى سوريا. إذ إن حرب الكورونا تكبح غيرها من الحروب الأخرى عمليا لأشهرٍ طويلة. وبالتالى سيترسخ الأمر الواقع القائم آنيا لفترةٍ تستفيدُ منها القوى المهيمنة على الأرض. لكن هذه الفترة تشكِل بالمقابل فرصة للمبادرة بإرساء أسس إنهاء الحروب الأخرى. وهنا تقع المسئولية أولا وأساسا على السلطة القائمة. فهي تستطيع استغلال فترة الحظر في معالجة قضايا تُعتَبَر الأكثر إيلاما للمواطنين والأكثر تسببا للتفرقة. فهناك توضيح مصير المعتقلين السياسيين والإفراج عنهم كي لا يتفشى الوباء في السجون وضمن ظروف الحجر الصحي.

وهناك ملفات أخرى على رأسها مراجعة سياسات «إعادة الإعمار» المُجحِفة التي تم إقرارها وإرساء سبُل للتشاور مع مجتمعات المناطق المدمرة حول حقوق الملكية وخيارات إعادة الإعمار. وهناك ملف إعادة النظر في قضايا الإدارات المحلية ومنحها سلطات حقيقية في إدارة شئونها. ودون نسيان وضع سياسات عامة حول تعويض الدمار والأضرار والضحايا التي نجمت عن الحرب الأهلية وسبل عودة النازحين واللاجئين آمنين إلى مناطقهم، والتي لن يكون تمويلها أشد وطأة من تمويل تداعيات حرب الفيروس. كذلك هناك ضرورة التعاون بين الهلال الأحمر السوري مع المنظمات الأخرى العاملة فى الصحة فى المناطق الأخرى. وملف أساسى آخر يكمُن في تحديد أسس ضمان أن تكون المنافسة فى انتخابات قادمة منافسة حقيقية. هذه المسائل الجوهرية كلها تتطلب أطر سياسية واجتماعية تتجاوز أطر مفاوضات جنيف أو غيرها.

هناك الكثير مما يُمكِن القيام به لمشاركة جميع المواطنين في حرب الكورونا أكثر من انخراطهم في حروبهم المدمرة الأخرى. «المعارضون» و«الموالون» على السواء لا يُمكن تركهم لمصيرهم مع الأزمة. ولكن الأساس هو أن تُثبِت السلطة القائمة في سوريا أنها مؤسسة دولة أو أنها حريصة عليها، وبحيث تتحمل قمتها المسئولية بشفافية كاملة في حرب الكورونا وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية وحول ما ترسخه لإعادة الانتعاش.

وإلا لن تجلب حرب الكورونا سوى استبدادا فوق الاستبداد، وفوضى فوق الفوضى، وحربا فوق الحروب.

“الشروق”المصرية

طباعة