aren

الفلسطينيون يستعدون لمواجهة «الصفقة» \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 13 - فبراير - 2020

فلسطين

أعلن رئيس الحكومة «الإسرائيلية» بنيامين نتنياهو، بدء التحضير لخرائط ضم المستوطنات والأغوار بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية. وجاء هذا الإعلان في ذروة المعركة الانتخابية التي كان نتنياهو قد بدأها بإطلاق الوعود بضم غور الأردن والكتل الاستيطانية في إطار ترجمة «صفقة القرن» الأمريكية على الأرض. وفي المقابل أعلنت الرئاسة الفلسطينية أن «الخريطة التي نعرفها هي خريطة دولة فلسطين على حدود الرابع من يونيو/حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ولن نتعامل مع خرائط غيرها».

تشير هذه المواقف إلى أن معركة تنفيذ «صفقة القرن» أو التصدي لها تتخذ أشكالاً مختلفة؛ بينها التصريحات التهديدية والخطوات العملية. وإذا كان الاحتلال قد اعتقد أنه حسم المعركة بنشر «صفقة القرن» المحابية لمواقفه، فإن الفلسطينيين أفلحوا في حشد موقف الجامعة العربية والعديد من المحافل الدولية إلى جانبهم. غير أن كل من يعرف معطيات الصراع، ومنهجية فرض الوقائع على الأرض؛ يعلم أن التصدي لترجمات «صفقة القرن» يحتاج إلى صبر وحكمة وإرادة، والأهم التفاف شعبي فلسطيني.

وكان من أول نتائج الإعلان عن «صفقة القرن» مبادرة الفلسطينيين من كل الاتجاهات إلى الدعوة لترك الانقسام، والتواصل في سبيل توحيد الجهود الفلسطينية. وأعلنت قيادات من كل من حركتي «فتح» و«حماس» أن الانقسام خلفنا، وأن الاتصالات بدأت؛ لتوحيد الصف. ولكن سرعان ما عادت جرثومة الخلاف لتدب على قاعدة الاختلاف حول المطلوب من الوحدة وأي سبيل سيسيرون فيه.

من أين نبدأ؟

ومع ذلك لا يبدو أن الفصائل الفلسطينية، وعلى الرغم من بياناتها المتكررة، نجحت في توحيد صفوفها أو الاتفاق على خريطة طريق جدية؛ لمواجهة «صفقة القرن». واستمرت السجالات حول من أين نبدأ وكيف نقود، فيما تراجعت حدة التصريحات حول وقف التنسيق الأمني، وبقي التركيز لدى جهة على التحركات السياسية، وعلى عمليات المقاومة لدى جهة أخرى.

ومن الجائز أن الظروف الجوية السائدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنهج الانتظار الذي وسم سلوك بعض الجهات الفلسطينية حال حتى الآن دون تصعيد ميداني كبير. ومع ذلك فإن الكثير من الإشارات تتحدث عن قرب الصدام مع الاحتلال في جوانب جوهرية. وكما سلف فإن الاحتلال ينتظر انتهاء المعركة الانتخابية، وظهور النتائج؛ لتحديد من سيقود الدولة العبرية. ومعروف أنه ليس هناك أي خلاف جوهري حول «صفقة القرن» بين المعسكرين المتنافسين: الليكود و«أزرق أبيض»؛ لذلك فإن تشكيل حكومة، أي حكومة في الكيان، سيقود عملياً إلى تصادم مع السلطة والشارع الفلسطيني.

وكما سلف بدأت الإشارات الأولية لما سوف يحدث تتالى سواء في نتائج أيام الغضب الفلسطيني ضد الصفقة أم في النشاطات الصهيونية. وقد كثفت التيارات اليمينية من مطالبتها لنتنياهو باتخاذ خطوات ضم فعلية للكتل الاستيطانية وغور الأردن حتى قبل ظهور نتائج الانتخابات. واعتبرت هذه المطالبات رداً «إسرائيلياً» مناسباً على التحركات الفلسطينية؛ لكن نتنياهو، آثر بالتشاور مع إدارة ترامب تأخير فعل الضم إلى ما بعد الانتخابات؛ لذلك يحاول نتنياهو حشد اليمين خلفه؛ من خلال القول إنه يتفاوض مع الأمريكيين حول خريطة الضم المقبلة.

ولم يكتف الاحتلال بالحديث عن الضم؛ بل أتبعه بخطوات تحمل نتائج خطرة على الوضع في الأراضي المحتلة؛ إذ أعلن وزير الحرب الصهيوني عن وقف تصدير المنتجات الزراعية الفلسطينية إلى الخارج؛ وذلك رداً على خطوات اقتصادية فلسطينية للانفكاك عن الاقتصاد الصهيوني.

ومن المؤكد أن هذا القرار ليس خطوة اقتصادية بقدر ما هو خطوة سياسية توحي بأن الكيان جاهز للذهاب بعيداً في المواجهة وصولاً إلى انهيار السلطة الفلسطينية.

ماذا لو انهارت السلطة؟

ومن الجائز أن رد حكومة الكيان على تهديدات وتحذيرات فلسطينية بحل السلطة؛ يوحي باستعدادها لتحمل عواقب ذلك.

وتتحدث أوساط «إسرائيلية» عن أن ما تم على الأرض فعلياً هو الفصل التام بين الضفة والقطاع وتقسيم الضفة إلى كانتونات منفصلة يسيطر الكيان على مداخلها ومخارجها ومواردها. وهنا يبدأ السؤال حول ما الذي يمكن للفلسطينيين أن يفعلوه إذا انهارت السلطة.

من المؤكد أن بوسع الفلسطينيين مواصلة إدارة معركة سياسية مع الاحتلال في داخل وخارج المحافل الدولية. ويمكن للخطوات الفلسطينية هذه أن تقود إلى تحركات دولية عقابية ضد الكيان، مثلما هددت بعض الدول الأوروبية؛ لكن أثر ذلك في الأرض سيكون ضعيفاً. ولا شيء أكثر جدية من تصدي الفلسطينيين في الأراضي المحتلة لترجمات «صفقة القرن» بكل الوسائل المتاحة. وقد أثبت الفلسطينيون في الماضي، عبر انتفاضاتهم المتكررة، قدرتهم على إلحاق الضرر بالمشاريع التي تستهدفهم.

كان هذا جلياً على وجه الخصوص في الانتفاضة الأولى عندما واجهوا بالحجارة قوات الاحتلال وعندما دفعوا بتمسكهم بأرضهم الاحتلال على التفكير بالقنبلة الديموغرافية؛ بل إن اتفاق أوسلو ما كان ليبرم لولا إحساس أغلبية «الإسرائيليين» بخطر استمرار الاحتلال وعواقب ذلك على «الدولة اليهودية». ومن المؤكد أن إشارة «صفقة القرن» إلى قرى المثلث الفلسطيني وإمكانية معاملتها بشكل مختلف عن باقي «أراضي الدولة العبرية» عبّر عن الخشية الكامنة في استمرار بقاء الفلسطينيين على أرضهم. ونظراً لأن الكيان نسج استراتيجية بقائه على قاعدة «الصلح» مع الدول العربية وخصوصاً مصر والأردن فإن مخاطر طرد الفلسطينيين باتت ضئيلة.

السلام الصعب

ويشرح التقرير الاستراتيجي لمركز أبحاث الأمن القومي في جامعة «تل أبيب» مخاطر ما يمكن أن يتبع انهيار السلطة الفلسطينية؛ جرّاء خطوات الضم الصهيونية. ويشدد على أن ضم غور الأردن والكتل الاستيطانية سيسرع في انهيار السلطة، ما يفرض على الكيان إعادة سيطرته على مدن وقرى الضفة واضطراره لإدارة حياة ملايين الفلسطينيين بشكل مباشر. ولا يمكن للعالم وخصوصاً إدارة أمريكية ديمقراطية القبول باستمرار نظام تفرقة عنصرية قد تجبر الكيان على منح الحقوق الكاملة لجميع السكان بين البحر ونهر الأردن. وفي نظر مركز أبحاث الأمن القومي فإن «هذا يعني نهاية الحلم الصهيوني بدولة يهودية».

في كل حال يعتقد أغلب الفلسطينيين أنه ليس هناك ما هو أسوأ من القبول ب«صفقة القرن»، وأن مجريات الأمور ستكشف أن هذه الصفقة، وإن منحت الكيان أرضاً وشرعية فإنها عاجزة عن منحه السلام الذي لن يكون إلا إذا كان متبادلاً.

“الخليج” الاماراتية

طباعة