aren

«القدّيس» أردوغان! \\ كتابة : د. محمد نور الدين
السبت - 16 - مارس - 2019

 

في مثل هذه الأيام، قبل ثلاث سنوات، رفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، القرآن الكريم في أحد الاحتفالات. وقبل ذلك كان أردوغان غالباً ما يحمل القرآن في المهرجانات الانتخابية. وقبل أيام كان أردوغان يدافع عن تلاوة الأذان، وينتقد مَنْ سَخِرَ مِنْ رفع الأذان في المساجد.

كان أردوغان يشير إلى تظاهرة نسائية لمناسبة يوم المرأة العالمي في شارع الاستقلال بإسطنبول، عندما ارتفع صوت الأذان من مئذنة الجامع الواقع في بدايات الشارع، فسمعت أصوات الصفير التي بدت كما لو أنها معترضة على تلاوة الأذان. لكنها كانت بالفعل استهجاناً واعتراضاً على تدخل الشرطة لقمعهم في تلك اللحظة.

المشكلة في تركيا ليست في معاداة الدين أو الانتماء للدين. المشكلة هي في استغلال الدين لغايات سياسية وانتخابية وانتهازية، للوصول إلى السلطة في استغلال واضح للفطرة الدينية عند الكثير من الفئات المحافظة، ولا سيما في المناطق الريفية. واستغلال الدين في تركيا لا يقتصر على تيار سياسي دون آخر، بل يشمل الجميع من علمانيين وقوميين وإسلاميين.

كانت تركيا تعلن عن نفسها دولة خلافة منذ احتلال العثمانيين المناطق العربية في عامي 1516 و1517، وتلقب السلطان سليم الأول باسم خادم الحرمين الشريفين، وخليفة المسلمين. لكن اللقب لم يستخدم في تعريف السلاطين حتى تولى عبدالحميد الثاني السلطنة، وتلقبه باسم الخليفة، في إطار السعي لإقامة مشروع الجامعة الإسلامية لجذب تأييد العالم الإسلامي للسلطنة التي كانت دخلت طريق الترنح والتفكك، فواجه المشروع فشلاً ذريعاً انتهى بانهيار السلطنة مع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918.

في العام 1923، أعلن مصطفى كمال الذي لُقّب لاحقاً بأتاتورك، الجمهورية على أنقاض السلطنة. وسنّ عشرات القوانين التي تعتمد في التشريع على مبدأ العلمنة، قبل أن يدخل العلمنة رسمياً في الدستور عام 1937. واستمرت العلمنة في الدستور والقوانين حتى يومنا الحالي.

المفارقة المدوية أن العلمنة في تركيا لم تكن علمنة بالصورة المتداولة في الغرب، سواء في الولايات المتحدة أو فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها. فالعلمنة في تعريفها البسيط هي فصل الدين عن الدولة، ومنع أن يكون الدين في أساس التشريع أو الممارسة الإدارية أو السياسية.

لكن مصطفى كمال نفسه كان هو الذي أنشأ مؤسسة «رئاسة الشؤون الدينية» التابعة للدولة للإشراف على الشؤون الدينية، وأسس معاهد «إمام خطيب» لتأهيل وتخريج أئمة. أي أن الدولة منذ اللحظة الأولى لم تكن على حياد، وعلى مسافة من كل الطوائف والمذاهب، بل كانت هي التي تشرف وتنفق على الشأن الديني، بل تنحاز لمذهب دون آخر، بما يخالف أبسط مبادئ العلمنة.

إلى ذلك، كان السلوك الديني لزعماء الأحزاب، وكلها وفق الدستور علمانية، يتعارض مع العلمنة. فكان هؤلاء الزعماء يوظفون الدين في حملاتهم الانتخابية، متوسلين تأييد الفئات الدينية من الناس للوصول إلى السلطة. وغالباً ما كان كنعان إيفرين يستشهد بعد انقلابه العسكري عام 1980 بآيات من القرآن الكريم، وكذلك فعل سليمان ديميريل، وطورغوت أوزال، وطانسو تشيللر، وبطبيعة الحال نجم الدين أربكان.

لكن ما فعله رجب طيب أردوغان فاق سابقيه من زعماء تركيا بتلاوته للقرآن علناً في أكثر من مناسبة، وفي رفعه المصحف الشريف أثناء حملاته الانتخابية. وفي الإشارة إلى الانتماء المذهبي لخصومه، داعياً إلى انتخابه هو على أساس أنه مسلم سنّي، وفي إشارته مرة، بعد قليل على بدء الأزمة في سوريا، إلى الهوية المذهبية لقتلى تفجير الريحانية في محافظة هاتاي (الإسكندرون) بقوله إن «أكثر من خمسين من مواطنينا السنّة قد ذهبوا ضحيته».

واليوم علا صوت أردوغان مدافعاً عن الأذان ومنصِّباً نفسه «قدّيساً» حامياً للدين، مبرراً قمع الشرطة لتلك المسيرة النسائية وارتفاع أصواتهن المنددة بسلوك الشرطة وليس اعتراضاً على صوت الأذان كما أسلفنا.

عشية كل انتخابات، وهذه المرة الانتخابات البلدية، يواصل رجب طيب أردوغان توظيف الدين واستثماره من أجل غايات سلطوية، وهو الذي أعمل سيف الإبعاد والتهميش في شركائه الإسلاميين داخل حزب العدالة والتنمية، وسيف الاعتقال والسجن في شركائه الإسلاميين خارج الحزب. ربما ينجح في ذلك لحين، ولكن لكل حكاية نهاية.

“الخليج”

طباعة