aren

اللجنة الدستورية مخرج لأطراف الصراع \\ بقلم : د.منذر خدام
الخميس - 3 - أكتوبر - 2019

دستور

بعد نحو عشرين شهرا من النقاش بين الأطراف المعنية بمسار (أستانا) ، تم التوافق على قوائم اللجنة الدستورية ، التي كان قد أقرها لقاء “سوتشي” لنحو ألفين من السوريين ، قبل ذلك بنحو عامين، وصدرت أخيرا عن الأمين العام للأمم المتحدة. وبحسب ما صرح به ، (غير) بيدرسون، مفوض الأمم المتحدة إلى سورية ، سوف تعقد أول اجتماع لها في جنيف ، آواخر الشهر الحالي.

اللافت، بخصوص تشكيل اللجنة الدستورية والاعلان عنها، سرعة الموافقة عليها إضافة إلى رعاة مسار استانا، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية ، ودول أخرى ، على الرغم من انهما لم يكونا مشاركين في تشكيلها ظاهريا. وبالمناسبة لم تعترض أي دولة من الدول المؤثرة في الداخل السوري على تشكيل اللجنة الدستورية، وكأنها كانت تنتظر ذلك ، كمخرج سحري لها ، ينزلها من اعلى سلم الأزمة السورية.

حتى أعضاء مجلس الأمن ، رحبوا ببيان الأمين العام للأمم المتحدة ، حول تشكيل اللجنة . اللافت أيضا الترحيب الحماسي بتشكيل اللجنة ، والتوافق على القواعد الاجرائية لعملها، من قبل المسؤولين السوريين، وعدها وزير الخارجية ، انجازا وطنيا كبيرا.

على المقلب الاخر ، فإن قسما كبيرا من السوريين ، غير مبال بها، فهو غارق في همومه الحياتية، لكن ثمة قسم آخر ، غير موافق عليها، يلتقي في ذلك المعارضون والموالون ، لأول مرة، مع أن لكل منهم مبرراته الخاصة، وهي مختلفة.

الموالون ، رفضوا اللجنة الدستورية ، باعتبارها تدخلا أجنبيا في شؤون سورية الداخلية، في حين رفضها المعارضون ، لأنهم وجدوا فيها اعترافا بالنظام ، وبدوره في المرحلة المقبلة، ولأنها تتجاوز القرارات الدولية بشأن الأزمة السورية ، خصوصا لجهة المرحلة الانتقالية، والحكومة كاملة الصلاحيات ، وغيرها. أضف إلى ذلك ، فإن القوى السياسية في شمال (شرق سورية)، رفضتها بسبب اقصائها عنها، واعلنت صراحة انها لن تعترف بنتائجها.

بين الموافقة الدولية على اللجنة، ورفض كثير من السوريين لها ، لا بد من طرح السؤال : ما العمل؟ ، وهل من بدائل أخرى محتملة؟

في نيسان من عام 2011 ، أي بعد نحو شهر من انطلاق انتفاضة كثير من السوريين،نشرت مقالة طويلة بعنوان ” بمثابة مبادرة وطنية لحل الأزمة في سورية”( منشورة على موقعي في الحوار المتمدن)،قلت فيها أن المدخل إلى حل الأزمة في سورية ، يختلف عن بقية الدول العربية التي حصلت فيها انتفاضات شعبية، خصوصا في تونس ومصر، وهذا الاختلاف ناجم عن طبيعة النظام السوري وتحالفاته الدولية، والأهمية الاستراتيجية لموقع سورية.

فالنظام لا يمكن اسقاطه بالقوة، إذ أن القوة تعيد انتاجه، وبالتالي يبقى مدخل وحيد لتغييره بصورة جذرية وشاملة عن طريق تفكيكه خلال زمن قد يطول نسبيا، وإن المدخل إلى عملية التفكيك ، هو في إنجاز اصلاح دستوري ، او اعداد دستور جديد مع كل القوانين التنفيذية المكملة له،وتنفيذا لهذا الاستنتاج ، قمت شخصيا بإجراء مراجعة نقدية للدستور الحالي(2012)، وكذلك للقوانين التي أصدرها النظام ، خلال العام الأول من الانتفاضة، مثل قانون الأحزاب وقانون الادارة المحلية، بل واعددت دستورا بديلا ، كنوع من المساهمة في إنضاج وتيسير هذا المدخل.(الدستور موجود على صفحة Dr. mounzer khaddam وكذلك على صفحتي في الحوار المتمدن).

لقد بقيت متمسكا بهذا الموقف حتى اليوم، وكتبت الكثير من المقالات حول ضرورته، وانه لا بديل عنه. هذا يعني ببساطة ، ان الاعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية ، رغم تأخر ثماني سنوات ونيف، تم خلالها تدمير البلد في حرب عبثية، هو من حيث المبدأ خطوة في الاتجاه الصحيح ، وينبغي التمسك بها ودعمها. يعلم الجميع ان تشكيل هذه اللجنة والتوافق على القواعد الإجرائية لعملها ما كان ممكنا ، لولا التدخل النشط والحاسم للدول الراعية لمسار أستانا ، أي (روسيا وتركيا وإيران)، فالحرب جعلت السوريين ، اعداء، لا خصوما سياسيين، العلاقة بينهما ،هي علاقة نفي، فكل طرف لا يرضى بأقل من القضاء على الطرف الأخر ، لكنها من جهة أخرى ، حولت السوريين إلى مجرد ادوات في صراع المصالح الدولية على الأرض السورية.

وبالتالي ، لم يكن أمامهم أي خيار لرفض تشكيل اللجنة، لكنهم بالتأكيد مع حلفاء كل طرف منهم ، سوف يحاولون تحقيق ما عجزوا عن تحقيقه بالقوة ، تحقيقه بالمفاوضات، وبالتالي سوف يكون امام اللجنة عمل طويل وشاق ، وقد يكون الفشل ، امرا مرجحا، ويبقى النجاح رهن توافق المصالح الدولية على الساحة السورية. رغم كل شيء ، سوف يتيح تشكيل اللجنة الدستورية ، خلق فرصة لكي يجتمع ممثلون عن بعض المعارضة مع ممثلي النظام تحت سقف واحد للنقاش ، او السجال ، وهذا امر كان متعذرا قبل ذلك.

ينبغي تفهم مواقف السوريين ، الذين اعترضوا على تشكيل اللجنة الدستورية بهذا الشكل والقوام ، وانا واحد منهم. من بين الأسباب الجوهرية للاعتراض على اللجنة ، اسجل ما يأتي:

أولا؛ تم تشكيل هذه اللجنة من قبل الدول الراعية لمسار استانا بصورة رئيسة، وربما بالتشاور مع اطراف دولية أخرى ومنها الولايات المتحدة الأمريكية. هذا يعني إن دور السوريين في تشكيلها ، كان ثانويا جدا.

ثانيا؛ تفتقر هذه اللجنة إلى الشرعية، فهي ليست منتخبة، ولا مفوضة من قبل مجلس وطني يشمل ممثلين مفوضين عن جميع فئات الشعب السوري، وهيئاته المدنية و السياسية.

ثالثاً؛ إن قوام هذه اللجنة والقواعد الإجرائية لعملها، تجعل منها مجرد ساحة لصراع الديوك، إذ يستحيل ان تعمل بروح الفريق ، كما يقتضي عمل أية لجنة تكلف بشأن عام، عداك عن كون هذا الشأن العام ، هو القيام بمراجعة دستورية التي تتطلب شعور عال بالمسؤولية لا يتوافر في كثير من اعضائها.

رابعاً؛ إن التدقيق في أهلية الكثير من الأشخاص المشاركين فيها، يبين ان القلة القلية منهم لديها الأهلية المطلوبة، عداك عن أن ولاء بعض الأسماء لسورية مشكوك فيه، فهي تحمل جنسيات غير سورية ، لا تخفي ولاءها لها.

خامساً؛ لجنة مشكلة بهذا الشكل والقوام من قبل قوى خارجية، يصعب تصور انها لن تنصت إلى التعليمات التي تتلقاها منها .

في ضوء كل ما تقدم ، يمكن القول أن هذه اللجنة ، لن تنجز أي عمل حقيقي على صعيد المهمة الموكلة لها قريبا، وإذا كان قد استغرق التوافق على تشكيلها عشرين شهرا، فإن انجاز عملها، إذا حصل، فلن يكون قبل نحو عامين على الأقل، أي قبل إجراء الانتخابات الرئاسية في صيف عام 2021.

طباعة
هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها