aren

النفوذ التركي يتقلص \\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 4 - مايو - 2019

 

بعد مصرع العقيد معمر القذافي ظن الجميع، أن الأحداث في ليبيا في طريقها للنهاية، وهرع زعماء دول خارجية إلى الوفود إلى طرابلس؛ إظهاراً للرأي العام بأنهم وراء إسقاط القذافي، وبالتالي «الحق» لهم بنفوذ في المرحلة الجديدة.

وكان رئيس وزراء تركيا حينها رجب طيب أردوغان يخطط لزيارة سريعة لطرابلس؛ ليكون أول مسؤول أجنبي يصل إلى ليبيا؛ لكن المفاجأة أنه قبل وصوله بيوم واحد كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يسرق من أردوغان هذا «السبق»، ويصل مع آخرين إلى طرابلس، وقبل يوم واحد من وصول أردوغان.

كانت الأحداث في ليبيا حينها فرصة إضافية لتركيا؛ لإظهار حضور لها في العالم العربي وشمال إفريقيا. وقبل ليبيا كانت تركيا قد اشتغلت كثيراً على الأحداث المصرية؛ حيث أطيح الرئيس حسني مبارك، وقدمت تركيا دعماً كبيراً للمعارضة؛ المتمثلة بجماعة «الإخوان»، وكانت جزءاً من مخطط وصولهم إلى السلطة، وتولي محمد مرسي رئاسة البلاد.

وكذلك تكرر الحضور التركي في دول أخرى؛ مثل: تونس واليمن. أما في سوريا والعراق فقد اتخذ الحضور التركي طابع الدعم العسكري المباشر للجماعات المسلحة المعارضة؛ ومنها: جماعة «الإخوان» المسلمين في سوريا، قبل أن يتحول إلى تدخل عسكري مباشر.

منذ فترة والتظاهرات تعمّ السودان؛ مطالبة بإسقاط الرئيس السوداني عمر حسن البشير. وفي لحظة ما تدخل الجيش وأطاح البشير، مُشكلاً مجلساً عسكرياً انتقالياً؛ لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ السودان. ومع أن التطورات متواصلة، والمعارضة المدنية شكلت مجلساً مشتركاً مع العسكر، فإن أمراً واحداً بات محسوماً، وهو أن النفوذ التركي في السودان في طريقه إلى التلاشي.

فقد كان السودان أحد أضلع مربعات النفوذ التركي في المنطقة العربية والإفريقية. ومع أن الرئيس المخلوع البشير لم يكن ثابتاً في مواقفه، وكان متقلباً إلى أن رسا على التعاون مع تركيا. وبالفعل قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خريف 2017 بزيارة مهمة إلى السودان في إطار جولة إفريقية شملت: تشاد وتونس.

وفي تلك الزيارة تم الاتفاق مع الخرطوم على توقيع اتفاقات مختلفة بين أردوغان والبشير، كما وصلت الاستثمارات التركية في السودان إلى حوالي الستمئة مليون دولار؛ لكن الأهم في تلك الزيارة هو منح البشير تركيا جزيرة «سواكن» على البحر الأحمر؛ لتكون مركزاً «ثقافياً» لا يخفى أبداً أنها ستكون قاعدة أمنية وعسكرية تركية هناك. وتشكل «قاعدة» سواكن أهمية مضاعفة لتركيا؛ كونها على الساحل المقابل للسواحل السعودية، وإلى الجنوب من مصر؛ لتكون بالتالي مصدر تهديد للأمن القومي السعودي والمصري. وكانت تركيا تخطط لتكون «سواكن» جزءاً من شبكة قواعد عسكرية تركية أنشأتها في قطر وفي الصومال.

فرغم أن البشير كان مطلوباً من الإنتربول، ولا يستطيع التنقل خارجياً بحرية، فقد وجّهت له تركيا دعوة لزيارة أنقرة في السنة الماضية. ومع سقوط البشير يتوقع أن تلغى اتفاقية «سواكن» مع تركيا؛ ليكون الحراك التركي لتوسيع نفوذه في المنطقة عبر السودان قد خسر أحد بواباته البارزة.

القاسم المشترك في كل النفوذ التركي في المنطقة كان جماعة «الإخوان» المسلمين. فالعالم العربي ومنذ أواخر القرن التاسع عشر وصولاً إلى نهاية الحرب العالمية الأولى كان قد تمرد تدريجياً على حكم الدولة العثمانية. ومن بعد ذلك دخل الطرفان فيما يشبه القطيعة مع سلب لواء الإسكندرون في عام 1939 ومن ثم تجذرت هذه القطيعة مع اعتراف تركيا في عام 1949 بالكيان الصهيوني، بعد عام على تأسيسه عام 1948.

ولم تتغير النظرة العربية السلبية إلى تركيا كثيراً مع وصول «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي عام 2002 إلى السلطة في تركيا؛ إذ توسعت العلاقات الثنائية بين تركيا و«إسرائيل» على كل الصعد؛ رغم الضجيج الفارغ الذي كان يظهر من وقت لآخر؛ لذا فإن الجماعات الأيديولوجية القريبة من فكر «حزب العدالة والتنمية»؛ مثل: «الإخوان» المسلمين شكلت ولا تزال الركائز الأساسية للنفوذ التركي في المنطقة العربية.

ومن هنا فإن الصراع السياسي بين الدول التي تعارض سياسات تركيا في المنطقة هو الوجه الآخر من الصراع الأيديولوجي مع فكر «الإخوان» المسلمين. وتركيا في هذا الإطار ومع الأحداث الأخيرة في السودان تتقلص مساحة أخرى من نفوذها.

“الخليج”

طباعة