aren

العِبرة الكبرى من إعادة الانتخابات في اسطنبول \\ كتابة : جلبير الأشقر
الخميس - 27 - يونيو - 2019

 

رأي-جلبير-2

أجمع المعلّقون على أن نتيجة إعادة الانتخاب لمنصب رئيس بلدية إسطنبول يوم الأحد الماضي جاءت بمثابة هزيمة سياسية كبيرة للحزب الحاكم، «حزب الحرية والعدالة»، إذ أنها لم تؤكّد شرعية انتخاب مرشّح «حزب الشعب الجمهوري» المعارض وحسب، بل عزّزتها بصورة قاطعة حيث ازداد فارق الأصوات بينه ومرشّح الحزب الحاكم من ثلاثة عشر ألف صوت إلى ما يناهز ثمانمائة آلاف، ومن فارق بسيط نسبته 0.2 في المئة من مجمل الأصوات إلى فارق نسبته 9.2في المئة وذلك على خلفية مشاركة انتخابية بالغة الارتفاع.

ومن تحليل النتائج يتبيّن أن الفارق بين الانتخابات الأصلية والإعادة سببه الرئيسي انتقال عدد هام من الذين صوّتوا لمرشّح الحزب الحاكم في آذار/ مارس الماضي إلى التصويت لمرشّح المعارضة، اعتراضاً منهم على ما رأوا فيه طعناً بالديمقراطية من قبل «حزب الحرية والعدالة». هذا لأن الحجة التي جرى إلغاء النتيجة السابقة بسببها بدت كحجة واهية ملفّقة، تندرج في نمط سلطوي متصاعد لدى حزب حاكم يصعب عليه القبول بهزيمته أمام الرأي العام. وقد سبق للحكم التركي أن أعاد الانتخابات البرلمانية في سنة 2015 بعد أن خسر فيها أغلبية المقاعد المطلقة التي كان يحوز عليها، ولم يضمن استمرار حيازته على الأغلبية سوى بالتحالف الذي عقده مذّاك مع «حزب الحركة القومية» اليميني المتطرّف.

ومن المعروف أن ثمن ذلك المنعطف كان إعادة إشعال الحكم التركي للحرب على الحركة القومية الكردية التي يقودها «حزب العمّال الكردستاني» بعد سنوات طويلة من الهدنة بما فيها فسح المجال أمام تلك الحركة للخوض في العملية السياسية الديمقراطية، وصولاً إلى تشكيل ائتلاف «حزب الشعوب الديمقراطي» الذي يسود فيه أنصارها. والحال أن الهدنة على الجبهة الكردية، بعد أن ظلّت مشتعلة طوال عقود قبل وصول «حزب الحرية والعدالة» إلى الحكم، كانت من أبرز الإنجازات المنسوبة إلى رجب طيّب أردوغان. وبنتيجتها استمرّت أغلبية الأصوات الكردية تذهب إلى «حزب الحرية والعدالة» حتى تشكيل «حزب الشعوب الديمقراطي» وولوجه الميدان الانتخابي.

جاء منعطف «حزب الحرية والعدالة» القومي في عام 2015 ردّاً منه على قرار الحركة الكردية السعي وراء تشكيل قطب سياسي مستقل في الساحة السياسية التركية. وهذا الأمر الأخير هو العامل الرئيسي الذي أفقد «حزب الحرية والعدالة» الأغلبية البرلمانية في الجولة الأولى من انتخابات 2015 بما حداه على حلّ البرلمان وتنظيم جولة جديدة بعد قيامه بمنعطف سياسي معادٍ للحركة الكردية. ومن المعروف أن الحكم التركي شنّ منذ ذلك الحين حملة قمعية متصاعدة ضد «حزب الشعوب الديمقراطي» وأقال العديد من ممثليه المنتخبين في البلديات ليعيّن أزلامه مكانهم، كما ألغى نيابة سبعة من نواب الحزب واعتقل ستة آخرين بينهم رئيس الحزب حتى ذلك الحين، صلاح الدين دميرطاش.

فقد انتقل «حزب الحرية والعدالة» من الاتكال على الأصوات الكردية بلعبه ورقة الإسلام المعتدل الجامع للأتراك والكُرد إلى الاتكال على الأصوات القومية التركية بلعبه ورقة العصبية القومية التركية. غير أن تلك اللعبة إن ضمنت للحزب الحاكم استمرار استئثاره بمقاليد السلطة ومنافعها عل النطاق العام من خلال ضمان غالبية الأصوات الريفية، إنما كلّفت الحزب نسبة هامة من الأصوات المدينية من خلال التقاء أصوات الطبقات الوسطى المدينية مع أصوات الكُرد النازحين من الأرياف وهم نسبة هامة من الناخبين في المدن الرئيسية، لاسيما العاصمة السياسية أنقرة والعاصمة الاقتصادية إسطنبول. وقد ساهم هذا الأمر في إفقاد «حزب الحرية والعدالة» للأغلبية في كافة مدن تركيا الرئيسية بما فيها العاصمتين.

وقد فطن الحزب الحاكم إلى هذا الأمر. فبعدما ألغى نتيجة انتخابات بلدية إسطنبول في آذار/ مارس الماضي وفرض إعادتها، انصبّ جهده على تغيير التصويت الكردي. فلجأ إلى حيلة قديمة هي توظيف رئيس «حزب العمّال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، الذي يقبع في السجن منذ عشرين عاماً. وقد نشرت وسائل الإعلام التركية، التي يُشرف عليها الحزب الحاكم أو يملكها، دعوة منسوبة إلى عبد الله أوجلان تحثّ الكُرد في اسطنبول على التصويت لمرشّح «حزب الحرية والعدالة»، بيد أن المناورة فشلت فشلاً ذريعاً.

تندرج خلاصة ما سبق في المحصّلة العامة: فقد عرف «حزب الحرية والعدالة» سنوات ذهبية في حكمه عندما كان يرى فيه الناخبون حزباً يسعى وراء تحقيق سلطة مدنية ديمقراطية وإحراز السلام في تركيا بما ترافق مع ازدهار اقتصادي تواصل عدّة سنوات. أما في السنين الأخيرة فقد انعكست كافة هذه الأمور: بدأ رجب طيّب أردوغان ينزلق على منحدر السلطوية بما أثار اشمئزاز بعض أقطاب حزبه، فما بالكم بسائر ألوان الطيف السياسي، وانتقلت صورته من صورة الرجل النظيف إلى صورة الحاكم الذي يولّي عائلته ومحاسيبه مناصب الدولة ويمنحهم عقودها. وقد أعاد الحكم التركي شنّ الحرب وحملات القمع الشنيعة على الحركة الكردية، بينما أخذ الاقتصاد التركي يتراجع بما يُنذر بأزمة اقتصادية ومالية عظيمة.

قبل قرن ونصف، كتب الرجل السياسي والمفكّر الكاثوليكي الإنكليزي لورد أكتون تعليقاً واحتجاجاً على إعلان الفاتيكان لمبدأ «العصمة الباباوية»: «تنزع السلطة إلى الإفساد، وتُفسد السلطة المطلقة بصورة مطلقة. ويكاد كبار الرجال أن يكونوا دائماً رجالاً سيّئين، حتى عندما يمارسون النفوذ بدل السلطة، وكم بالأحرى عندما تنضاف نزعة الإفساد الناجم عن السلطة، بل حتمية ذلك الإفساد».

“القدس العربي”

طباعة