aren

بطاركة الخارطة الناقصة الزائدة…\\ كتابة : جهاد الزين
الثلاثاء - 14 - مايو - 2019

صفير

الكلام الغزير الذي يصدر وسيصدر بمناسبة الوفاة البيولوجية فجر الأحد للبطريرك مار نصرالله بطرس صفير بعد تسع سنوات من موته السياسي، سيبقى منه أن البطريرك صفير في التاريخ اللبناني سيكون بطريركا بارزاً من بطاركة أزمات العلاقات اللبنانية السورية وارتباك الموارنة حيالها.

ليس بطريركا مؤسِّسا للكيان كالياس الحويك وليس بطريركا مواكبا للاستقلالَيْن السوري واللبناني كأنطوان عريضة ولا بطريرك عدم التخلّي عن التعايش المسلم المسيحي في نهائيات عهد كميل شمعون في ظل توافق عربي أميركي كبولس المعوشي، ولا بطريركا شاهداً على الانفجار الفلسطيني المسلم مع المسيحيين كأنطوان خريش ولا بطريركا تغييريا للمرة الأولى لمعنى مائة عام من التوتر التكويني المتفاوت بين الكيانين السوري واللبناني كبشارة الراعي.

سيقال عن صفير أنه أحد البطاركة الذين طلب الفاتيكان تغييرهم لسبب ما، بل لأسباب، لعل أحدها انتقال أزمة المسيحيين، إذا جاز التعبير، من أزمة مسيحيّي لبنان إلى أزمة مسيحيي المنطقة. صار مسيحيو لبنان عمليا، أي سياسياً، في قيادة مواجهة مخاطر ضعف بل شبه انقراض مسيحيي المنطقة ككل. وليس مجرد أزمة تعايش جديدة في لبنان وحده.

تعرّض البطريرك صفير لمعادلة قبول اتفاق الطائف بصفته تغييرا في بنية السلطة اللبنانية لصالح رعاية سورية للطوائف السنية والشيعية والدرزية، ولكنه في الوقت نفسه عاش في قيادة الصرح البطريركي ليشهد انتهاء الدور السوري كمرجعية سياسية للدولة اللبنانية.

ربما بدا للفاتيكان خلال سنوات ما بعد 2005 أن هذا البطريرك الدمث والعنيد، وخصوصا بعد 2010 لم يعد مهيّأً، بما فيه السن الطاعن الذي بلغه، لقيادة الصرح البطريركي المؤسِّس للكيان اللبناني في وجهة تتطلب معادلة أخرى من الأولويات في العلاقة اللبنانية مع من يدير الكيان السوري، بل في النظرة إلى معادلات المنطقة حين تنهار دول ومجتمعات بكاملها.

منذ 1920 تعوّدت النخب السياسية المسيحية اللبنانية أن تنظر بحذر إلى طموحات النخب السورية الحاكمة في المنطقة وتحديدا لبنان. حتى عندما كان المفوض السامي يحكم دمشق وبيروت معا، كان هناك في بكركي من يراقب بدقة، حتى بِنَقْدِيّة، السلوكَ الفرنسي حيال الطموحات السياسية السورية. وإذا كان البطريرك صفير عاش أصعب وأعقد علاقة سورية لبنانية تجسّدت بما لم يكن سيخطر حتى في خيال البطريرك الحويك بعد 1920، فإنه غادر سلطته البطريركية مع انتقال العلاقات اللبنانية السورية بفعل الربيع – الشتاء العربي من أزمة نخب سورية إلى أزمة شعب سوري نازح إلى لبنان، كل لبنان، بأكثر من مليون ونصف مليون نسمة بفعل الحرب إلى لبنان ضمن موجة نزوح داخلية إلى مناطق أخرى في سوريا وخارجية إلى دول الجوار ستشمل حوالى ثلث الشعب السوري وربما أكثر.

هكذا خلال سنوات قليلة خرج الجيش السوري مع وصايته من لبنان ليحل مكانه “الشعب” السوري، أي جزء كبير منه، الهارب من مظلومية حرب كان أبطالها، أي الظالمون، يزدادون عددا وتنوعا سياسيا وأيديولوجيا وعسكريا كلما تقدمت الحرب الأهلية الإقليمية الدولية في سوريا. ومع هذا التحول سيكون الرأي العام الماروني المعبّأ ضد السلطة في دمشق على مشارف صدمة خطر التيارات الأصولية التكفيرية التي ستنقل اهتمامه، ومعه الفاتيكان، إلى أولويات جديدة. وسينعكس ذلك على من يكون البطريرك في بكركي.

بطريركية صفير كانت إذن بطريركيةَ مواجهةِ سلطويةٍ سوريةٍ، بينما بطريركية الراعي هي أساسا بطريركية تحديات ديموغرافية سورية غير مسبوقة جعلت اللبنانيين وخصوصا المسيحيين “يترحمون” على ما صار “وداعة” الرقم الديموغرافي الفلسطيني الذي أدى إلى الانفجار العنيف: مخالفة المسلمين للميثاق منذ عام 1968 والتي رد عليها المسيحيون بتعليق بل بشلِّ الدولة اللبنانية عام 1975. رقم فلسطيني بات بإمكان إحصاءات جهة رسمية لبنانية في السنة الماضية أن تأخذ راحتها في تقديم أرقام مخفّضة عنه، و”إثبات” ذلك في تقرير مفاجئ من دون أن يثير أي مشكلة لا لدى “الاحتقان” المسيحي ولا لدى “التقية” المعمّمة على الطائفيات السياسية السنّية والشيعيّة والدرزيّة المتبادِلة الريبات مع بعضها البعض، رغم ريباتها القديمة مع المارونية السياسية. لم تكتمل شروط المصالحة المسيحية الدرزية التي رعاها البطريرك صفير لكن طرَفَيها أرادا وضعها في سياق إحياء جبلية لبنانية لم يعد أكيدا، على أهميتها التعايشية، أنها لا تزال محور الحياة السياسية اللبنانية وتغيراتها المفتوحة على آفاق إقليمية فائقة الخطورة.

لا زالت بكركي عاصمة الكيان رغم كل ما حصل في مائة عام. عاصمة الفكرة أكثر مما هي الخارطة. الخارطة أكثر مما هي الدولة. الدولة أكثر مما هي السلطة. والبطريرك الراعي سيكون في موقع محظوظ ولا يحسد عليه في آنٍ معا: الاحتفال بمئوية الكيان اللبناني. مئوية شجون وظنون ووقائع ونجاحات وخيبات ليست في العمق لبنانية فقط. إنها في العام 2000 مئويةُ الاختبار الأعلى بعد اختبار العام 1948 لكل التكوين السياسي والخرائطي للمنطقة.

لبنان خارطة ناقصة وزائدة في الوقت نفسه. هذه هي قوته وهذا هو ضعفه في هذا التجاذب الهائل الذي يجعل منه حالياً بلدا رائعا ودولة تافهة أو صارت تافهة.

مائة عام من اللاعزلة والاضطراب وصعود وأفول طبقات وقوى… لكنها أيضا مائة عام من الهجرة تجعل تاريخنا وكأنه سلسلة افتراضات لا تزال غير مؤكدة.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

“النهار”

طباعة