aren

انتفاضة الشعب اللبناني تحقق أول مطالبها
الخميس - 31 - أكتوبر - 2019

الحريري يقدم استقالته للرئيس عون

في اليوم الثالث عشر على استمرار حراك الشعب اللبناني في الساحات والطرقات، ظفرت انتفاضته بأول مطالبها المعلنة والمتجسدة باستقالة الحكومة اللبنانية، إذ تقدم رئيسها سعد الحريري بها، وعزا أسبابها إلى أنه وصل إلى طريق مسدود، ويجب أن تكون هناك صدمة كبيرة لمواجهة الأزمة، جسدها باستقالته (…).

استقال الحريري فاحتفل المتظاهرون والمعتصمون في الساحات المختلفة والمتعددة بإعلان استقالته وأنشدوا النشيد الوطني وعلت أهازيجهم وأصوات الأغاني الوطنية، وفي صباح اليوم الثاني على الاستقالة توالت إعلانات المعتصمين في بيروت والمناطق تخليهم عن قطع الطرقات والسماح لقوى الجيش والأمن بفتحها كافة وحصر تجمعاتهم وأماكن احتجاجهم في ساحات محددة بعيداً عن حركة الطرقات..

صدمة الاستقالة

أراد الحريري من استقالته إحداث صدمة «كبيرة» تكسر حال المراوحة المستمرة منذ بدء الحراك قبل 13 يوماً، وتتجاوب مع أبرز مطالب الحراك الذي بادر فور الاستقالة إلى الإعلان عن أنها ليست كافية بذاتها بل لا بُدّ أن تكون مدخلاً إلى بقية مطالبه وفي مقدمها تشكيل حكومة مدنية عمادها شخصيات تكنوقراط ومستقلون بعيداً عن أحزاب السلطة تعمل على تخليص البلاد من أزمتها الاقتصادية، واجتثاث الفساد في مفاصل السلطة والإدارة والمؤسسات، وصولاً إلى استرداد أموال الشعب المنهوبة، وتهيئ لقانون انتخابي جديد تجرى على أساسه انتخابات نيابية مبكرة يبادر من يفوز فيها بالنيابة إلى انتخاب رئيس جديد للبلاد(…)

صارت الاستقالة واقعاً وبدءاً من أمس، صار السؤال عند جميع الأفرقاء السياسيين فضلاً عن المراقبين:.. وماذا بعد؟

في الإجابة يرى مراقبون أن لبنان انتقل، بعد 17 تشرين الأول/‏‏ أكتوبر، إلى مرحلة سياسية جديدة، مختلفة عما قبلها على صعيد التوازنات والمعادلات السياسية، وهي تبدو في نظر كثيرين غامضة لا يمكن استئنافها بسهولة..

وفيما يرى بعض هؤلاء المراقبين أن الحريري رمى باستقالته بوجه عون وحمله بالتالي مسؤولية عدم اتخاذ قرارات سياسية استثنائية في هذه الظروف مثل قرار التضحية بوزير الخارجية جبران باسيل، الذي تحدثت مصادر متعددة عن أن الحريري طالب بإقصائه عن الحكومة تلبية لمطالب الحراك، فيما رفض ذلك عون، فإن ذلك يعني أن الحريري أعلن ببيان استقالته انتهاء التسوية السياسية الرئاسية التي أتت بعون رئيساً للجمهورية وبه رئيساً للحكومة، وهي مرحلة كان مقدراً لها أن تستمر حتى نهاية العهد الحالي في العام 2022.

فراغ وتجاذب سياسي

وفي هذا السياق، وتأسيساً على احتمال انفكاك التسوية الرئاسية، فإن بعض المراقبين يستنتج أن لبنان يوشك أن يدخل في مرحلة فراغ وتجاذب سياسي معطوفة على واقع اقتصادي ومالي كارثي وهواجس ومخاوف أمنية، ما يجعل البلد أمام منعطف سياسي كبير، وبالتالي، سيزداد الضغط أكثر على العهد ومجلس النواب والقوى العسكرية والأمنية وأيضاً على الواقع المصرفي، ولا يملك أحد جواباً عن سؤال اليوم التالي.

ويلفت مراقبون إلى أن عون، رغم امتعاضه من تفرد رئيس الحكومة بإعلان استقالته من دون التشاور معه، فإنه بادر، أمس وفق الدستور، إلى إعلان قبوله استقالة الحريري وطلب من الحكومة مواصلة تصريف الأعمال حتى تشكيل حكومة جديدة، ويشيرون إلى أن كل الدلائل تومئ، وفق المعطيات المتوافرة، الى أن إعادة تكليف الحريري هي الأكثر ترجيحاً لتشكيل حكومة جديدة.

وكان قد شاع في بعض الأوساط أن هناك غير اسم مطروح لخلافة رئيس الحكومة المستقيل، ومن هذه الأسماء تمام سلام، والنائب فؤاد مخزومي، والنائب والوزير السابق محمد الصفدي، لكن باستثناء مخزومي الذي نشط وراء الكواليس في غير اتجاه، فإن لا سلام ولا الصفدي، أبديا رغبة في ذلك، أو أوحيا باستعدادهما لخلافة الحريري والحلول محله، فيما الحريري – على ما تقول معلومات هذه الأوساط – يتجه إلى حكومة «تكنوقراط» من غير الحزبيين، أو على الأقل من المقربين إلى الأحزاب التي تتشكل منها السلطة.

لكن هذا الطرح مازال يواجه بتحفظ يقارب الرفض من «التيار الوطني الحر» الذي يعتبر أن الحريري هو رئيس حزب سياسي، ورئيس كتلة نيابية، ولا يجوز أن يطلب حجب تمثيل رئيس أكبر تكتل برلماني (باسيل) يمثل تياراً شعبياً واسعاً حتى إشعار آخر، كما يرى أن صيغة حكومة «التكنوقراط» هي صيغة «ملطفة» أو»معدّلة» لإبعاده عن الحكومة بصورة مباشرة لأسباب تتعلق بسياسة الدولة الخارجية التي يسير باسيل بها، خصوصاً حيال موضوع عودة «النازحين السوريين»، وعودة سوريا إلى الجامعة العربية، واستعداده للتوجه إلى دمشق لحل مسألة النازحين، ورفض مقترحات واشنطن في ما يتصل بترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان و»إسرائيل»، وتحالفاته السياسية..

وفي معلومات المصادر المراقبة أن أحداً من الأطراف المعنيين بتشكيل الحكومة لا يريد للأمور ان تتأزم على نحو درامي، ولكن يبدو أن أياً منهم لا يرغب في تقديم تنازلات تحدّ من نفوذه وحضوره في الدولة. وإذا كان باسيل يعتبر أن عدم توزيره يعني إخراجه من المشهد الرئاسي مستقبلاً، فإن الحريري – إذا أعيد تكليفه – سيكون أمام خيارين: الأول: تشكيل حكومة «تكنوقراط» تحظى بغطاء سياسي من القوى الرئيسة الفاعلة، تبعد الوزير جبران باسيل، و«حزب الله» محققاً رغبة خصومهما، الأمر الذي قد يصطدم برفض رئيس الجمهورية. والثاني: تشكيل حكومة «سياسية-تقنية» تضمّ سياسيين وتقنيين، قد تتسبب له بمشكلة مع قوى سياسية أخرى في الداخل، وجهات خارجية مؤثرة، وتمهد لإعادة تسخين الحراك من جديد إلى حدود كبيرة..

عون والحريري

وتضيف هذه المصادر أنه مع التأكيد بأن الرئيس عون لن يتخلى عن الرئيس الحريري ويريده أن يعود على رأس الحكومة الجديدة لاعتقاده بأنه الأقوى في بيئته والأكثر انفتاحاً واعتدالاً، لكن وفي قراءة المصادر المتأنية، فإن البلاد في حال عدم الوصول إلى ذلك قد تكون أمام أزمة حكومية مفتوحة تمتد إلى عدة أشهر على الأقل، إذا لم يتمّ الاتفاق على صيغة متوازنة تأخذ مصالح الجميع في الاعتبار، وتبدأ بتنفيذ مطالب الحراك، وهي مطالب الشعب اللبناني، الذي يعاني وجعاً وحرماناً دفعاه ويدفعانه للكفر بكل شيء.

وفي تلخيص للوضع غداة استقالة الحريري فإن الاتفاق لدى مختلف أطياف الحراك كان كاملاً على إسقاط الحكومة، لكن بعد سقوط الحكومة، ثمة رؤى مختلفة للحراك، بعضها راضٍ، وبعضها سقفه عال ويصل إلى إسقاط كل الطبقة السياسية، وهو أمر شبه مستحيل في لبنان.

أما آفاق الغد فتتلخص الآن بأن مشاورات مكثفة تجري بين القوى السياسية للتفاهم على الشخصية التي سيتم تكليفها، قبل الدعوة إلى الاستشارات النيابية الملزمة.. والدعوة لانتظار وتبلور ما ستحمله الأيام والساعات المقبلة قائمة وبديهية.

“الخليج” الاماراتية

طباعة