aren

“تركيا والنزاع على الشرق الأوسط”
الأربعاء - 13 - مايو - 2020

اردوغان ع

إلى أيّ خراب يقود “أردوغان” بلاده

التجدد الاخباري – مكتب إسطنبول

تحاول الباحثة والأكاديمية التركية “إزغي باشاران” في كتابها “تركيا والنزاع على الشرق الأوسط” الصادر حديثا (دار الساقي)، الإجابة عن أسئلة من قبيل : لماذا أعلنت تركيا الحرب على الحلفاء في الغرب، ولماذا انهارت عملية السلام مع الأكراد، وكيف عمل أردوغان وحزب العدالة والتنمية على صياغة هوية جديدة لتركيا وفق مفهومهما الإسلامي ، الذي حاول تغيير هوية تركيا العلمانية، ناهيك عن توريطه للبلاد في عدد من الأزمات السياسية والاقتصادية، وغيرها من الأسئلة الشائكة ، التي تثار عن تركيا اليوم في ظلّ (نظام أردوغان).

تتحدث عن الدور المعقد ، الذي تضطلع به تركيا ، التي تقع على خط المواجهة في الحرب التي تستنزف سوريا والشرق الأوسط ، بسبب الصراع الذي طال أمده، وتحاول أن تظهر كيف أن علاقة تركيا بالأكراد ، هي جوهر أزمة الشرق الأوسط ، وكيف أن إخفاق أردوغان في إحلال السلام ، هو مفتاح فهم الأحداث الراهنة.

unnamed

يشتمل الكتاب (ترجمة عماد شيحة، بيروت 2019) على ثمانية فصول، بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة، والفصول على التوالي هي : القضية الكردية صناعة تركية – الأكراد في تركيا الجديدة- السلام الكردي والدولة العميقة الجديدة – “حزب العمال الكردستاني” يحوز اهتمام العالم – سوريا والسلام الكردي- لا رئاسة.. لا سلام – ما الذي يريده الأكراد؟ – محاولة الانقلاب التي هزت تركيا- القضية الكردية تصبح عالمية.

تستهل باشاران ، كتابها بالتصريح عن التغير الذي اجتاح حياتها في السنوات الأخيرة، وتقول إنها لو سئلت قبل ثلاث سنوات ، أن تختار ثلاث كلمات تحدد من تكون ، لقالت من غير تردد : “امرأة، صحافية، من أهالي إسطنبول”، بهذا الترتيب.

أما الآن ، فتجد نفسها تكافح باثنين من هذه الأوصاف الثلاثة، رغم أنهما كانا جزءاً منها منذ أن شرعت بدراسة الصحافة في الجامعة. وتلفت إلى أنها لا تزال تدعو نفسها بكل اعتزاز صحافية ومن أهالي إسطنبول، لكنها تجد نفسها في موقف غريب ، إذ سرعان ما أصبحت تلك الكلمات تسميات قديمة ، عوضاً عن أن يكون لها معنى ملموس.

تذكر أنه حينما أغلقت في آذار\مارس 2016 ، صحيفة راديكال الليبرالية اليسارية ، التي كانت رئيسة تحريرها، في إطار إجراءات قمعية اتخذتها الحكومة، لم تعد مواصلة مهنة صحافية لائقة في تركيا ، أمراً متعذراً ، فحسب، بل بالغ الخطورة أيضاً، وبعد أن عرضت عليها بالفعل حماية الشرطة، في مطلع السنة، علمت أنها على وشك التعرض لإجازة قسرية من غرفة الأخبار.

تقول : إنها في ذلك الوقت ذهبت إلى كلية (سانت أنتوني) في جامعة “أكسفورد” كزائرة أكاديمية، وأنها منذ ذلك الحين ، أغرقت نفسها في العالم الأكاديمي، يتملكها فضول الصحافة ، وحب استطلاعها، في حين حاولت بناء جسر تشتد الحاجة إليه بين دعامتين من النشاط الفكري بالغتي الأهمية.

تلفت إلى أنّ مصدر معرفتها وخبرتها ، المتعلقتين بسياسات تركيا والشرق الأوسط ، مستمدّ مباشرة من الميدان، إذ أنها كتبت تحقيقات منذ مطلع عملها الصحافي من مناطق النزاع والأماكن التي اندلعت فيها الاضطرابات السياسية من حين لآخر: شمال العراق، وغيران، وباكستان، وأوسيتيا الشمالية، وماليزيا، وجنوب شرق تركيا، وأن من حسن الحظ أنه كان بوسعها إجراء مقابلات مع عدد كبير من الشخصيات البارزة في السياسات التركية والكردية.

Indepenent Journalist Robert Fisk copyright The Independent for The Wharf issue 03/04/03 whrf

فيسك

تنوّه إلى أنّها حين شرعت في تأليف كتابها في ربيع 2016، كان نزاع تركيا – الكردي قد بلغ أعلى مستوياته خلال أربعين عاماً، وكانت عملية السلام التي استمرت سنتين بين حزب العمال الكردستاني، والحكومة التركية قد انهارت في الصيف السابق، وبات الوضع في تركيا متفجّراً.

وتقول متّحدثة عن التورّط التركي في المستنقع السوري بشكل مباشر بعد الانقلاب الذي وقع في تركيا منتصف حزيران\يونيو 2016، والذي جرت في أعقابه ، عملية تطهير طاولت أكثر من مئة ألف شخص من الجهاز الإداري والقضاء والجيش والسلطة، وكذلك أغلق قرابة مئتي منبر إعلامي واعتقل الآلاف. وأن تركيا استهلت، بعد شهر من ذلك، أكبر تدخّل في سوريا منذ بدأت الحرب، وكان الهدف الرئيسي من التدخل، في ضوء الاسم الرمزي : عملية “درع الفرات”، إبعاد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية\ داعش ، والمقاتلين الأكراد عن الحدود التركية.

وأن تركيا بعد احتلالها بلدات (جرابلس ودابق والباب) السورية ، واجهت القوات الكردية المدعومة من التحالف الدولي ، الذي تقوده الولايات المتحدة ، وهنا بدأ الصراع بين أعضاء حلف الناتو أنفسهم، وبدأ تضارب المصالح ، يتجلّى بشكل لافت.

تشير (باشاران) إلى أنّه بعد انهيار عملية السلام الكردية، انحدرت علاقة تركيا مع حلفائها الغربيين إلى أدنى مستوياتها بعد مهاجمتها القوات الكردية السورية، الوثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني الذي كان يتعاون بدوره معها على الأرض في سوريا، ولم تستطع تركيا ، إقناع الولايات المتحدة بدفع الأكراد خارج “منبج”، ولا بإقصائهم عن عملية تحرير (الرقة) السورية من سيطرة تنظيم “داعش”، وعلى النقيض من ذلك، وافق الرئيس دونالد (ترمب) على تسليح قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، التي يقودها الأكراد لتمكينها من الاستيلاء على معقل (داعش) في الرقة.

وبالحديث عن تمرير الاستفتاء على الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، تذكر الباحثة أنه في حين كانت تركيا تمر بمرحلة عصيبة من الاضطراب، مُرّرت حزمة إصلاحات دستورية بهامش ضئيل بواسطة استفتاء شعبي، منح الرئيس أردوغان ، مزيداً من السلطة التنفيذية ، وتعلّق الضوابط والموازين كافة.

تؤكّد الكاتبة ، أنّ نشر كتابها جاء في وقت تشهد فيه تركيا ، التي تتمتع بموقع جيوسياسي حاسم بالنسبة إلى الغرب ، تحوّلاً سياسيّاً واجتماعياً وعسكريّاً، وتصنع وتخرق وتشعّب روابط دولية تقليدية، وأن نزاع تركيا – الكردي ، يقع في قلب هذا التغيّر ، وسيواصل التأثير في سياساتها المحلية وفي مؤسساتها الحكومية والمدنية ، وفي سياستها الخارجية.

كما تؤكّد أنّه في ظلّ المناخ السائد، سيكون استئناف عملية السلام مع الأكراد ، مهمّة جسيمة، وتعبر عن اعتقادها أنها ستكون الأمر الوحيد ، الذي سيضع البلد على درب مستقبل ديمقراطي مستقر، ومجتمع يعيش في سلام مع نفسه، ووضع جدير بالاحترام في المشهد الدولي.

مطاف تركي … واقع مأساوي

تكتب “باشاران”، مؤّكدة أنّ الزمن تغيّر، وأنّه لم يعد مأزق الأكراد ولا “الرؤية الكبرى” لحزب العمال الكردستاني ، محصورين داخل حدود تركيا، وأنه ستكون العواقب المرتبة على تجاهل هذا الوضع القائم الجديد ، أكثر حدة من السجالات بشأن القنوات التلفزيونية الكردية ، أو احتراق المعكرونة في الغارات على السفارات.

وتجيب عن تساؤلها عن أسباب اختلاف الأمر هذه المرة، وترجع ذلك لأسباب عدة:

أولاً – تطور حزب العمال الكردستاني والمتعاطفون معه، في العقود الأربعة الأخيرة، إلى حركة قوية منظّمة سياسياً واجتماعياً.

ثانياً- إنّ مطالبهم بالحكم الذاتي في سوريا وتركيا لا عودة عنها على المدى البعيد بسبب التطورات في سوريا.

ثالثاً- أكراد سوريا بقيادة الكردستاني، من وجهة نظر الغرب، هم القوة الأكثر فاعلية ، لسحق تهديد تنظيم الدولة الإسلامية\ داعش على الأرض في سوريا، ما يمنح الكردستاني ، سطوة دولية كبيرة.

رابعاً- هو هذا الوضع على الجانب الكردي، في حين تمرّ تركيا بمرحلة مضطربة في ظلّ قيادة رجل قويّ غريب الأطوار ، ومتقلّب الأهواء ، يصوّر الغرب ، عدوّاً ، للإبقاء على دعمه الشعبيّ في بلده.

أما بالسؤال عن كيف انتهى المطاف بتركيا إلى هذا الواقع المأساوي ، الذي تشتدّ فيه الأزمات عليها، وتكثر المآزق التي ورّطها أردوغان بها، فإنّ الباحثة ، تشدّد على أنّ آخر سنوات تولي العدالة والتنمية المسؤولية، ومحاولة الانقلاب ، كانت مخيّبة للآمال بأسلوب هائل للغرب، لأنّ كلّاً من وسائل الغرب الإعلامية ، وساسته ، أرادوا تصديق قصة مختلفة بشأن العدالة والتنمية وحركة “غولن”، واعتقدوا أنّ الطرفين ، يمثّلان تحويلاً للإسلام السياسيّ إلى فهم معتدل قابل للتوافق مع المبادئ العلمانية.

وتذكر الكاتبة كذلك ، أنّ صورة أردوغان بوصفه “الرسول الأعظم لأفضل إسلام سياسيّ ممكن” قد تحطّمت بعد أحداث متنزّه “غيزي” سنة 2013، وأضحت الكوّة التي صمّمها الغرب والليبراليون الأتراك ، صغيرة جدّاً بعدها بالنسبة إلى زعيم تزداد قوّته وتسلّطه يوماً بعد يوم، كما أنّ شخصيّة أردوغان ومطامحه ومخاوفه أيضاً ، أدّت دوراً كبيراً في الفشل في توطيد ديمقراطية حقيقيّة.

ومن الجليّ ، أنّ (باشاران)، نشرت كتابها قبل أن يوغل أردوغان في التورّط أكثر فأكثر في الأزمات والحروب في المنطقة، وبخاصة في “الملف الليبي”، ويقوم بتحويل تركيا إلى دولة توصف بالمارقة من قبل حلفائها في الغرب وشركائها في حلف شمال الأطلسي، ولاسيما أنّها صعّدت من تهريب الأسلحة والمرتزقة إلى ليبيا، ناهيك عن ابتزازها لشركائها الأوروبيين بورقة اللاجئين، وإعادة الضغط من خلالها عليها ، لتحصيل مزيد من المكتسبات ، والمعونات.

يشار إلى أنّ “إزغي باشاران “، صحافية تركية ، حققت شهرة بتغطية الصراع الكردي، متخصصة بالشؤون التركية ومعروفة على الصعيد الدولي، وكانت رئيسة تحرير صحيفة (راديكال) الليبرالية اليسارية ، التي تمّ إغلاقها سنة 2016.

ملاحظة : وضعت المؤلفة على غلاف كتابها ، اقتباسا من شهادة الكاتب والصحافي البريطاني المعروف عن الكتاب ، وهو  أشهر مراسل غربي في الشرق الاوسط ، “روبرت فيسك” ، يقول فيها : “اقرؤا هذا الكتاب”.  

طباعة