aren

تأملات فى ذكرى الوحدة: معركة استرداد سوريا \\ كتابة : عبد الله السناوي
الخميس - 20 - فبراير - 2020

سورية

بين أحلام الوحدة وكوابيس النار قصة طويلة وأليمة أهدرت فيها كل القضايا، وارتكبت كل الخطايا واستبيحت كل المحرمات.

أسوأ ما يحدث الآن شبه غياب أى دور عربى متماسك ومؤثر فى حركة الحوادث التى تضع الأزمة السورية على مفارق الحسم حيث تتحدد الموازين السياسية فى أى تسويات محتملة بقدر الموازين العسكرية على الأرض.

ننسى ــ أحيانا ــ أن حوادث التاريخ تتصل عند الجذور، فالصراع على سوريا دورا ووجودا يعود إلى ما قبل الوحدة مع مصر، التى أعلنت يوم (22) فبراير (1958).

فى خريف (1957) كانت سوريا مهددة فى صميم وحدتها الداخلية ومكشوفة لضغوط إسرائيلية وتدخلات تركية، ومشروعات انقلابات عسكرية، أو غزو من الخارج، يقوده رئيس الوزراء العراقى «نورى السعيد»، الرجل الذى ارتبط أكثر من غيره بسياسة الأحلاف العسكرية فى المنطقة.

وقف فى الخندق نفسه رئيس الوزراء التركى «عدنان مندريس»، الذى حشد قواته على الحدود وهدد وأنذر باسم حماية سوريا من أن تسقط فى يد «الشيوعية الدولية».

جرى اجتماع فى إسطنبول لوزراء خارجية ودفاع ورؤساء أركان جيوش حلف «بغداد» للنظر فى التدخل العسكرى المباشر فيما كانت واشنطن تعلن عن شحنات سلاح تحملها طائرات عبر جسور جوية إلى المنطقة والاتحاد السوفييتى يحذر من مغبة أى تصرفات عسكرية ضد سوريا ويحرك أسطوله البحرى باتجاه الشواطئ السورية.

الأزمان والسياقات والذرائع اختلفت عما كانت عليه قبل الوحدة المصرية السورية، لكن شيئا من ظلال التاريخ ما يزال ماثلا حتى اليوم.

الأدوار تحكمها تصورات وأفكار واستراتيجيات بأكثر من الرجال الذين يمثلونها على مسارح التاريخ، «فلاديمير بوتين» الآن أو «نيكيتا خروتشوف» (1957)، «رجب طيب أردوغان» الآن أو «عدنان مندريس» قبل ستة عقود.

فى (13) أكتوبر (1957) عبر العالم العربى عن حيويته عبر «جمال عبدالناصر» الذى أعلن دعمه الكامل لسوريا سياسيا وعسكريا حيث وصلت فجأة قطع بحرية مصرية إلى ميناء اللاذقية محملة بلواءين كاملين وأسلحة ثقيلة من المدفعية والمدرعات.

كان رد الفعل الشعبى مزلزلا داخل سوريا وتجلى مشروع الوحدة مع مصر كدعوة شعبية لا يمكن تحديها.

هكذا ولدت دولة عظمى فى الشرق، كما قيل وقتها على أوسع نطاق.

لم تكن بلاغة تعبير أن توصف سوريا بـ«قلب العروبة النابض».

بحكم موضعها فى المشرق العربى فهى عاصمته الطبيعية.

وبحكم اتصال الأمن القومى المصرى بها فهى توءمته.

وبحكم حدودها مع الدولة العبرية فهى طرف فى صراع وجودى.

وبحكم امتداد ساحلها على البحر المتوسط فهى مركز استراتيجى.

وبحكم اتصالها بشبه الجزيرة العربية، حيث موارد النفط فهى تحت بصر المصالح الغربية.

أكدت الحقائق نفسها، لا عالم عربى بلا مصر، التى تمثل ثلث كتلته السكانية، ولا نهضة عربية بلا سوريا ــ مهما حسنت النوايا والتوجهات.

ما لا يجب نسيانه أبدا أن المصير السورى هو شأن كل بلد عربى وكل مواطن عربى يدرك حقائق ما حوله.

التقدم العسكرى الكبير للجيش السورى، الذى كان يوصف بالجيش الأول فى زمن الوحدة، بأرياف حلب وإدلب يؤشر على تحول جوهرى فى حسابات القوة رغم تهديدات الحشود العسكرية التركية، التى تحاول عرقلة استعادة سوريا لأدوارها ووجودها نفسه فى قلب العالم العربى.

كان الإعلان السورى أن أول رحلة خارجية من مطار حلب الدولى، الذى اعيد تشغيله بعد تسع سنوات من التوقف الإجبارى، سوف تكون إلى القاهرة محملا بالمعانى الرمزية فى ذكرى الوحدة المجهضة.

كانت الوحدة المصرية ــ السورية خطوة متقدمة أكدت قدرة العالم العربى على ملء الفراغ بنفسه دون حاجة إلى أحلاف تخضع لحسابات استراتيجية ضد مصالحه ومستقبله.

كما كانت تطويرا لنتائج حرب السويس، التى ألهمت حركات التحرر الوطنى فى العالم الثالث ــ كأن فوران غضب على الإرث الاستعمارى اندلع فيه.

إنها أمة واحدة كاشفت نفسها فى لحظة أمل أنها تستطيع أن تصنع التاريخ وتبنى دولة منيعة قادرة على مواجهة التحديات والمخاطر، وأن تأخذ أحلامها إلى أرض الواقع.

عندما تشاهد على شرائط مسجلة مئات آلاف البشر تتدافع إلى قصر الضيافة حيث يقيم «جمال عبدالناصر» عندما وصل دمشق لأول مرة فى حياته يوم (24) فبراير، فلا بد أن تنصت لصوت التاريخ، وتدرك بالعمق أنها كانت تهتف للمعنى قبل الشخص.

فى (٢٨) سبتمبر (١٩٦١) جرى فصم الوحدة المصرية ــ السورية بانقلاب عسكرى رعته الاستخبارات الأمريكية، ومولته المملكة العربية السعودية، وشاركت فيه الأردن، وآزرته تركيا، وهللت له إسرائيل.

ماجت سوريا بالغضب على الانفصاليين حتى أزاحت وصمته من تاريخها وعرضت الوحدة مرة أخرى على «جمال عبدالناصر» عام (١٩٦٣) لكنه طلب مزيدا من الدراسة حتى لا يتكرر ما جرى.

من مفارقات التواريخ أن «عبدالناصر» رحل فى (٢٨) سبتمبر (١٩٧٠)، وهو نفس يوم الانفصال قبل تسع سنوات.

كان من رأى المفكر القومى «عبدالله الريماوى» أن أول دبابة تحركت للانقلاب على الوحدة كانت أول دبابة إسرائيلية دخلت سيناء فى حرب يونيو (١٩٦٧).

عندما استمع «عبدالناصر» إلى عبارة «الريماوى» بدا مقتنعا بمنطقها وضرب بيده اليمنى متأثرا على المكتب الذى يجلس عليه.

بذات القدر فإن انفصام الوحدة مهد على مدى زمنى طويل لإعادة استهداف سوريا دورا وحجما فى عالمها العربى.

رغم ذلك تتبدى الوحدة فى الذاكرة العامة كحلم يستعصى على محاولات الإجهاز عليه.

أجهزوا على تجربة «عبدالناصر» واصطادوها من ثغراتها، لكن للأحلام مناعة أكبر وعمرا أطول.

قالوا إن الوحدة «وهم ناصرى»، وأن مصر فرعونية، أو شرق أوسطية، أو أى شىء آخر غير أن تكون عربية، لكن الحقائق تغلب باستمرار.

يستلفت الانتباه فى أداء «عبدالناصر» لحظة الانفصال مدى إدراكه للحقائق فى سوريا وخشيته على مستقبلها.

بعد الانفصال بأسبوع قال فى خطاب بثته الإذاعة المصرية، كأنه يقرأ طالع أيام لم تأتِ بعد: «إن الوحدة الوطنية فى الوطن السورى تحتل المكانة الأولى.. إن قوة سوريا قوة للأمة العربية وعزة سوريا عزة للمستقبل العربى والوحدة الوطنية فى سوريا دعامة للوحدة العربية وأسبابها الحقيقية».

«لست أريد أن أقيم حصارا سياسيا أو دبلوماسيا من حول سوريا، فإن الشعب السورى فى النهاية سوف يكون هو الذى يعانى من هذا الحصار القاسى».

وكان مما قال فى ظروف الانفصال: «ليس مهما أن تبقى الوحدة، المهم أن تبقى سوريا».

فى لحظة الانكسار تبدت سلامة الرؤية.

أوقف التدخل العسكرى المصرى بعد أن أرسلت قوات إلى اللاذقية خشية إراقة الدماء.

وكان ذلك إجراء سليما، رغم صعوبته، فلا وحدة تتأسس على إراقة دماء.

قيمة «عبدالناصر» فى التاريخ أنه عبّر عن فكرة أن مصر تستطيع أن تكون قوية وتجعل العالم العربى قويا معها فتتضاعف قوتها، وهذه الفكرة لا تجىء تاريخيا لمصر إلا ربع ساعة كل مائة سنة ــ بتعبير الكاتب الصحفى الراحل «محمود عوض».

التعبير مجازى لكنه يعبر، بصورة أو أخرى، عن حقيقة لا يمكن تجاهلها أن قوة مصر فى عالمها العربى والخروج منه يفضى إلى عزلتها وتقويض ثقتها فى نفسها، كما يفضى إلى إضعاف العالم العربى واستباحته.

استعادة سوريا معركة حقيقية لا سبيل إلى التخلى عنها وإلا فإننا نخطئ فى ابجديات الأمن القومى لكل بلد عربى، خاصة مصر.

“الشروق”المصرية

طباعة