aren

ترامب و«شي».. كيف يفوزان معاً في حربهما التجارية؟ \\ كتابة : توماس فريدمان
السبت - 31 - أغسطس - 2019

 

لا يمكن المبالغة بشأن الجرف الصخري الخطير الذي توجد عليه الولايات المتحدة والصين اليوم. ذلك أنه إذا تطور النزاع التجاري الحالي إلى حرب اقتصادية شاملة – وامتد ذلك إلى طرد للطلاب والعلماء الصينيين من أميركا وطرد لمدراء الشركات الأميركية من الصين وامتد إلى سحب كل الاستثمارات التي قمنا بها في بلدي بعضنا بعضاً – فإن العالم مثلما عرفناه خلال الأربعة عقود الماضية سيُستبدل بشيء أكثر سوءاً وأقل ازدهارا وأقل استقرارا وأقل قدرة على مواجهة التحديات العالمية، مثل تغير المناخ والجريمة الإلكترونية، التي باتت تحدق بنا.

لقد أصبح الوضع سيئاً حقاً. فمن جهة، لدينا رئيس أميركي يسنّ السياسة التجارية فعليا عبر تويتر – متجاهلا نصائح خبرائه. ومن جهة أخرى، لدينا رئيس صيني يخشى أن يظهر بمظهر من يرضخ لأي مطالب تجارية من الولايات المتحدة.

ولهذا يحاول كل طرف ترهيب الآخر ودفعه للاستسلام عبر إظهار من لديه أكبر رسوم جمركية، وهو ما يؤذي الأسواق ويجعل من المستحيل على المستثمرين التخطيط على المدى الطويل.

الحاجة إلى هدنة

ولهذا، فإننا في حاجة إلى هدنة الآن – وإذا لم يكن ثمة شخص سيقترح شروط هذه الهدنة، فإنني سأفعل.

ينبغي على الرئيس دونالد ترامب أن يقول للرئيس شي جينبينغ: «خلال الستة أشهر المقبلة، سنعلّق كل الرسوم الجمركية التي فرضناها. وخلال هذه الستة أشهر، نتوقع منك أن تأمر بنهاية تجاوزات تجارية في مجال الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا، وتقييد الوصول إلى السوق، إلخ. إنك لست مضطراً للإعلان عن أي شيء أو تحويل أي شيء لقانون، بل عليك فقط أن تفعل ذلك بطريقتك الخاصة ولك أن تقول لشعبك ما تريد. لن أغرّد بكلمة واحدة على تويتر. وسنقوم بتقييم في غضون ستة أشهر لنرى ما إن كانت النتائج تشكل تقدما حقيقياً».

لا شك أن هذه ليست نتيجة مثالية بعد عامين من المفاوضات، ولكن كلمة «مثالية» ليست متاحة على القائمة. هناك فقط «أحسن» هي المتاحة على القائمة في الوقت الراهن. وشخصياً سأختار «أحسن».

لا تسئ فهمي، فقد كان ترامب على حق في تشديده على ضرورة تغيير العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة والصين. ولكن ترامب قلّل كثيرا، وبعدة طرق، من صعوبة حرب تجارية مع الصين.

سدس البشرية

فترامب، ومن خلال قيامه بكل شيء علانية أمام الجمهور – من خلال تغريداته التي تهدف إلى إظهار أنه بصدد الفوز وأن الصين بصدد الاستسلام – دفع الصينيين إلى تذكير الرئيس الأميركي بأنهم ليسوا مطعما في برج من أبراج ترامب يمكن التنمر عليه من أجل زيادة مبلغ الإيجار الذي يدفعه. إنهم يمثّلون في الواقع سدس البشرية، ويمتلكون أكثر من 1.1 تريليون دولار من الفواتير والأوراق المالية والسندات، والتي تمثل 27 في المئة من كل ديون الحكومة الأميركية التي لدى بلدان أجنبية، كما أنهم بارعون في صنع الأشياء.

وعلى سبيل المثال، فإن الرحلة من نيويورك إلى شيكاغو على متن قطار «أمتراك» تستغرق نحو 22 ساعة. وبالمقابل، فإن المسافة بين بكين وشنغهاي هي نفسها تقريباً، ولكن الرحلة على متن القطار فائق السرعة الصيني لا تستغرق سوى 4.5 ساعة. أجل 4.5 ساعة فقط. وهو ما يفسّر جزئياً لماذا ينظر الكثير من المسؤولين الصينيين إلى أميركا اليوم على أنها «فوضى مختلة» ولم تعد تستطيع صنع أي شيء كبير ومتين لأنها لا تستطيع تنظيم نفسها.

ثم، لئن كنتُ أحترم المقاربة الشمولية التي تبناها مفاوضو ترامب التجاريون في هذه المفاوضات – أرادوا من الصين سنّ قوانين وتنظيمات من شأنها حظر سرقة الملكية الفكرية، وفرض نقل التكنولوجيا، وبعض المعونات الحكومية، وإنشاء آلية أميركية- صينية للتحقق من الالتزام بهذه الأشياء– إلا أن التغيير ربما كان كبيراً جداً وفجائياً بالنسبة للنظام الصيني. هذا ليس عذراً للصين، وإنما مجرد حقيقة.

شي يبدو كما لو أنه يقول إنه لا يستطيع سن قوانين تنص على فتح السوق وعلى تنظيمات التحقق والشفافية التي يطالب بها ترامب – رغم أن من شأن ذلك تعزيز عملية الإصلاح الاقتصادي التي تحتاجها الصين – لأن بكين ستبدو حينها كما لو أنها رضخت لمطالب الأجانب، ولأن من شأن ذلك تقليص صلاحيات الحزب الشيوعي المطلقة، كما أن هناك في الصين «لوبي» ضخم للصناعات المملوكة للدولة يحاول حماية الشركات الصينية من المنافسة الأميركية.

والواقع أن كل ما يريده ترامب هو صفقة يستطيع التباهي بها. ولكن هناك أشخاصاً حول الرئيس الأميركي يريدون فعلاً استخدام هذه الحرب التجارية لإلحاق الضرر بالصين – كما لو أن الديمقراطية الغربية هي التي تحل هناك بشكل أوتوماتيكي، وليست فوضى عالمية عارمة. إنه الجنون، ولكن هذا هو السبب الذي يجعل هذه اللحظة مخيفة جدا. ذلك أن ترامب وشي يمكن أن يذهبا في أي من الاتجاهين.

أزمة ثقة أميركية

ترامب قلّل أيضا من شأن شيء آخر، ذلك أنه ليست لدينا فقط مشكلة الوصول التجاري إلى الصين اليوم، بل لدينا أيضا مشكلة نقص الثقة. ففي السابق، عندما كان كل ما نشتريه من الصين هي لعب وأقمصة وإلكترونيات رخيصة، لم نكن نكترث ما إن كانوا شيوعيين أو رأسماليين أو أو نباتيين. ولكن الآن وقد أصبحت الصين تريد أن تبيعنا العديد من المنتجات عالية التقنية نفسها التي تصنعها أميركا وأوروبا – من البنية التحتية لتكنولوجيا الجيل الخامس، إلى الهواتف النقالة، إلى الإلكترونيات المتطورة – منتجات تُعد جزءا من مجتمعنا ويمكن أن تكون مزدوجة الاستخدام (مدني وعسكري)، فإننا نحتاج إلى مستوى جديد كليا من الثقة بين مجتمعينا. وهذا سيتطلب بناؤه وقتا.

ربما أساء الصينيون قراءة مدى التفاف «الجمهوريين» و«الديمقراطيين» ومجتمع الأعمال والشركات الأميركي الواسع حول ترامب بخصوص رفضه التساهل مع انتهاكات الصين التجارية بعد اليوم – ليس حينما باتت الصين تريد صنع وتصدير كل المنتجات نفسها التي نصنعها. ومن الخطأ الاعتقاد أن الأميركيين سيستمرون في التساهل مع الوضع القائم في التجارة الأميركية- الصينية.

وبالتالي، فلكل هذه الأسباب من الأفضل إعلان هدنة في الوقت الراهن وفترة من بناء الثقة، تُثبت خلالها الصين أنها ستنفتح حقا – إن استطاعت فعل ذلك بطريقتها الخاصة من دون إحراج – ويُثبت ترامب للصين خلالها أن كل ما يريده هو نتائج يستطيع التباهي بها – وليس ثورة في بكين.

وأثناء هذه الستة أشهر، ينبغي على ترامب توقيع اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادئ» – التي تجمع أكبر اثني عشر اقتصادا في منطقة المحيط الهادي باستثناء الصين ضمن ميثاق تجاري عالمي للمحيط الهادئ قائم حول القيم والمعايير الأميركية – ثم تنظيم صفوف حلفائنا في الاتحاد الأوروبي أيضا.

بهذه الطريقة عندما نراجع هذا الموضوع بعد انقضاء ستة أشهر، نستطيع وضع الصين أمام جبهة موحدة لإعطاء انفتاحها التجاري طابعا رسميا. وبحلول ذاك الوقت لن تكون المواجهة منحصرة بين ترامب و«شي»، وإنما بين العالم والصين حول ما هي أفضل القواعد للتجارة العالمية. ينبغي أن يكون هذا هو هدفنا: دفع الصين إلى تنافس عالمي قائم على القواعد.

وإذا استطاع ترامب وشي صياغة اتفاق كبير الآن، فنسأل الله أن يعينهما. وسأرفع قبعتي احتراما وتقديرا. ولكن كل ما أراه اليوم يشير إلى أنه يجدر بنا اليوم التركيز فقط على «أحسن». وسأكون سعيدا إذا حقّقنا بعض التقدم الحقيقي بخصوص التجارة الآن، بما يخفض التصعيد حتى نستطيع إجراء نقاش عقلاني وطويل المدى حول القواعد وتجنب حرب باردة جديدة مع الصين تُزعزع استقرار نظام العولمة برمته.

“الاتحاد” الظبيانية

طباعة