aren

الشيء الذي یحدد مقاومة بلد ما للفیروس التاجي (كوفيد-19) \\ بقلم : فرانسیس فوكویاما
الخميس - 23 - أبريل - 2020

Capture

(خاص وحصري)

التجدد الاخباري \ قسم الترجمة الخاصة \

إنّ الخطّ الفاصل الرئیسيّ في الاستجابة الفعّالة للأزمة، لن یضع الأنظمة الاستبدادیة في جهةٍ ، والدیمقراطیات في الجهة الأخرى.

عندما ظهر الفیروس التاجي -الذي أصبح جائحة تنتشر حول العالم الیوم- في الصین في كانون الثاني\يناير، جادل الكثیرون بأنّ النظام الاستبدادي في الصین ، یمنع تدفق المعلومات حول خطورة الوضع. حالة “لي وینلیانغ”، الطبیب الذي عوقب لإطلاقه صفارة الإنذار في وقتٍ مبكرٍ ، وتوفي بعد ذلك بسبب المرض، اعتبر الأمر مثالًا على القمع السلطوي.

یبدو الوضع الآن ، أقل وردیة بالنسبة للحكومات الدیمقراطیة. تواجه أوروبا عبء مرض أضخم من ذلك الذي واجهته الصین، حیث تتجاوز إیطالیا وحدها عدد الوفیات ، المبلغ عنها رسمیا في الصین، على الرغم من وجود واحد إلى عشرین من حجم السكان بین البلدین . اتضح أن قادة العدید من الدیمقراطیات ، شعروا بضغوط مماثلة للتقلیل من مخاطر الوباء، سواء لتجنب تعریض الاقتصاد للخطر ، أو لحمایة مصالحهم الشخصیة. كان هذا صحیحًا لیس فقط للبرازیلي (جایر) بولسونارو ، أو للمكسیكي (لوبیز) أوبرادور، ولكن أیضا للرئیس (دونالد) ترمب ، الذي ظلّ یصرّ حتى منتصف آذار\مارس على أنّ الولایات المتّحدة ، كان المرض لدیها تحت السیطرة، وأنّ الوباء سیختفي قریبا.

یفسر هذا ، سبب خسارة الولایات المتحدة شهرین من التحضیر للتصدي للوباء، مما أدى إلى نقصٍ مستمرٍ في كتات “فحوصات” الاختبار واللوازم الطبیة. في غضون ذلك، تبلغ الصین عن توقف الحالات الجدیدة. بحسب ما ورد اندهش الطلاب الصینیون في بریطانیا من النهج المتراخي ، الذي اتّبعته حكومة بوریس جونسون!

عندما ینحسر الوباء، أظن أنه سیتعین علینا ، تجاهل التقسیمات الثنائیة البسیطة. إن الخطّ الفاصل الرئیسي في الاستجابة الفعالة للأزمة ، لن یضع الأنظمة الاستبدادیة في جهة والدیمقراطیات في الجهة الأخرى. بدلا من ذلك، سیكون هناك بعض الأنظمة الاستبدادیة عالیة الأداء، وبعضها مع نتائج كارثیة. سیكون هناك تباین مماثل -وإن كان من المحتمل أن یكون أصغر- في النتائج بین الدیمقراطیات. لن یكون المحدد الأساسي في الأداء ، هو نوع النظام، ولكن قدرة الدولة، وقبل كل شيء، الثقة في الحكومة.

تحتاج جمیع الأنظمة السیاسیة إلى تفویض السلطة التقدیریة للسلطات التنفیذیة في أوقات الأزمات. لا یمكن لأي مجموعةٍ من القوانین أو القواعد الموجودة مسبقًا ، توقّع جمیع الحالات الجدیدة والمتغیّرة بنفس السرعة ، التي ستواجهها البلدان فیها. تحدّد قدرة الأشخاص في القمة وأحكامهم، ما إذا كانت النتائج جیدة أم سیئة. وفي صنع هذا التفویض للسلطة إلى الجهات التنفیذیة، فإنّ الثقة، هي السلعة الوحیدة ، الأكثر أهمیة ، التي ستحدد مصیر المجتمع. سواء في دیمقراطیةٍ أو في دیكتاتوریةٍ، على المواطنین أن یعتقدوا ،أن السلطة التنفیذیة تعرف ما تفعله.والثقة للأسف، هي بالضبط ما تفتقده أمریكا الیوم. من المفاهیم الخاطئة الشائعة،أن الدیمقراطیات اللیبرالیة لدیها بالضرورة حكومات ضعیفةٌ ، لأنها یجب أن تحترم الاختیار الشعبي والإجراءات القانونیة. لقد طوّرت جمیع الحكومات الحدیثة ، فرعا تنفیذیا قویا، لأنه لا یمكن لأي مجتمع أن یعیش بدون هذا الفرع.

إنهم بحاجة إلى دولة قویة وفعالة وحدیثة ، یمكنها تركیز السلطة ، ونشرها عند الضرورة لحمایة المجتمع ، والحفاظ على النظام العام،وتقدیم الخدمات العامة الأساسیّة. ما یمیز الدیموقراطیة اللیبرالیة عن النظام الاستبدادي ، هو أنّها توازن بین سلطة الدولة ومؤسسات التقیید ، أي حكم القانون والمساءلة الدیمقراطیة . تختلف نقطة التوازن الدقیقة بین مؤسسة السلطة الرئیسیة، والسلطة التنفیذیة، والمؤسسات المقیدة الأساسیة (المحاكم والسلطة التشریعیة) من دیمقراطیةٍ إلى أخرى، وتختلف أیضًا بمرور الوقت.

لا یقلّ هذا صدقا في حالة الولایات المتحدة عن أي دیمقراطیة لیبرالیة أخرى، على الرغم من امتلاكها ثقافة سیاسیة، تولد انعدام الثقة الشدید في سلطة الدولة المركزة ، والقانون المقدس والدیمقراطیة. كتب دستور الولایات المتحدة على خلفیة ضعف وثائق الكونفدرالیة. (ألكسندر هامیلتون)، وهو من المدافعین المتحمسین عن ما أسماه في “الفیدرالیة رقم 70 :”الطاقة في السلطة التنفیذیة”، فهم جیدا الحاجة إلى قیود قانونیة ودیمقراطیة قویة على السلطة التنفیذیة. لكن هامیلتون ، جادل (أیضا) بأنه لن تكون المحكمة ، ولا الكونجرس قادرین على التصرف بشكل حاسم في أوقات الخطر القومي. ستنشأ هذه المخاطر في أوقات الحرب ، أو العصیان الداخلي، لكنها قد تنشأ أیضا من أسباب جدیدة، مثل الوباء العالمي ، الذي نواجهه الآن. تختلف أنواع السلطة الممنوحة للسلطة التنفیذیة حسب الظروف، ما كان مناسبًا خلال وقت السلم ، لیس هو بالضرورة ما سیسود في أوقات الحرب ، أو الأزمات.

وهكذا أنشأ الدستور في المادة الثانیة، فرعًا تنفیذیا ازداد قوة وسلطة في القرون ، التي تلت التأسیس. وقد دفع هذا النمو بحالات الطوارئ التي تطلّبت إجراءً تنفیذیا قویا، مثل الحرب الأهلیة والحربین العالمیتین والأزمات المالیة التي حدثت في 1908 و 1929 و 2008 . خلال الحرب الأهلیة، قام أبراهام (لینكولن) بتعبئة جیشٍ من ملیون رجل، على الرغم من أنّ الاتحاد ،یضمّ أقل من 20 ملیون شخص. عندما أصبحت خطوط السكك الحدیدیة الأمریكیة المطلوبة لتزوید الجهد الحربي في أوروبا متعثّرة بشكل میؤوسٍ منه، قام وودرو (ویلسون) بتأمیمها، وتحویلها إلى شركاتٍ مملوكةٍ للدولة. قام فرانكلین (دي روزفلت) بتنظیم جهدٍ حربيٍّ أكبر خلال الحرب العالمیة الثانیة، وتجاوز الكونغرس في التفاوض على الإقراض. خلال الأزمة المالیة لعام 2008 ، تمّ تفویض مجلس الاحتیاطي الفیدرالي ، سلطاتٍ غیر مسبوقة، حیث قام بتحویل مئات الملیارات من الدولارات لدعم المؤسسات المالیة المهمة للنظام (بما في ذلك العدید من المؤسسات الأجنبیة) مع القلیل من إشراف الكونغرس.

وهكذا تمكّنت الولایات المتّحدة من تولید كمیاتٍ هائلة من سلطة الدولة عند الضرورة. في أمریكا اللاتینیة، منحت الهیئات التشریعیة في كثیر من الأحیان سلطات الطوارئ للرؤساء ، الذین احتفظوا بها وأصبحوا دیكتاتوریین فیما بعد. نرى الیوم عملیات انتزاعٍ مماثلة للسلطة في المجر والفلبین. على النقیض من ذلك، تمیل الولایات المتحدة إلى إعادة السلطة إلى المجتمع بمجرد انتهاء حالة الطوارئ. تم تسریح الجیوش بسرعةٍ في 1865 و 1918 و 1945 ، أعاد ویلسون السكك الحدیدیّة إلى الملكیّة الخاصّة بعد بضع سنوات. السلطات الممنوحة للسلطة التنفیذیة بموجب قانون باتریوت بعد الحادي عشر من ايلول \سبتمبر قد تمت استعادتها تدریجیاً.

لذا، في حین أنّ أمریكا قد تكون بطیئةً في التصرف في البدایة، ما تلبث أن تصل إلى السرعة المطلوبة، فمن المحتمل أن تتماثل مع قدرات معظم الحكومات الاستبدادیة، بما في ذلك الصین. في الواقع، یمكن للمرء أن یجادل بأنه نظرا لأن السلطة في الولایات المتحدة ، شرعیةٌ دیمقراطیا، فهي أكثر دیمومة على المدى الطویل من سلطة الدیكتاتوریة. بالإضافة إلى ذلك، یمكن للحكومة أن تستفید من الأفكار والمعلومات من المواطنین والمجتمع المدني بطریقة لا تستطیع الصین القیام بها. وعلى الرغم من كل تلك الفدرالیة الأمریكیة ، التي تقسّم السلطة، فإنها تنشئ أیضا مختبرا من 50 ولایة للأفكار الجدیدة. كان حكام نیویورك وكالیفورنیا على استعدادٍ للتحرك بشكل أسرع وأكثر حسماً في هذا الوباء من الحكومة الفیدرالیة المتعثرة. تفوض الدیمقراطیة ، سلطات الطوارئ لسلطتها التنفیذیة للتعامل مع التهدیدات سریعة الحركة. لكن الاستعداد لتفویض السلطة واستخدامها الفعال ، یعتمد على شيء أساسي قبل كل شيء، وهو الثقة في أن السلطة التنفیذیة ، ستستخدم تلك السلطات الممنوحة لها بحكمة وفعالیة. وهنا تواجه الولایات المتحدة مشكلة كبیرة الآن.

الثقة مبنیة على أساسین.

أولاً : یجب أن یعتقد المواطنون أنّ حكومتهم لدیها الخبرة والمعرفة التقنیّة والقدرة والحیاد لاتخاذ أفضل الأحكام المتاحة. تتعلق القدرة ببساطةٍ بالحكومة التي لدیها عددٌ كافٍ من الأشخاص الذین لدیهم التدریب والمهارات المناسبة للقیام بالمهام الموكلة إلیهم، من رجال الإطفاء المحلیین ورجال الشرطة والعاملین الصحیین إلى المسؤولین التنفیذیین الحكومیین ، الّذین یتّخذون قراراتٍ عالیة المستوى حول قضایا مثل الحجر الصحي وعملیات الإنقاذ. الثقة شيء كان لدى الاحتیاطي الفیدرالي الأمریكي في أزمة عام 2008 : فقد كان رئیسه بن (برنانكي)، أكادیمیًا سابقًا ، درس الكساد الكبیر بعمق، ویعمل الاحتیاطي الفیدرالي مع خبراءٍ اقتصادیین محترفین ، بدلاً من المعینین من قبل السیاسیین ، الذین من المحتمل أن یفضلوا الأصدقاء والمقربین.

الأساس الثاني: هو الثّقة في الطرف العلوي من التسلسل الهرمي، بما یعني “في النظام الأمریكي” الرئیس. تمتع لینكولن وویلسون وروزفلت بمستویاتٍ عالیةٍ من الثّقة خلال أزماتهم. كرؤساءٍ في زمن الحرب، نجح هذا الثلاثي في تحویل أنفسهم إلى رموزٍ في النضال الوطني. هكذا فعل جورج (دبلیو) بوش في البدایة بعد 11 أيلول\سبتمبر، ولكن مع اشتداد غزوه للعراق، بدأ المواطنون یتساءلون عن تفویضات السلطة التي منحوها إیاه عبر تشریعٍ ، مثل قانون “باتریوت”.

تواجه الولایات المتحدة الیوم ،أزمة ثقة سیاسیة.قاعدة ترمب 35-40 في المائة من السكان الذين سوف يدعمونه بغض النظر عن أي شيء – تمت تغذیتهم بقصص التآمر على مدى السنوات الأربع الماضیة ، فیما یتعلق بـ“الحالة العمیقة”، وتم تعلیمهم عدم الثقة في أي خبراء لا یدعمون الرئیس بنشاط. یواصل الرئیس ترمب ، تشویه سمعة الوكالات ، التي یشعر بأنها معادیة ، ویحاول تقویضها: مجتمع المخابرات، ووزارة العدل، ووزارة الخارجیة، ومجلس الأمن القومي، وحتى الإدارة الوطنیة لعلوم المحیطات والغلاف الجوي.

شهدت العدید من الوكالات الإداریة ، استنزافا مطردا لموظفي الخدمة المدنیة المهنیة في السنوات الأخیرة، حیث انتقلت مناصب ذات مسؤولیة كبیرة ، إما إلى رؤساء الوكالات والمكاتب بالنیابة، أو إلى الأصدقاء السیاسیین للرئیس ، مثل القائم بأعمال مدیر الاستخبارات الوطنیة ریتشارد (غرینیل).

مع قیام أحد الحزبین ، البالغ من العمر 29 عاما بإجراء عملیة تطهیر للوكالات الفیدرالیة، وضعت الإدارة الولاء الشخصي فوق الكفاءة. یبدو أن ترمب في طریقه إلى تهمیش أنطوني (فاوتشي)، مدیر المعهد الوطني للحساسیة والأمراض المعدیة، الموثوق به للغایة ، بسبب اختلافه معه علنًا.

كل ذلك یسّلط الضوء على حجم التحدي الذي یواجه الأساس الثاني: الثقة في الرئیس ودائرته المباشرة. لم یسع دونالد ترمب أبدا، خلال ثلاث سنواتٍ ونصف السنة من ولایته الرئاسیة، للتواصل مع أكثر من نصف سكان الدولة ، الّذین لم یصوتوا لصالحه. لم یتخذ أیا من الخطوات البسیطة التي یمكن أن یضطر إلیها لبناء الثقة. عندما سئل مؤخرًا من قبل الصحفي ، عما سیقوله للأمریكیین الخائفین – سؤالٌ سهل الإجابة (سوفتبول) كان أيّ زعیمٍ آخر سیضربه خارج الحدیقة – ذهب بدلاً عن ذلك إلى الثوران ضد السؤال والصحفي!.

بسبب تردد ترمب في أخذ وباء كوفید- 19 على محمل الجد، أصبح العدید من المحافظین ،ینكرون أننا في أزمة من الأساس، ویصرون على أن الذعر المحیط بالفیروس التاجي ، هو نتیجة مؤامرة دیمقراطیة ، لإنزال رئاسة ترمب. أعلن ترمب نفسه على أنه رئیس “زمن الحرب”، أنه یرید إعادة فتح البلاد بحلول عید الفصح. وقد اعترف بأنّ هذا التاریخ ، لم یتم اختیاره على أي أساس وبائي، ولكن لأنه سیكون موعدا “جمیلا” للكنائس. ربما كان یفكر في المشهد الوطني الخاص بعید الشكر ، الذي یمكن أن یحیط به مسیرته، وكیف سیؤثر ذلك على فرص إعادة انتخابه.

إنّ انعدام الثقة الشدید، الذي صنعه ترمب وإدارته، وانعدام الثقة في الحكومة ، التي غرسوها في مؤیدیهم، ستكون له عواقب وخیمة على السیاسة. أصر الدیمقراطیون على تضمین متطلبات الشفافیة لاستخدام صندوق إنقاذ الشركات المدرجة في مشروع قانون الإغاثة البالغ 2 تریلیون دولار ، والذي تم تمریره یوم الجمعة.وأكدت إدارة ترمب في توقیعها، أنّها لن تكون ملزمة بهذا البند،تماما كما رفضت إشراف الكونغرس أثناء إجراءات العزل، وهذا یضمن أن أي ممارسة مستقبلیة لسلطات الطوارئ لمساعدة الشركات المتعثرة أو المناطق التي تضررت بشدة سیتم تخمینها ثانیةً، وتخضع لاتّهامات المحسوبیة من جانب إدارة كانت سعیدة حتى الآن بمكافأة المقربین.

في النهایة، لا أعتقد أننا سنتمكن من التوصل إلى استنتاجات عریضة حول ما إذا كانت الدیكتاتوریات أو الدیمقراطیات أكثر قدرة على النجاة من الجائحة. كانت دیمقراطیات مثل (كوریا الجنوبیة وألمانیا) ، ناجحة نسبیا حتى الآن في التعامل مع الأزمة، حتى لو كان أداء الولایات المتحدة أقل.ما یهم في النهایة لیس نوع النظام، ولكن ما إذا كان المواطنون ، یثقون في قادتهم، وما إذا كان هؤلاء القادة ، یرأسون دولة كفؤة وفعالة. وفي هذا الصدد یترك تعمق القبلیة في أمریكا ، أسبابًا قلیلةً للتفاؤل.

https://www.theatlantic.com/ideas/archive/2020/03/thing-determines-how-well-countries-respond-coronavirus/609025/?fbclid=IwAR2l2mrB7NAbQ_Il6K1XyxeOcQZr5HN9a7XwEXHnFhFwgN5HVc0tJ22epA0

طباعة