aren

انشقاقات جدية داخل «العدالة والتنمية» \\ كتابة : د. محمد نور الدين
السبت - 13 - يوليو - 2019

 

أخيراً تقدم علي باباجان، باستقالته من حزب العدالة والتنمية، الخبر ليس عادياً بالرغم من أنه جاء من وزير سابق.

حكاية الصراع والنفوذ داخل حزب العدالة والتنمية، هي حكاية الصراع بين نهج الفردانية المتجسدة برئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، وبين الآخرين كل الآخرين داخل الحزب وداخل الحالة المؤيدة للحزب وداخل الفئات المعارضة للحزب على مستوى كل تركيا. ما بين تأسيس حزب العدالة والتنمية عام 2001 واليوم مسافة كاملة من التغيير الذي لم يُبق أحداً في الحزب مع مضي السنوات. لم يكن حزب العدالة والتنمية، يحظى فقط بتأييد شرائح إسلامية هي وريثة قاعدة حزب الفضيلة وريث حزب الرفاه.

الأصوات التي نالها منذ العام 2002 وحتى اليوم كانت أكبر بكثير، بل ضعف ما كانت عليه النواة الصلبة للحالة الإسلامية السياسية، والتي قاربت العشرين في المئة في انتخابات 1995 و15 في المئة عام 1999.

عندما نال حزب العدالة والتنمية 34 في المئة في العام 2002، كان واضحاً أن جزءاً من هذه النسبة تريد التخلص من حكم العلمانيين وتحرير الإسلاميين من قمع النظام العلماني- العسكري، لكن نصف هذه النسبة كان يريد أيضاً تحسين الوضع الاقتصادي والعيش في ظل سلطة تسعى إلى مزيد من الحريات والمساواة بين المواطنين.

شكل أردوغان الأمل والنموذج لهذه التطلعات تماماً، كما كان يمثل بولنت أجاويد، الشاب العلماني المتشدد في منتصف السبعينات، الأمل لجيل بكامله من نزعة إنسانية واشتراكية على رأس حزب الشعب الجمهوري. وبعد انتخابه عام 2002، أطلق أردوغان، وعوداً بحريات واسعة وحل المشكلتين الكردية والعلوية، ورفع يد العسكر عن الحياة السياسية، لكن مسيرته كانت تعرف انفضاضاً تدريجياً لمن حوله من حوله.

وكانت البداية مع القوى التي تدفع في اتجاه حل ديمقراطي لمشكلات تركيا، والتي خاب ظنها بإخلاله بوعوده، ومن ثم بدأ الخلاف مع شركائه في الحالة الإسلامية، مثل: الداعية فتح الله غولين وجماعته التي اتهمها أردوغان، بتدبير محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام 2016، وقد دخل أردوغان في حملة تصفية شاملة لجماعة غولين في كل القطاعات العسكرية والأمنية والاقتصادية والتربوية.

ومن بعد ذلك، بل قبل ذلك أيضاً، دخل أردوغان، في خلافات عميقة مع رفاقه داخل الحزب، لاسيما رئيس الجمهورية عبدالله غول، ورئيس الحكومة أحمد داود أوغلو، ووزراء على رأسهم وزير الخارجية ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق علي باباجان. ومع هزيمة بن علي يلديريم في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول، احترقت آخر ورقة قوية باقية داخل الحزب، ولم يبق بجانب أردوغان سوى صهره الشاب وعديم الخبرة وزير الخزانة والمالية برات البيرق. ربما يتحمل حزب العدالة والتنمية بحدود معينة، انفضاض شركائه من خارج الحزب عنه، لكن عندما تنشب النار داخل المنزل فالوضع سيكون مختلفاً.

فضلاً عن النزعة الشخصانية لأردوغان، والتي أدت إلى إطاحة عبدالله غول من الحزب في نهاية أغسطس/آب 2014، فإن النزعة لإقامة نظام رئاسة كانت القشة التي قصمت ظهر أحمد داود أوغلو، الذي عارض النظام الرئاسي فكانت النتيجة إقالته من رئاسة الحكومة في مطلع مايو/أيار 2016. ومن بعد ذلك ذهبت البلاد إلى استفتاء بعد عام على تعديلات دستورية، أقرت النظام الرئاسي بفارق ضئيل جداً كان يمكن ألاّ يكون، لولا الاتهامات بحصول عمليات رشى وتزوير. وبعد ذلك بعام، أي في العام 2018 كان أردوغان ينتخب رئيساً للجمهورية بموجب النظام الرئاسي الجديد ليفيض كيل المتمردين داخل الحزب.

قبل أيام كان وزير الخارجية السابق علي باباجان، يعلن استقالته من الحزب، ويدعو ضمناً في بيان الاستقالة إلى تشكيل سياسي جديد ينقذ البلاد ويفتح صفحة بيضاء جديدة مع الناس، ويعلن أن الكثير من رفاقه يؤيد هذا التوجه.

التسريبات تقول إن ما يقارب الخمسين نائباً سينتقلون من حزب العدالة والتنمية إلى الحزب الجديد لباباجان، الذي يدعمه عبدالله غول. كذلك ينشط أحمد داود أوغلو، لتأسيس حزب آخر ومعه خمسون نائباً آخر، أي أن حزب العدالة والتنمية سيفقد حوالي ثلث نوابه.

المشهد مثير فعلاً وفي حال حصوله، سنكون أمام تشظي حزب العدالة والتنمية، وربما انتخابات نيابية جديدة تعيد رسم المشهد السياسي من جديد داخل تركيا. فهل ينجح باباجان وغول وداود أوغلو في ذلك؟ ويكونون عاملاً حاسماً في إنهاء حقبة أردوغان.

“الخليج”الاماراتية

طباعة