aren

حربٌ على المستقبل الجامعي \\ كتابة : جهاد الزين
الخميس - 21 - مايو - 2020

UB2

حين يصطدم المراقب بمدى التقدم الذي أحرزته إسرائيل في استقطاب الطلاب الأجانب من أوروبا وأميركا وشرق آسيا وفي مقدمها الصين والهند فهو سيجد مستوى استراتيجيا جدا من التفوق الإسرائيلي في التعليم العالي هو بالتأكيد جزء أساسي من الخلل المتواصل والمتنامي بين الكيان العبري وبين العالم العربي بل ومعظم العالم المسلم . وحتى تشرين الأول 2019 حسب أرقام مجلس التعليم العالي الإسرائيلي بلغ عدد الطلاب الأجانب في إسرائيل 12 ألف طالباً.

على صعيد آخر ارتفع عدد طلاب الدراسة الجامعية من العرب الفلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية من 28,259 طالباً عام 2009 إلى 44,827 طالبًا في السنة الدراسية 2018- 2019 حسب أرقام مكتب الإحصاءات المركزي في إسرائيل.

أستحضر تلك الأرقام وأنا أفكّر بانعكاس أزمة الانهيار المالي الاقتصادي في لبنان على الثروة التعليمية اللبنانية المدرسية والجامعية ومدى تأثيرها السلبي، المتحقق أصلاً، على قدرة لبنان الاستقطابية المهددة بالضعف في المجال التعليمي المدرسي والجامعي.

باتت إسرائيل تتباهى بأن فيها عدداً من أفضل جامعات العالم. يكفي أن تفتح على الإنترنت لتجد أن هناك موقعًا بل مواقع تدعو الطلاب من الخارج للدراسة في إسرائيل يعرض الجامعات الإسرائيلية الرئيسية ويشرح اختصاصاتها ويتباهى أنها في مجالات عديدة خصوصًا التكنولوجيا المتطورة والبيوتكنولوجيا هي في أعلى سلم التصنيف الجامعي حتى بالمقارنة مع الجامعات في الولايات المتحدة الأميركية.

مقابل ذلك وبشكل وقح تزداد قيود الحكومة الإسرائيلية على الجامعات الفلسطينية لجهة منعها من الاستفادة من وجود أكاديميين فلسطينيين من الدياسبورا الغربية، وبعضهم يحمل الجنسية الأميركية، يأتون للتدريس في جامعات فلسطينية. تقف في واجهة هذه الحالة جامعة بيرزيت، الجامعة الفلسطينية الأولى في الضفة الغربية. التضييق في الإقامة والفيزا يشمل أيضاً خبرات أكاديمية غير فلسطينية تأتي من جامعات غربية كبيرة للتدريس في بعض الجامعات الفلسطينيّة. وقد تابعتْ مؤسسة الدراسات الفلسطينية، المؤسسة المحترمة في بيروت، هذه المسألة وما تزال عبر شهادات شخصية ومتابعات.

إذن هي حرب على جبهة التعليم العالي هي في قلب النضال الفلسطيني في الضفة الغربية والقطاع، لتحسين الشروط النوعية لقدرة الجيل الشاب الفلسطيني على البقاء والتقدم. حرب على المستقبل وعلى كل إمكانية للتقدم الفلسطيني في الوقت الذي تتحول فيه إسرائيل إلى دولة عظمى تعليمياً.

وهي في المدى الأعمق والأبعد تطلّعٌ إسرائيلي استراتيجي لاستقطاب النخب الطلابية الأجنبية في القرن الحادي والعشرين.

هذه الحقائق الثلاث، الازدهار الجامعي – العلمي الإسرائيلي ومحاولة الخنق الإسرائيلي للأكاديميا الفلسطينية، والتطلع الإسرائيلي الاستراتيجي لاستقطاب تعليمي للطلاب الأجانب، لا يستطيع المراقب لكيفية مساس الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان لأوضاع أهم مدارسنا وجامعاتنا، هذه الحقائق الثلاث لا يستطيع المراقب اللبناني إلا أن يتذكرها ويقيم مقارنة هي أيضا جزء من القلق العميق على أفضل ما في لبنان حتى الآن رغم كل وجوه التردي وانتشار الدكاكين التعليمية الذي أدى إليه انحطاط الطبقة السياسية اللبنانية.

استمرار الجامعة الأميركية في بيروت وازدهارها الطويل الأمد هما في الواقع أعجوبة من أعاجيب الشرق الأوسط. فهي تعمل في لبنان، وقد عملت طويلاً، في ظروف ليست فقط صعبة بل كادت تكون “مستحيلة” أحياناً وتجاوَزَتْها محتفظةً بالمستوى المتميز الذي يجعلها الجامعة الأولى في الشرق الأوسط العربي. وهي اليوم تدخل ربما أقسى مراحل “الاستحالة”. أضع كلمة استحالة بين هلالين. هذه الجامعة ، ومعها الجامعة اليسوعية، المولودتان قبل إنشاء “دولة لبنان الكبير”, واللتان ساهمتا في إنتاج النخبة التي أسّست الجمهورية اللبنانية تحت الرعاية الفرنسية والقرار والتشجيع الفرنسيَّيْن.

وكما كتبتُ سابقاً ومراراً، فبفضل هاتين الجامعتين وشبكة من المدارس الخاصة الإرسالية والرهبانية يمكن اعتبار لبنان دولة تأسّست عبر التعليم من مركزه البيروتي الجبلي الذي حوّل هذا البلد مشروعا سياسيا نحتفل بمئويته هذا العام 2020.

لا تزال بعض الأوساط ترث طريقة سلبية جداً في نقد ما يصدر عن الجامعة الأميركية. فما هي المشكلة في أن تعلن الجامعة، عبر رئيسها عن أنها تواجه أزمة هي الأخطر في تاريخها في وقت يواجه فيه لبنان أكبر انهيار اقتصادي، أيضاً في كل تاريخه، لكي تنقضّ بعض أَلْسِنةُ التشكيك والاتهام بطريقة لا تبدو مسؤولة. أعني بغير المسؤولة أنها دون حجم المخاطر التي باتت تهدد أعلى مستويات التميّز اللبناني، والجامعة الأميركية في بيروت منها بالتأكيد إن لم تكن في مقدمتها. هل نتخيّل لبنان من دون جامعة إميركية؟ الطبيعي جدا أن يتصدى رئيس الجامعة وقيادتها وهيئاتها العديدة لمواجهة الأزمة والبحث عن حلول ناجعة لها.

لاشك، أن لوبي خريجي الجامعة الأميركية اللبناني والعربي القوي والمنتشر في العالم سيثبت مرةً أخرى كم هو سند غير عادي لمساعدتها على البقاء ومساعدة لبنان بالتالي على الاحتفاظ بإحدى قواه التعليمية الكبرى.

“النهار”اللبنانية

طباعة