aren

الهزيمة الأولى لأردوغان \\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 6 - أبريل - 2019

تلقى الرئيس التركي رجب طيب اردوغان شخصياً، ومعه حزب العدالة والتنمية، ضربة قاسية لم يعرفها منذ أكثر من ربع قرن، في الانتخابات البلدية في تركيا التي جرت الأحد الماضي، 31 مارس/ آذار، وحققت فيها المعارضة إنجازاً نوعياً كبيراً.

في ظل تغيير النظام السياسي قبل سنتين، وحصر الصلاحيات المطلقة بيد رئيس الجمهورية، وتقليص صلاحيات البرلمان وتهميش دوره، لم يعد أمام القوى السياسية سوى الانتخابات البلدية إطاراً لتحديد أحجامها، والقدرة على التأثير من خلال تقديم الخدمات.

لذا شحذت كل الأطراف كل أسلحتها لإدراكها أهمية هذه الانتخابات التي تحولت بالتالي إلى انتخابات سياسية بامتياز.

وفي قراءة رقمية للنتائج نجح حزب العدالة والتنمية، وشريكه حزب الحركة القومية، في المحافظة على قوتهما الشعبية حيث حصدا نحو 52 في المئة من أصوات المقترعين. في المقابل كان مجموع أصوات المعارضة 48 في المئة. لكن قراءة النتائج من هذه الزاوية فقط هي قراءة خادعة، وغير علمية، وغير دقيقة.

الانتصار الذي حققته المعارضة في أنقرة وإسطنبول وأضنة ومرسين وأنطاليا، وغيرها من المدن الكبرى والمتوسطية والأوروبية، يتجاوز بكثير حجمه العددي.

لقد عرفت الحملة الانتخابية التي قادها أردوغان شخصياً، مجموعة من العناوين المثيرة واللافتة. فقد رفع أردوغان سقف الخطاب الأيديولوجي إلى درجة عالية جداً، حيث اعتبر كل معارض له خائناً، و إرهابياً ينتمي إلى حزب العمال الكردستاني، وهدّد بمعاقبة كل من تجرأ على تحميله تبعات تردي الاقتصاد، ولجأ إلى التخويف من أن الانتخابات هي معركة وجودية لتركيا ومعركة مصير، ولجأ إلى تجنيس عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين، ومن ثم زجّ بأقوى مدافعه الثقيلة بن علي يلديريم في معركة إسطنبول، وأخيراً وليس آخراً، نزوله شخصياً إلى الميدان، حيث أقام مئة مهرجان انتخابي خلال خمسين يوماً في ستين محافظة فضلاً عن إطلالته التلفزيونية المسائية يومياً.

في ظل كل هذه الهجمة الشرسة وتسخير إمكانات الدولة لخدمة حملته الانتخابية، فقد فشل أردوغان في تحقيق إنجاز له في الانتخابات، بل تلقى خسارة ثقيلة جداً في العاصمتين الإدارية أنقرة، والاقتصادية إسطنبول. وما يزيد في عمق الجرح أنهما كانتا بيد أردوغان منذ العام 1994 أي حتى قبل وصوله إلى السلطة عام 2002 وكان يعتبر إسطنبول عشقه ومركز العالم، ويقول إنه إذا خسر إسطنبول يخسر تركيا. ورغم انه في السلطة منذ 17 عاماً فلم يستطع الاحتفاظ بالعاصمتين، وبما يمثلان من وزن سياسي واجتماعي وسياسي واقتصادي. في المحصلة، فشل هذه المرة الخطاب الاستقطابي والإقصائي والإلغائي الذي كان يعتمده أردوغان للنجاح سابقاً، ولم يعد له من مردود ومصداقية، وهذا سيضعه وحزبه وشركاءه في مأزق كبير.

لقد خسر أردوغان معركة الانتخابات البلدية لأسباب متعددة. منها خسارة جزء من الناخبين لتردي الوضع الاقتصادي، وتراجع قيمة الرواتب والدخل الفردي، نتيجة تراجع سعر صرف الليرة. كذلك كان أردوغان ينتصر في الانتخابات السابقة ليس لقوته بل لانقسام المعارضة. وهذه المرة نجحت المعارضة في تعلم الدرس وتوحدت بنسبة تفوق ال95 في المئة في كل المحافظات فكان انتصارها ثمرة لتوحدها. ولا ننسى يقظة أحزاب المعارضة ومتابعتها الدقيقة لعمليات الفرز حتى اللحظات الأخيرة. وقد ساعدها في ذلك صحوة الضمير عند اللجنة العليا للانتخابات التي يمكن القول إنها «تمردت» للمرة الأولى على السلطة السياسية، ولم ترضخ لضغوطها. ومن ذلك محاولة بن علي يلديريم، ومعه وكالة أنباء الأناضول، ممارسة ضغوط على اللجنة، وإيقاعها في الفوضى من خلال إعلان يلديريم أنه فاز برئاسة بلدية إسطنبول، ولم يكن فرز كل الصناديق قد اكتمل. كذلك فإن التلاعب بالوقائع من جانب وكالة أنباء الأناضول يلقي ظلالاً سميكة من الشك حول ما تنقله وما تبثه من أخبار سياسية من تركيا، وكل العالم.

وفي بعض التفاصيل تقدم حزب العدالة والتنمية في بعض المحافظات الكردية، وهذا عزاؤه الوحيد في الانتخابات. لكن يمكن التنويه بشدة أن الصوت الكردي الذي يمثله حزب الشعوب الديمقراطي الذي سيطر على ثماني محافظات من أصل 11 في المناطق الكردية، كان له دور حاسم لترجيح كفة مرشحي المعارضة في أنقرة وإسطنبول، وبعض المحافظات الأخرى، إذ له في أنقرة على الأقل 5 في المئة، وفي إسطنبول 10 في المئة.

تركيا بعد الانتخابات البلدية ليست كما قبلها. حزب العدالة والتنمية سيعمل على تحديد مكامن الخلل في خطابه وممارساته ومحاولة إصلاح ما أفسده الدهر. أما المعارضة فقد نالت جرعة مهمة جداً من الثقة بالنفس للاندفاع أكثر لتثبيت أقدامها، وسحب البساط من تحت أقدام سلطة حزب العدالة والتنمية. والأمر لا يتم بكبسة زر، وأمامها الكثير من العمل والجهد .

“الخليج”

طباعة