aren

المجتمعات المتحضرة الأولى \\ كتابة : د. طيب تيزيني
الثلاثاء - 27 - نوفمبر - 2018

 

يتصل الموضوع المثار هنا ، بظاهرة تاريخية عريقة في منطقتين تاريخيتين اثنتين؛ مصر وما بين النهرين، حيث يرى المختصون أن نشأة الحضارة في هذين الموقعين التاريخيين الكبيرين كانت بمثابة ولادة للحضارة بكيفية هامة وعامة؛ ذلك أن شروط هذه النشأة كانت متوفرة في المنطقتين، خصوصاً منها الطبيعة القريبة إلى الخصب بسبب نهري النيل والفرات. ويرى مؤرخون أن ظاهرة نشوء الحضارة في المنطقتين كانت تلقائية، أي دون وجود مؤثرات حضارية متحدرة من مناطق أخرى.

وهذا يجعلنا نلاحظ أن ظاهرة نشأة مجتمعات مصر وما بين النهرين لم تحدث بسبب تأثيرات خارجية. وهذا أمر مهم، خصوصاً فيما يتصل بالقول بتأثيرات خارجية على المنطقتين المذكورتين. فالقول بتلك التأثيرات لا يصح إلا بقدر ضئيل، في حين أن الفعل الداخلي لتلك التأثيرات إن وجد، فإنما بنسبة ضئيلة (أنظر: هنري فرانكفورت – «فجر الحضارة في الشرق الأدنى»، ترجمة ميخائيل خوري، بيروت، الطبعة الثانية).

وقد ظهر لنا من خلال دراسة المجتمع المصري القديم أن الفرعون كان في مركز الدائرة، لكن لا شيء أكثر تضليلاً من أن نتصور المصريين القدماء في استسلام تام لحكامهم، بل يمكن القول عن دولتهم بأنها كانت «جهازاً يدار بتماسك وبمراعاة مشتركة للحقوق والواجبات» (ص 134 من الكتاب المذكور آنفاً). لم يكن نظامهم مفروضاً، بل كان ناشئاً من تقاطعات مشتركة، بدون شكوى ولا تذمر، وذلك لثلاثة آلاف سنة تقريباً. كان الصدق والعدالة سمتين أخلاقيتين للآلهة المصرية القديمة، ومن هنا لم يكن حكم الفراعنة طغياناً ولم تكن خدمته عبودية.

وفيما يتصل بالكتابة، يمكن القول بأنه «لأمر بسيط جداً أن نقول إن التاريخ يبدأ مع الكتابة، كما يفعل أكثر المؤرخين. إن قولاً كهذا يصلح بالنسبة لمصر، حيث أن أقدم النقوش تشير إلى أولى الحوادث والشخصيات المعروفة»، بيد أن الأمر ليس كذلك في ما بين النهرين، حيث اتخذت المدنية شكلها وحيث ظهرت الكتابة قبل أن توجد الوثائق التاريخية بمعناها المحدد بزمن معين.

إن الانتقال من ثقافة العصر الحجري القديم إلى ثقافة العصر الحجري الحديث لا يزال أمراً مجهولاً حتى الآن، وقد ظلت ليبيا غنية بحدائق الكروم وبأشجار الزيتون وبالماشية حتى نهاية الألف الثاني قبل الميلاد.. وحين انطلقت الصراعات بين المجموعات المستقرة، كان على المنطقة أن تتوقع المزيد منها، وفي الوقت ذاته مع جماعات خارجية.

وثمة متغير آخر هو الجفاف الذي عزل بعض المناطق، خاصة بعد أن أخذ يتسع في مناطق من الشرق الأدنى، لاسيما جنوب شرقي إيران، حيث استمر ذلك الجفاف في اقتحامه الأراضي الخضراء منذ عام 7000 قبل الميلاد.

وحين أخذت المروج والأراضي المعشبة تتحول لمستنقعات وأوحال على جوانب الأنهر، كان ذلك بمثابة «بداية هبوط الإنسان من المرتفعات، بعد أن تخذ منها مسكناً له» (ص: 41). وفي ذلك السياق، كان الانتقال من العصر الحجري القديم إلى العصر الحجري الحديث.

إن تاريخنا القديم ليس مدعاة للاعتذار أو الخجل، وإن كان العصر الحديث قد ترك آثاراً سلبية مع نشأة الثورات المتلاحقة في مطالع عصر الحداثة. ويبقى التاريخ مفتوحاً، وهو ليس معلقاً ولا مغلقاً، لكن يمكن الحفاظ عليه عبر التنوير وتقديم المطلوب من التضحيات والأفعال الكبيرة، ولا ينبغي أن ننسى أن التاريخ مراوغ!

“الاتحاد”

طباعة