aren

حراك يتطلّب تسوية استثنائية \\ كتابة : د. عصام نعمان
الجمعة - 8 - نوفمبر - 2019

لبنان

قيل في وصف الحراك الشعبي الجارف، العابر للمناطق والطوائف والمشارب الذي يعصف بلبنان منذ أكثر من عشرين يوماً، إنه حدث غير مسبوق. حسناً، هل يعقل أن ينتهي هذا الحراك بعد كل آلامه وآماله إلاّ بتسوية غير مسبوقة؟

هذا ما قلته قبل أيام في حلقة عصف فكري تركّز موضوعها على الآلية الأكثر فاعلية للخروج من الأزمة المزمنة. لبنان لم يعرف في تاريخه السياسي المعاصر تسوية تاريخية. فلماذا لا يكون المخرج من أزمته المعقّدة تسوية تاريخية غير مسبوقة؟

مطالب كثيرة طرحها أهل الحراك الشعبي في تظاهراتهم واعتصاماتهم. غير أن ثلاثة بينها كانت الأكثر شعبية ومقبولية: الشعب يريد إسقاط النظام، إنهاء الفساد والمفسدين، وتأمين العيش الكريم.

أهل السلطة لم يرفضوا، علانية، مطالب أهل الحراك. اكتفوا بتأييد ما أسموه «المطالب المحقة»، وهي تلك التي تتعلق باسترداد الأموال العامة المنهوبة والخروج من الضائقة المعيشية. القبول بهذه المطالب المحدودة لم يرق، بطبيعة الحال، لأهل الحراك فصعّدوا تظاهراتهم واعتصاماتهم.

في الحلقة النقاشية، أجمع المشاركون – وكانوا من مشارب فكرية وسياسية متعددة – على أن النظام السياسي ترهّل وتصدّع ولا سبيل إلى ترميمه، وأن المطلوب اعتماد أحد خيارين: اجتراح نظام ديمقراطي جديد أو إدخال إصلاحات جذرية على بنية النظام القائم ليس أقلها إلغاء الطائفية السياسية.

الوسائل في الظروف البالغة الصعوبة، هي في مستوى أهمية الأهداف والإصلاحات.

الواقع أن أحداً من المصلحين السياسيين في لبنان لم يكلف نفسه عناء تبيان النهج والآلية الكفيلين بتحقيق الإصلاحات المرتجاة. هناك دائماً خطابات إصلاحية، لكن قلّما نقع على مناهج وطرائق وبرامج وآليات لتحقيق الإصلاحات المطلوبة. ذلك أدّى إلى تكلّس النظام السياسي، وفي أحسن الحالات، إلى تباطؤ العملية الإصلاحية السلحفاتية.

للخروج من الركود المزمن أقترح مقاربة تفضي إلى تسوية تاريخية غير مسبوقة تضع البلاد في مسار نهضوي وإبداعي مغاير. أبرز أسس هذه المقاربة سبعة:

* ضرورة تسليم أهل السلطة بأن نظام المحاصصة الطائفية قد تهاوى ولا سبيل إلى ترميمه.

* عدم جدوى استعمال العنف لتحقيق الإصلاح في المجتمعات التعددية ولبنان كيان تعددي أدى استعمال العنف في منتصف سبعينات القرن الماضي إلى اندلاع حرب أهلية دامت 15 سنة.

* إن شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» غير واقعي لأنه لا يتضمن الآلية اللازمة لتحقيقه، وإن الأفضل والأجدى هو إطلاق شعار أو مطلب «الشعب يريد تطبيق أحكام الدستور». ذلك لأن في الدستور أحكاماً لم تطبق حتى الآن وهي تنطوي على إصلاحات كفيلة بإخراج البلاد من أزمتها السياسية المزمنة.

* الدستور ينصّ في المادة 7 على أن «اللبنانيين يتساوون لدى القانون»، وفي المادة 22 على انتخاب مجلسين: الأول للنواب على أساس وطني لا طائفي، والثاني للشيوخ لتمثيل الطوائف، وفي المادة 27 «إن النائب يمثل الأمة جمعاء» الأمر الذي يستوجب أن يراعي قانون الانتخابات المبادئ والأحكام المنصوص عليها في الدستور.

* إن الآلية الأفضل والأفعل للخروج من نظام المحاصصة الطائفية هي في اعتماد قانون للانتخابات يُراعي أحكام الدستور على أساس أن يكون لبنان دائرة وطنية واحدة، واعتماد نظام التمثيل النسبي، وانتخاب مجلس للنواب على أساس وطني لاطائفي، وآخر للشيوخ لتمثيل الطوائف.

* يقتضي أن يتوافق قادة الكتل البرلمانية على تأليف حكومة وطنية جامعة من قياديين اختصاصيين بصلاحيات استثنائية (إصدار مراسيم اشتراعية ) لتقوم بصياغة مشروع قانون الانتخابات الجديد على الأسس سالفة الذكر وإحالته على مجلس النواب لإقراره خلال شهرين، وإذا لم يفعل تقوم الحكومة بإقراره وإصداره بمرسوم اشتراعي، وتجري انتخابات عامة بموجبه في الربيع القادم.

* إذا امتنع كل من مجلس النواب والحكومة عن إقرار قانون الانتخابات الجديد وإصداره، يكون من حق القوى الوطنية الحية الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني تأسيسي لإقرار قانون الانتخابات الجديد وطرحه على استفتاء شعبي عام لاعتماده وإجراء الانتخابات على أساسه.

بهذه الأسس والتدابير الاستثنائية السبعة يكون اللبنانيون الأحياء قد اجترحوا تسوية سياسية غير مسبوقة في تاريخ البلاد.

ألا تستحق هذه التسوية التاريخية شرف المحاولة والإنجاز؟

“الخليج”

طباعة