aren

اللاجئون السوريون.. ضحايا وأدوات! \\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 3 - أغسطس - 2019

 

تتحول مشكلة أو قضية اللاجئين السوريين في العالم، ولا سيما في الدول المحيطة بسوريا، إلى مشكلة لا يُرى في الأفق حلّ لها.

اتخذت المشكلة في البداية شكل أداة ضغط على النظام في سوريا. وقد بدأت أولاً في تركيا التي فتحت حدودها لهم بعد أسابيع قليلة على بدء الحرب في سوريا، مشجعة لهم على النزوح. وكان في نية أنقرة، وهو ما فعلته، استخدام هؤلاء اللاجئين عناصر في تنظيمات دربتها وسلّحتها لإسقاط النظام أولاً، ولتكسب نفوذاً لها داخل سوريا ثانياً.

ومن أبرز هذه التنظيمات إنشاء ما يسمى ب «الجيش السوري الحر» الذي تحول بعد سنوات إلى إحدى كتائب الجيش التركي بصورة غير رسمية، تدربه تركيا وتسلحه وتموّله وتستخدمه في حروبها التوسعية في سوريا من عملية «درع الفرات» إلى «عملية عفرين» واليوم في منطقة إدلب. ولا أحد يدري ربما استخدمته لاحقاً في قبرص التركية وفي مناطق نزاع في شمال العراق وأذربيجان، وخصوصاً في ليبيا. أي أن هذا الجيش تنطبق عليه كل مواصفات المرتزقة.

ومع مرور الوقت تحول اللاجئون السوريون في تركيا إلى ورقة انتخابية لمصلحة حزب العدالة والتنمية. فكان تجنيس عشرات الآلاف منهم الذين صوّتوا حتما لمصلحة مرشحي حزب العدالة والتنمية. ولكن بعد هزيمة حزب رجب طيب أردوغان في الانتخابات البلدية في المدن الكبرى، ولا سيما في أنقرة وإسطنبول صبّ الحزب جام غضبه على هؤلاء اللاجئين بذريعة أنهم مصدر للقلق الاجتماعي والبطالة لدى العمال الأتراك، فضاق الأتراك ذرعاً بهؤلاء الوافدين، وانتقموا من حزب العدالة والتنمية في صناديق الاقتراع. فلم يعودوا ورقة رابحة لا اجتماعياً ولا انتخابياً، ولم تبقَ سوى فائدة المنخرطين منهم في «الجيش السوري الحر».

لذا تعمّ تركيا اليوم حملية كراهية واسعة ضد اللاجئين السوريين يقودها وزراء في الحكومة وقادة في حزب العدالة والتنمية. ولم تعد السلطة الحاكمة تعرف كيف تحل هذه المشكلة، فلجأت في الأيام الماضية إلى تهجير هؤلاء مجدداً، وإعادة الكثير منهم إلى الداخل السوري في الأراضي التي يحتلها الجيش التركي.

وبلغت ذروة الحملة العنصرية ضد اللاجئين حد نزع كل اللافتات التي تحمل أسماء المحلات باللغة العربية، ومنع تسمية أي محل عمل بهذه اللغة. وهذه نزعة مزمنة ومتجذرة في الوعي التركي الرسمي منذ الحرب العالمية الأولى، ويتساوى فيها العلماني مع الإسلامي في أولوية واضحة للنزعة القومية التركية.

لكن الخطة التركية لا تقتصر على محاولة التخلص من هؤلاء اللاجئين داخل تركيا، بل تعمل الحكومة على توظيف اللاجئين في مخطط تتريك المناطق التي تحتلها تركيا في الشمال السوري. وعندما كان يُسأل مسؤولون أتراك عن مصير المناطق المحتلة في سوريا كانوا يجيبون بأنهم سيعيدونها إلى أهلها الأصليين. وها قد حانت لحظة تطبيق المخطط وإعادة اللاجئين ولا سيما من أصل تركماني إلى مناطق درع الفرات وعفرين لتشكيل أمر واقع يكون ورقة ضغط في الحل النهائي للأزمة السورية في حال تحققه. وتكون هذه المناطق شريط نفوذ تركي داخل سوريا، فتحقق بذلك هدفين: الأول إقامة منطقة أمنية تابعة لتركيا على امتداد الحدود داخل سوريا، والثاني هو العودة إلى حدود الميثاق الملي التركي في عام 1920 الذي كان يضم شمال سوريا وشمال العراق. فما لا تستطيع تركيا تحقيقه بالاحتلال المباشر تحققه بالهيمنة غير المباشرة.

لقد راهنت تركيا على الكثير في سوريا وفي المنطقة العربية. واستخدمت كل الوسائل المتاحة، من تهجير السكان من أماكنهم، إلى الاحتلال المباشر، إلى العمليات العسكرية اليومية، إلى التدخل في ما وراء البحار في شؤون داخلية لدول عربية، كما يحصل الآن في ليبيا تحديداً. وهي سياسات ورهانات تجعل منها دولة غازية واستعمارية تماماً كما كانت تفعل بريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الاستعمارية. وبدلاً من اتباع سياسات عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، ها هي تركيا حزب العدالة والتنمية تجدد وتكرر سياسات «الاتحاد والترقي» عشية وأثناء الحرب العالمية الأولى، والتي انتهت إلى انهيار الدولة العثمانية بالكامل.

“الخليج”

طباعة