aren

إليف شفق.. و«هذا العالم الغريب»: بعد توقف قلبها عن الخفقان … تستمر المرأة في التفكير
الخميس - 16 - يناير - 2020

p;p

التجدد – بيروت

«10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب»، هي أحدث رواية للكاتبة التركية ، إليف شفق ، صاحبة «قواعد العشق الأربعون». تبدأ الرواية ، وقد قتلت البطلة «ليلى» بوحشية ، وألقيت جثتها في مكب للقمامة، وتدور الاحداث في الدقائق الـ10 والثواني الـ38 ثانية الأخيرة ، التي يعمل خلالها دماغها ، قبل أن تموت.

فيمايلي ، مقالة للكاتبة “جوليا فيليبس” عن الرواية ، نشرتها صحيفة الـ«نيويورك تايمز»:

تروي «10 دقائق و 38 ثانية في هذا العالم الغريب» قصة تيكيلا ليلى، البغيّ التي تعيش في اسطنبول. يصف عنوان الرواية والنصف الأول منها اللحظات الأخيرة من وعي ليلى وهي تعبر من الحياة إلى الموت. يبدأ الكتاب وقد توقف قلب ليلى بالفعل عن الخفقان، لكن أفكارها تنطلق «ظن الناس أنك قد تحولت إلى جثة في اللحظة التي لفظت فيها أنفاسك الأخيرة. لكن الأمور لم تكن بذلك الوضوح. كانت هناك ظلال لا حصر لها بين الأسود الفاحم والأبيض الناصع، وهكذا كانت هناك مراحل متعددة مما يسمى «الراحة الأبدية». إذا كانت هناك حدود بين عالم الحياة وعالم الحياة الآخرة، فقد قررت ليلى، ان تلك الحدود يجب أن تكون قابلة للاختراق كحجر رملي.

خريطة إسطنبول\ وصلت ليلى إلى هذا القرار بينما كانت محشورة في صندوق للقمامة على مشارف المدينة، حيث قُتلت للتو. من كانت؟ من قتلها؟ من سيتذكرها بعد رحيلها؟ ماذا ستكون عواقب هذه الوحشية؟ هذه هي الأسئلة التي يتناولها الكتاب، مع متسع كبير للحزن والفكاهة والحب في ما بينها. «10 دقائق و 38 ثانية في هذا العالم الغريب» تضع القراء في البداية ازاء خريطة لإسطنبول، تحمل معالم أعطيت معنى جديدا من خلال سرد الرواية: فندق إنتركونتيننتال، مقبرة المشردين، جسر البوسفور. تحدد هذه الصورة نغمة الصفحات التالية. بينما تكون الخرائط في بعض الكتب الأخرى موضحة بشكل قاطع، متيحة رؤية مباشرة واضحة للمكان، فإن هذه الخريطة مرسومة من زاوية، والسحب تحجب حوافها. نورس يتصدر المشهد. اسطنبول ضيقة في الأسفل. يصبح هذا تمثيلًا بصريا متقنا ليس للمواقع في القصة فحسب، بل لقصد المؤلفة كذلك. وعد الرواية بقدر اتساع الرواية، وتنقلها عبر الزمان والمكان والشخصيات ومستويات الوجود، فإنها تظل راسخة في الأحاسيس التي تشكل الحياة اليومية. ان لديها طموحات هائلة واهتماما حادا بالتفاصيل.

الخريطة وعد

«10 دقائق و 38 ثانية في هذا العالم الغريب» لن تتخذ أبداً رؤية عين الطائر من دون أن تظهر بالضبط أية عين تلك التي نطل منها. شفق تفي بالوعد. الجزء الأول من الرواية، «العقل»، يضعنا في دماغ ليلى. ثانيةً فثانية، نقوم بالعد التنازلي لموتها بينما نعرف حياتها. كل دقيقة تمر تمتاز بذاكرة حسية: وزن الملح الذي غطت به القابلة جسد ليلى عند ولادتها، رائحة الليمون والسكر والماء على الموقد في منزل طفولة ليلى المحافظ، طعم القهوة بالهيل، القوية الداكنة، التي شربتها ليلى في أوقات استراحتها. مع انحسار وعي ليلى، تتزايد ذكرياتها. لا نتعرف فقط على اللحظات والأماكن الغنية بالنكهة التي شكلتها، بل نعرف كذلك الأشخاص الذين عرفتهم ليلى، والديها، شقيقها، سيدتها، حبيبها. نلقي نظرة خاطفة على تاريخ أصدقاء ليلى الخمسة الأعزاء.

لقد حان ثمن أليف شفق لتحدي الرواية الرسمية للدولة التركية عن نفسها

كتبت شفق «لم تخبر أصدقاءها بذلك قط، لكنهم كانوا شبكة الأمان لها.. في أيام غرقها في الرثاء لنفسها، بعد الصدمات القاسية، كانوا ينتشلونها بلطف وينفثون الحياة في رئتيها». الأصدقاء ذاكرة الجسد في النهاية، تخرج الحياة من رئتي ليلى. لكن دعم شبكة الأمان لها يبقى. هؤلاء الأصدقاء الخمسة – نوستالجيا نالان، هوليوود هوميرا، جميلة، زينب وسابوتاج سنان – هم الشخصيات التي تشكل الجزء الثاني من الرواية، «الجسد». مثل تيكيلا ليلى، هؤلاء الخمسة أصبحوا غرباء في المجتمع التركي.

نالان امرأة متحولة جنسياً، هوميرا مشردة، جميلة تم تهريبها إلى إسطنبول من الصومال، وزينب تعاني التقزم. سنان، الرجل الوحيد في المجموعة، يقضي أيامه عاملا في مكتب مضيق، لكنه يعيش حياة سرية في الليل. وهم يشكلون معًا ما تسميه نالان «عائلة مائية»، يمكنها ان «تشغل مساحة أكبر من كل أقاربكم مجتمعين. لكن أولئك الذين لم يجربوا الشعور بالرفض من أقاربهم، لن يفهموا هذه الحقيقة في مليون عام».

يقدر كل من هؤلاء الخمسة قيمة الصداقة ومدى اهميتها. يصممون على توديع ليلى الوداع الذي لن يوفره لها أقرباؤها ولا الدولة. وبينما كان الجزء الأول من الرواية دراسة للشخصيات، فإن الجزء الثاني طفرة. ينتقل سرد شفق من داخلي إلى خارجي، من الأفكار إلى الفعل، ومن تلخيص الحياة بأكملها إلى تحولات يوم محموم. توحد جزأي الرواية مهاراتها ككاتبة، واندفاعتها الواثقة، وصدقها العاطفي ووعيها السياسي، ما يجعلها كلا متحركا في انسجام.

ليس كل شيء مثاليا

بعض الشخصيات لم يتم تطويرها بصورة كافية كغيرها، واللغة قد تشعرك بالملل في بعض المواضع. لكن هذه العيوب لا تقلل من جودة الكتاب. «10 دقائق و 38 ثانية في هذا العالم الغريب» رواية تستحق التقدير. شفق تكتب برؤية وبشجاعة وبرحمة. روايتها صورة مذهلة لمدينة ومجتمع وجماعة صغيرة وروح واحدة.

https://www.nytimes.com/2019/12/16/books/review/10-minutes-38-seconds-in-this-strange-world-elif-shafak.html

طباعة