aren

تونس.. انتفاضة شعبية ضد الأحزاب السياسية \\ كتابة : د. محمد عز العرب
الخميس - 26 - سبتمبر - 2019

تونس

هناك العديد من القضايا التي ستكون موضع اهتمام الأجهزة الحكومية والهياكل الحزبية والمؤسسات المدنية في تونس، بعد جولة الإعادة التي يتنافس فيها المرشحان قيس سعيِّد ونبيل القروي، والتي تتمثل في الاستعداد لإجراء الانتخابات التشريعية واحتواء الاحتجاجات المطلبية (الفئوية) ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة هيكلة المواقع القيادية في الأحزاب السياسية، وتوازن بوصلة السياسة الخارجية التونسية، وهو ما يمكن توضيحه بشيء من التفصيل.

1 الاستعداد لإجراء الانتخابات التشريعية، التي ستجري في 6 أكتوبر 2019؛ إذ تحاول العديد من الأحزاب السياسية الحصول على أكبر قدر من المقاعد، وبصفة خاصة حركة «النهضة»، لاسيما أنها ترى أن موقع رئيس الوزراء هو مركز صنع القرار في النظام التونسي، في حين أن موقع الرئاسة تتركز صلاحياته في مجال السياسة الخارجية والأمن القومي. وقد أعلنت حركة النهضة دعمها لقيس سعيِّد في الجولة الثانية أمام نبيل القروي؛ إذ صرح المتحدث باسم الحزب عماد خميري قائلًا: «النهضة اختارت أن تساند خيار الشعب التونسي، النهضة ستساند قيس سعيِّد في الجولة الثانية من الانتخابات».

غير أن ذلك لم يدفع قيس إلى التصريح أو الإيحاء بوجود تفاهمات مع النهضة، كما رفض الإدلاء بتصريحات صحفية حول قضية اتهام حركة النهضة بالتورط في اغتيال المعارضين شكري بلعيد، ومحمد البراهمي، مطالباً كرجل قانون بترك الأمر للقضاء، تخوفاً من التصويت العقابي ضده من جانب التيارات المدنية أو حتى الشخصيات المستقلة، حيث أعلن المرشح قيس سعيِّد رفضه لدعم حزب بعينه في الانتخابات التشريعية، حيث أكد في تسجيل على مواقع التواصل الاجتماعي ونقلته مونت كارلو بتاريخ 22 سبتمبر الجاري، أنه «غير معني إطلاقاً بهذه الانتخابات؛ لأن مساندة هذا الحزب أو ذاك أو هذه القائمة أو تلك يتناقض مع مشروعه الذي تقدم عبره إلى الانتخابات الرئاسية».

غير أن هناك بعض التحليلات ترى أن قيس سعيِّد كان مرشح «الظل» أو ما يطلق عليه «العصفور النادر» لحركة النهضة في الجولة الأولى؛ إذ صرح رئيس حركة آفاق تونس ياسين إبراهيم لبعض وسائل الإعلام التونسية في 22 سبتمبر الجاري بأن «جزءاً من ماكينة النهضة خصصت لخدمة المرشح الرئاسي قيس سعيِّد».

2 احتواء الاحتجاجات المطلبية (الفئوية) التي تنتشر بشكل يشبه ثورة البراكين تصعد أحياناً وتخمد أحياناً أخرى، وكان آخرها احتجاجات القضاة بعد انتقاد محامي عائلات بلعيد والبراهمي القضاء، لما وصفوه بتأخر في حسم القضية على الرغم من تقديم وثائق مؤكدة على حد قولهم؛ إذ صرح كثير بوعلاق عضو هيئة الدفاع عن شكري بلعيد ومحمد البراهمي بأن «هيئة الدفاع قد استنفدت جميع الطرق، وتواصلت مع جميع السلطات منذ أكثر من عام بخصوص قضية ما يعرف بالجهاز السري لحركة النهضة، لكن النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية في تونس لم تصدر قراراً بإحالة القضية إلى قاضي التحقيق».

وهي الانتقادات التي رفضها القضاة معلنين دخولهم في إضراب مفتوح، وتصاعدت المخاوف من أن يؤدي هذا الإضراب إلى التأثير في مسار الانتخابات.

هذا فضلاً عن التعامل مع الاحتجاجات الفئوية التي تشهدها مناطق مختلفة من تونس على خلفية مطالب اقتصادية واجتماعية مثل توفير فرص عمل، والتأخر في سداد أجور العمال، وتوقف الإنتاج، وإحالة العاملين إلى التقاعد، ومعالجة إشكالية التنمية الإقليمية غير المتوازنة، وهو ما يفسر تعرض حملة رئيس الحكومة يوسف الشاهد لعدد من الاحتجاجات في بعض المحافظات التونسية.

3 إعادة هيكلة المواقع القيادية في الأحزاب السياسية: وعلى الرغم من ذلك أكد رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وفقاً لموقع تونس الرقمية بتاريخ 21 سبتمبر الجاري أن «من يذهب إلى قصر قرطاج يجب أن يكون وراءه حزب وإلا فإنه لن يستطيع فعل أي شيء»، مشيراً إلى أنه عندما ترشح للانتخابات الرئاسية، كان يحمل مشروعاً متكاملاً؛ لأنه ليس بمفرده، حيث كان يدعمه حزب «تحيا تونس»، إلا أن الناخب التونسي يرفض الأحزاب بصيغتها الراهنة، وهو ما لا يبدو أن الرسالة قد وصلت للشاهد مثلاً.

فقد مثلت نتائج الانتخابات الرئاسية التونسية ضربة قوية لمرشحي تلك الأحزاب التقليدية؛ بل صعد إلى جولة الإعادة مرشحون من خارجها على نحو يستلزم البحث في أسباب التصويت العقابي من الناخب التونسي لتلك الأحزاب، لاسيما بعد صراعاتها الداخلية في «نداء تونس» وغيره. وفي هذا السياق يمكن فهم استقالة الأمين العام لحزب «حركة تونس إلى الأمام» عبيد البريكي، والذي كان قد تقدم باستقالته منذ عدة أيام غير أن مجلس أمانة الحزب أعلن عن رفضه لقبولها.

كما أعلن القيادي في حركة النهضة ومدير مكتب راشد الغنوشي زبير الشهودي استقالته من الحزب في 17 سبتمبر الجاري، كما طالب الغنوشي باعتزال السياسة وملازمة بيته، حيث أشار في منشور له على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: «أعلن إنهاء كل مهامي القيادية في حركة النهضة والالتحاق بعامة المنخرطين.. استجابة للرسالة مضمونة الوصول من الشعب العظيم»، كما طالب الغنوشي بإبعاد صهره رفيق عبد السلام وكل القيادات الذين دلسوا إرادة الناخبين داخل الحزب وقاموا بإقصاء كل المخالفين في الرأي.

4 توازن بوصلة السياسة الخارجية التونسية: أيا كان الفائز في الجولة الثانية من الانتخابات، فإنه سيكون حريصاً على الانفتاح على كل القوى الإقليمية والدولية. فقد صرح المرشح للانتخابات الرئاسية قيس سعيِّد في حوار مع قناة العربية بتاريخ 22 سبتمبر الجاري قائلًا: «التحالفات ستكون على أساس البرامج والرؤى المجتمعية لتونس الغد»، كما أشار إلى أن «سياسته الخارجية ستعمل على إبقاء تونس منفتحة على محيطها الإقليمي والمتوسطي»، كما تعهد في تصريحات أخرى بأن تكون الجزائر أول وجهة خارجية له في حال فوزه بالرئاسة، وأشار إلى أن «مصير تونس مرتبط بدول الجوار».

ومن ثم فإن هناك اهتماماً من جانب الرئيس القادم إلى قصر قرطاج بتعزيز العلاقات مع دول الجوار والاتحاد الأوروبي الذي يعد الشريك الاقتصادي الأول لتونس، وتكثيف السياسة الخارجية تجاه الدول الإفريقية وكيفية مواجهة التهديدات النابعة من بؤر الصراعات في الإقليم، وخاصة ليبيا وتدفقات المقاتلين التونسيين إلى سوريا وقضايا الهجرة غير النظامية (غير الشرعية)، وتوظيف السياسة الخارجية لتحقيق مكاسب اقتصادية ودعم الاقتصاد الوطني.

خلاصة القول أن تونس تدخل أعتاب مرحلة جديدة بعد انتهاء انتخابات رئاسة وبرلمان 2019، وعلى النخبة الحاكمة الجديدة أن تواجه المشكلات والملفات الضاغطة، داخلياً وخارجياً، من جذورها، بما يرضي المواطن التونسي البسيط الذي رفض النخبة الحاكمة القديمة في الصندوق وفضل إعطاء صوته لأفراد من خارج المنظومة، وإن كان ذلك قبل أن تبت المحكمة الإدارية في الطعون المقدمة من عدة مرشحين.

مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

طباعة