aren

الى اللقاء دكتور “طيب” \\ بقلم : فاتح جاموس
السبت - 18 - مايو - 2019

طيب-التيزيني

مساء صداقات النخب المسؤولة والصادقة في قضايا الشأن العام ، وذات القناعات الراسخة والمتعوب عليها في خياراتها…

مساء النور ، صديقي دكتور طيب.

خلال تجربتنا الكفاحية في حزب العمل الشيوعي ، وعلى الرغم من جذرية طروحاتنا ، كنا نطرح على أنفسنا ضرورة الحوار والتأثير على عدد من مثقفي الوطن ومبدعيه … كان منهم الدكتور طيب على الرغم من الالتباسات ، التي كانت تحيط به… خاصة بعلاقته بقمة الهرم السياسي في السلطة السورية ، وكذلك بسبب ملاحظاتنا على بعض جوانب منهجيته في مشروعه الهائل لمراجعة تاريخ ، وتراث المنطقة…

لا شك أننا كنا قد طرحنا على أنفسنا السؤال .. : ماذا علينا أن نعتبر دكتور طيب ، هل هو مثقف سلطة، هل هو مثقف وطني يساري مستقل ، له وجهة نظر خاصة بكيفية التعاطي مع المركز المقرر في السلطة القصر والرئاسة ؟ وهل من واجبنا الحوار معه ، وعلى أي اساس؟ .

بالطبع ، اختلفنا بداية وبعضنا كان متشددا في ضرورة رفض الحوار والعلاقة التفاعلية ، حتى ولو كان هو قد طلبها ، وكان مستعدا لها ، وجاءت المحصلة في ضرورة الحوار ، وتعاطينا بذلك بثقة عالية معه ، كنا نعتقد عميقا في المحصلة العامة ، انه مثقف له وجهة نظره ، كما له حساباته الحذرة، وترددنا على ذلك الحوار عدة رفاق في سنوات ، تخفينا ، وكانت موضوعات الحوار دائما في قضايا الشأن العام الاساسية.

وفي نتاجاته المنشورة ومشروعه الثقافي الرئيسي، ومحاولاتنا اقناعه بالتخلي عن فكرة العلاقة التشاورية مع السلطة، كان يدافع بقوة عن فكرته ، وكان يتمنى دائما ان تطور السلطة نفسها ، تلك العملية بعلاقة حوارية خاصة ، وممأسسة مع المثقفين والمفكرين بالتغاضي عن انتماءاتهم.

كان يعتقد ان ذلك يؤثر بصورة ايجابية على مركز القرار في السلطة ، بمناحي وميادين عديدة، وكان يشتكي دائما ، ان الكثير من اقتراحاته واستشاراته ، لم يؤخذ بها ، خاصة خلال مرحلة الصراع الاولى بين فاشية الاخوان والسلطة بطابعها الديكتاتوري، وكذلك كما قال أيضا بعد اندلاع الحراك في اواسط آذار ٢٠١١ ، وتصاعد مخاطر الازمة.

وفي كل الاحوال ، كان لبقا وراقيا ، ومستمعا ، وحريصا جدا جدا على أمن أولئك الاشخاص ، الذين كانوا يرونه ، ويحاورونه من اليسار السوري المعارض.

كانت لديه فكرة مركزية مهمة جدا في طابع السلطة ، تتمثل في فكرة الدولة الامنية مع انه لم يصل مرة الى فكرة الحديث عن السلطة الديكتاتورية ، وعلاقتها الابتلاعية ، او الاستيلائية المفتوحة للدولة.

ولا شك ، انه غدا اكثر جذرية في موقفه من السلطة، وربما تأثر شخصيا بموت اقارب اعزاء عليه ، وغير مقاربته للازمة ، واعتقد انه وصل حدود تضييع الاولويات ، وتجاوز رصانة المفكر والمثقف الى الخلط بين الاراء السياسية ، ذات الطابع التحريضي ، والمقاربة العميقة في التاريخ المادي.

حضرنا سوية ، العديد من الحوارات في الداخل والخارج، وبقيت علاقتنا ذات طابع حواري اساسي في العمق ، بقيت ذات طابع صداقي . يقوم على الاحترام والتقدير مع الاختلاف ، واحترام الحق الخاص بذلك.

ومن جهتي ايضا ، كنت آخذ عليه ذلك الاصرار على البقاء في المسافة البينية ، بين المنهج الماركسي ومصطلحاته ، والمنهج التلفيقي القومي ، وخصوصية التميز القصدي في مصطلحات بديلة ، وصياغات تجريدية فكرية خاصة ، ليست أكثر من نفس المفاهيم الماركسية في العمق ، يصر على تلوينها ، بالتالي خلق الالتباس الفكري التلفيقي.

كان يرغب حقا بالعمل مع فكرة مؤسسة ، تجمع العقلاء الوطنيين من كل اطراف الانقسام الوطني ، تحاول لعب دور تأثيري ايجابي في الازمة، كنت قد طرحتها على بعض الاصدقاء لتيارنا ، طريق التغيير السلمي ، وتشاركنا بصياغتها سوية، كما حضرنا سوية العديد من اللقاءات الخاصة بها ، لكن قوة الأزمة ، وعمق الانقسام الوطني ، دخل بقوة على بنية الفعالية ، ومنعها من التطور.

باعتقادي العميق ، وبكل التباسات دكتور طيب ، فانه لم يكن مثقف سلطة، بل كان مفكرا ومثقفا وطنيا مستقلا ، ومأمونا على الوطن. وأهم وأكثر جوانب غنى شخصيته ، هي في تلك الالتباسات ، واصراره على التوافق بين بنيته وقناعاته بالرغم من كل الاتهامات.

الى اللقاء دكتور طيب في حياة اخرى من تطور طاقاتنا ، ووعينا مع المحبة.

طباعة
هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها