aren

العالم والتغيرات «المناخية» الأربعة \\ كتابة :توماس فريدمان
الأربعاء - 8 - مايو - 2019

 

سنة 2019 سيتذكرها الناس لعدة أسباب، ولكن في مجال السياسة الخارجية قد يتذكرونها باعتبارها السنة التي نَفَدَ فيها حظنا. كيف ذلك؟ الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية كانت واحدة من تلك اللحظات المفصلية في التاريخ، فقد كنا محظوظين للغاية لظهور مجموعة من الزعماء الذين أدركوا أن لحظة الهيمنة الأميركية والغربية هذه قد لن تدوم بالضرورة. وبالتالي، كان من الضروري جداً تأمين قيمنا ومصالحنا الديمقراطية ضمن مجموعة من المؤسسات والتحالفات العالمية التي من شأنها أن تحافظ عليها وتخلدها.

لقد كانوا زعماء من طينة جورج مارشال، ودين آيتشيسون، وهاري ترومان في أميركا، وجون مونيه، أحد آباء الاتحاد الأوروبي المؤسسين، وكونراد أديناور، أول مستشار ألماني بعد الحرب العالمية الثانية، على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.

وفي 1989، شهدنا لحظة مفصلية أخرى مع سقوط جدار برلين، وانهيار الإمبراطورية السوفيتية. ومرة أخرى، كنا محظوظين لوجود مجموعة من الزعماء الذين عملوا معاً وأداروا بشكل سلمي سقوطَ الشيوعية، وإعادة توحيد ألمانيا، وصعود صين شبه رأسمالية. إنهم ميخائيل جورباتشيف، ورونالد ريجان، وجورج شولتز، وجورج إتش. دبليو. بوش، وبرنت سكوكروفت، وهيلموت كول، ومارجريت تاتشر، وفرانسوا ميتيران، وجيمس بيكر.

واليوم نحن في لحظة مفصلية أخرى كبيرة جداً – لحظة يعيش فيها العالم أربعة تغيرات مناخية في وقت واحد: فهناك تغير في «مناخ المناخ» – حيث تزداد الأماكن الحارة حرارة، والرطبة رطوبة، والجافة جفافاً، وحرائق الغابات تصبح أشد وأقوى. وهناك تغير في «مناخ العولمة» – حيث أخذنا ننتقل من عالم مترابط إلى عالم معتمد بعضه على بعض. وهناك تغير في «مناخ العمل» – حيث باتت الآلات تستطيع التفكير والتحليل والقيام بالأشياء بنفس سرعة البشر، وبشكل أحسن منهم، على نحو متزايد.

ثم هناك تغير في «مناخ الاتصالات». ذلك أن الهواتف الذكية المرتبطة بالحوسبة السحابية تشجع الناس على أن يصبحوا مراسلين صحافيين ومصورين وصانعي أفلام ومبتكرين ورواد أعمال، مثلما تشجع الأشرار على أن يصبحوا مجرمين سيبرانيين ومنتهكين للقانون.

هذه التغيرات المناخية الأربعة أخذت تخلق مجموعة جديدة تماماً من التحديات المرتبطة بالحكم. إنها ليست التحديات البديهية للشيوعية والاضطرابات الاقتصادية مثلما حدث في الحرب العالمية الثانية – عندما كان إنشاء «الناتو» ومخطط مارشال والاتحاد الأوروبي هو الحل البديهي. كما أنه ليس التحدي والفرصة البديهيين لنشر الديمقراطية وحرية الأسواق في الفراغ الذي خلفته نهاية الشيوعية في 1989، بل إنه التحدي الأقل بديهية والمتمثل في وقف تآكل أركان الديمقراطية والنظام التي بنيت في الفترتين السابقتين– ولكن بدون بعبع كبير وبديهي واحد أو سقوط جدار من أجل حشدنا وتعبئتنا.

إنني أتحدث عن الفوضى التي تأتي من انكسار (دول-أمم) تحت وطأة هذه التغيرات المناخية وتدفق حشود اللاجئين، ما يولد ردود فعل قوية وشعبوية قوية عبر كل الغرب. وأتحدث عن الفوضى التي تنشرها روسيا التي تريد أن تبقي على الغرب في حالة اضطراب.

إنني أتحدث عن الفوضى التي ستأتي من الكم المتزايد من الأفكار المتطرفة التي تنشرها الشبكات الاجتماعية. فهذا السم يساعد على تغذية العنف من النوع الذي رأيناه في سريلانكا وسان دييجو ونيوزيلاند، وهو يتسبب في تآكل الحقيقة الضرورية من أجل الحكم. وأتحدث عن سحق الحرية الذي بات باستطاعة الزعماء المستبدين الآن القيام به بفعالية أكبر بكثير بفضل الأدوات السيبرانية، مثل تمييز الوجوه والبيانات الكبيرة، التي تخدم الأنظمة المركزية.

ولكن هذه المرة يبدو أن حظنا أخذ ينفد.

فالبلدان والزعماء الذين كنا نعتمد عليهم في الماضي لإنشاء تأقلم عالمي واستراتيجي مع هذه التحديات – الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي – غائبون وتخلوا عن أدوارهم. وهذا الغياب هو ما يصفه بشكل جميل كتاب قيم جديد، «القناة السوداء.. ذاكرة الدبلوماسية الأميركية وقضية تجديدها» لمؤلفه ويليام بيرنز، الذي تقاعد من وزارة الخارجية الأميركية في 2014، بعد مشوار دبلوماسي دام 33 سنة.

الحجة التي يدفع بها بيرنز هي أن ما جعل الزعامة الأميركية (والأوروبية) ناجحة وفعالة في اللحظتين المفصليتين الأولين هي روح «المصلحة الذاتية المتنورة» – بمعنى أننا كنا أحياناً نتحمل أعباء زعامة أو أعباء اقتصادية أكبر من أجل إنشاء ائتلاف أو مساندة حلفائنا، وذلك لأننا على المدى الطويل كنا المستفيدَ الأول والأكبر من الاستقرار والتجارة التي يتيحها، باعتبارنا أكبر اقتصاد في العالم. وكانت تلك الروح تخدم كلاً من قيمنا ومصالحنا.

ولكن مقاربة ترامب، على حد قول بيرنز، تميل أكثر إلى «الأحادية القوية القائمة على الصفقات». غير أن قدرتها على النجاح لم تثبت بعد في أي مكان حتى الآن.

وفضلاً عن ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي أخذ يتفكك – بفضل جيل جديد من الزعماء الذين لا ينشئون أنظمة جديدة، ولكنهم يكتفون باللعب بها مثل البريطانيين الذين كسروا الاتحاد الأوروبي. ذلك أن مجموعة من السياسيين-المهرجين المحافظين في المملكة المتحدة ظنت أنها تستطيع الضغط في اتجاه الخروج من الاتحاد الأوروبي – بدون أي استعدادات وعبر الكذب بأن ذلك الخروج سيكون سهلاً ومربحاً للجميع.

“الاتحاد”

طباعة